المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

السيد الشامي Headshot

في طبيعة المرحلة.. محاولة للفهم

تم النشر: تم التحديث:

من البدهيات القول إن فهم وإدراك طبيعة المرحلة التي تعيشها الأمة مهم وضروري في التعامل الصحيح مع الفرص التي تتيحها، وكذا التحديات والمخاطر التي تتسم بها، ومن البدهيات كذلك القول بأن رصد وقراءة الواقع قراءة صحيحة مهمان في وضع خطط تغييره، وبدون ذلك تظل الحركة مجرد ردود فعل واستجابات وقتية دون رؤية للفعل المبادر والمؤثر في معادلة التغيير وصناعة المستقبل.

لا توجد وصفة جامعة مانعة للمرحلة، ولا يمكن الجزم بوصفها في إحدى سماتها أو تجلياتها، إنما يمكن النظر إلى المرحلة من عدة زوايا ومداخل، ومن ذلك القول إنها مرحلة تحول وانتقال بين حالتَين؛ حالة سكون واستقرار وهمي إلى حالة اضطراب وربما فوضى تدفع فيها الشعوب ثمن أشواقها إلى الحرية، ومطالبها بالعدالة والكرامة الإنسانية والتحرر من كل سلطان وسلطة محلية أو أجنبية، سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو إعلامية، هذه المرحلة لن تكون نزهة قصيرة يوماً أو بعض يوم، وإنما ستكون -كما يرى الاستراتيجيون- مرحلة انتقال سياسي طويل -عقدين على الأقل- بما يعنيه ذلك من مد وجزر وصعود وهبوط وتقدم وتراجع.

هذا الإدراك للمدى الزمني الذي ستحتاجه مرحلة التحول والتغيير مهم في ضرورة استحضار سياسة النفَس الطويل، ومراكمة المكتسبات، والبناء على حالة الوعي، والتحضير للبديل المناسب والبرامج والكوادر والخطط والسياسات والتدريب، وليس مجرد هبات وردود فعل وقتية تعود الأمور بعدها إلى سابق عهدها.

ومن جملة ما يمكن قوله في هذا الخصوص أن الترويج لحسم وانتصارات سريعة هو نوع من الخداع والوهم والغفلة التي وسمت المرحلة الأولى من عمر الثورات العربية، والتي ظن الكثيرون أنها حسمت في 18 يوماً، وفي هذا الإطار فإن تسويق خطابٍ كهذا من شأنه إشاعة حالة من الاسترخاء تعقبها حالة من الإحباط واليأس تحتاج للكثير من الوقت لإعادة الأمل واستئناف المسير مرة أخرى.

بين الشعوب والتنظيمات:
ومع التسليم بضرورة التنظيم لقيادة التغيير والاستقلال الحضاري الذي تنشده الأمة؛ لأن الأعمال الفردية مهما عظمت، والجماهير السائبة والسائلة والعفوية مهما كثرت لا تنجز تغييراً، وهو ما يستدعي ضرورة وجود المؤسسات والتنظيمات المتنوعة لإنجاز مهمة التغيير والتحول، لكن يبقى أن تدرك هذه التنظيمات أن الشعوب والمجتمعات هي الأصل والمقصد والمستهدف، وأن المرحلة تستدعي شكلاً من التنظيمات والمؤسسات الشعبية المفتوحة العضوية، وأن المركزية أصبحت وصفة تناسب حالة الاستبداد التي تسعى الشعوب للانعتاق منها، ومن ثَم عليها اعتماد سياسة الشبكات واللامركزية والتخصص والتنوع والتحالف والجبهات واللوبيات لإنجاز الأهداف.

ودرس الفترة الماضية يقول: إن الحزبية والفصائلية والانتماءات الضيقة أضرَّت كثيراً بالثورات كما أضرت بالدعوات، ولا مخرج إلا بإيجاد حالة توافق عام واصطفاف مجتمعي حول المطالب والأهداف، بعيداً عن التصنيف والإقصاء للمخالف، ويبقى التنظيم هنا وسيلة وآلية للحشد والتعبئة والضغط، وليس هدفاً بحد ذاته، وعلى حركات التغيير إعادة هيكلة بنيتها الإدارية ومراجعة أدبياتها ومرجعياتها الفكرية ولوائحها التنظيمية بما يقوي من فاعليتها وتأثيرها في مشروع التغيير.

القضية المركزية للمرحلة
بدون الاتفاق على قضية مركزية للمرحلة تستوعب كل الطاقات والجهود والموارد، يصبح الهدر والتشتت وتأخير الحسم هو سمة المرحلة، ومن ثَم فمن الضروري والمهم عدم الانجرار وتضييع الوقت في قضايا فرعية وهامشية يصنعها الخصوم للإلهاء وكسب الوقت، دون فعل مؤثر وحاسم في إنجاز التغيير المنشود، ولعل القضية الجامعة التي يجب أن يلتف حولها الجميع هي قضية تحرير المجتمعات من الاستبداد الداخلي والتبعية الخارجية، والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، بما تعنيه من العيش الكريم والحياة الآمنة.

ما سبق يستدعي بشكل عاجل المبادرة بإطلاق المشروع الوطني الجامع الذي يلتف حوله القوى السياسية والمجتمع، وتكوين تحالف سياسي موسع، وتوسيع مساحات الشراكة والتنسيق مع القوى والشخصيات الوطنية، بما يتطلبه من دعم آليات الاصطفاف الوطني لإنقاذ الوطن والنهوض به، وبلورة خطاب سياسي وإعلامي يعيد بناء اللُّحمة الوطنية ويعالج الشروخ المجتمعية وحالة الانقسام والتشرذم على مستوى الوطن والكيانات الوطنية.

والمساهمة في تشكيل وعي جمعي للشعب لتبنّي منظومة القيم، وفي مقدمتها مقاومة الظلم، ومحاربة الفساد، وتحقيق الاستقلال الوطني.

كما أن هناك ضرورة وحاجة مُلحة لاستجابة مختلفة تتجاوز ضغوط اللحظة، في شكل مراجعات كبرى حول مساحة السياسة وأدواتها في مشروع التغيير والخطاب الذي يناسب ذلك، مع التأكيد على أن المطلوب أكثر من وجود حزب وفريق يتفقه في السياسة، ويمارسها على مستوى الفكر والخطاب والتنفيذ التشغيلي؛ بل المطلوب إعادة صياغة رؤية شاملة لقوى التغيير تناسب المرحلة سياسياً وفكرياً وتربوياً واجتماعياً، ومن دون تلك الرؤية الشاملة ستظل الحركة في الفراغ، وإعادة تدوير القديم فكراً ورؤيةً وقيادةً وأنشطةً دون عمل مؤثر ينفع الناس ويمكث في الأرض.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.