المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 فتيحة الفخوري Headshot

على حافة اللاشيء

تم النشر: تم التحديث:

يا صديقي.. هل مررت في يوم من حياتك بشيء اسمه اللاشيء، ترفرف فيه اللام وترادفها الألف مسجونة في جوفها، لا تحس، لا تتألم، لا تحب، لا تحن ولا تشتاق حتى أنك لا تكره، لا ذكريات، لا ماضٍ.. لا شيء يعكر صفو مزاجك، لا هموم، لا مشكلات ولا مواعيد.

حين تهرب من اللاشيء لتصير بذاتك الشخص اللاشيء، إحساس أكثر من أقول إنه رائع، فأنت في هذا اليوم بالذات لن تفتقد، لن تسأل ولن تبحث عن أحد، وربما لن تراقب شاشة هاتفك اللعين منتظراً إياه متى يرن، ولن تتصفح جديد أحبتك بين ثنايا هذا العالم الأزرق، ولن تسأل لما لم يجيبوا على رسائلك وقد توصلوا بها ما يقارب تسع ساعات؟ لن تنتظر من الحاضر بميزة الغائب أن يجيب.

اليوم يوم اللاشيء تعلو روحك وتترفع عن كل الأسئلة وتتنكر لكل الأحاسيس والمشاعر، اليوم أنت مولود جديد، وكيان حديث.

اليوم يا صديقي تستيقظ وتبدأ يومك على أنه أول يوم بوجودك، ستنكر إدمانك لكوب القهوة كل صباح، وكلمات درويش وأغاني فيروز وكتابات فرانز كافكا ربما.. ستتظاهر بأنك لا تستهويك موسيقى موزارت وسيمفونية بتهوفن ورقص السالسا، أنت اليوم لا تجيد فهم النوتات والألحان وربما حتى عطورك المفضلة لن تستهويك اليوم، ستتظاهر بأنك لا تعلم من أنت؟ فترمق نفسك بابتسامة ساحرة وأنت تحاور مرآتك وتسألها من أجمل شخص بالعالم؟ فتخبرك أنك الأجمل في هذا العالم.

أنت اليوم حر بلا قيود، فأنت اليوم كالربيع الذي يعطر الوجود بأمل جديد، متناسياً كل الفصول، لن يكسرك شيء ولن تسقط في حفر اليأس، لن تستهويك شفقة أحد، ولا عطفه، يا صديقي عِش كما تهوى نفسك، كن عاشقاً لذاتك.

اصرخ هنا الأمل، هنا الحياة، اهرب اشتياقاً إلى عبثية اللاشيء وارتمِ بين ثناياها، فأنت لست مجرد اسم، كُتب له رقم يحصي سنين وجودك، أنت كيان، وقبل كل شيء أنت روح جميلة، بريئة لم تأتِ لي هذا العالم بمحض الصدفة، فيا ترى كم يوماً نحن بحاجته لنحيا مثل هذا اليوم؟

لذلك يا صديقي ارمِ كل شيء سيئ خلفك، ودع قلبك صافياً لا تعثره تجاعيد الأيام، فبعد كل شهقة احتضار هناك دوماً حياة جديدة، اركض إلى الحياة وابحث عن اللاشيء في كل شيء، لا تتوقف ولا تضعف، وإن كان لا بد من التوقف حينها فلترقص يا صديقي، ولتبتسم للحياة من أجلك أنت، فالحياة لا تنتظر أحداً.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.