المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيلاف راجح هادي Headshot

العراق والبعد الخامس

تم النشر: تم التحديث:

قد نتساءل ما هو البعد الخامس الذي ستحاول هذه المقالة أن تبحث عنه في العراق؟ كما تتداول أدبيات العلوم السياسية مقومات تشكيل الدولة التي هي كالآتي:

- الشعب. - الإقليم. - النظام السياسي. - الاعتراف الدولي بسيادة الدولة. أما البعد الذي نتكلم عنه فهو "صميم الدولة" ونعني به المدار الذي تتمحور سياسة الدولة وفقاً له، والأرضية التي تنطلق منها سياساتها والهدف الأعلى الذي تتبناه. وإذا راقبنا سياسات الدول الأخرى لوجدنا صميم الدولة واضحاً؛ إذ نجد باكستان تحاول أن تبقي على هويتها وتوازن القوى مع الهند، أما الولايات المتحدة الأميركية فهو الأمن القومي، واليابان هو النمو الاقتصادي، حتى المنظمات الدولية فإنها تملك صميماً لوجودها إذ نجد أن الأمم المتحدة جل جهدها ينصب على تعزيز السلام والاستقرار ورفع مكانة الإنسان، الاتحاد الأوروبي الحفاظ على الوحدة وتعزيزها. فيما يخص العراق فإن صميم الدولة المفترض هو (الأمة العراقية)؛ لتكون البوتقة التي تجمع جميع العراقيين دون تمييز لغرض بناء دولة عصرية تمتاز بمقومات الدولة المتحضرة وتمتع بنظام ديمقراطي يحفظ كرامة الإنسان، وتتبنى سياسة خارجية متوازنة أساسها الحوار والتعاون ومحورها السلام، وتسعى إلى رفع مكانتها في المجتمع الدولي. ولكن أين نجد اليوم صميم الدولة الذي بات متخبطاً في ظل صراعات سياسية أفقدت التوازن في العلاقة بين السلطة والشعب، وزعزعت ثقة المواطن بمبادئ الدولة العراقية الحديثة. فهل بات صميم الدولة متمثلاً بقدرة الحكومة على توفير الخدمات أم تعبيد الطرق أو تغطية مفردات البطاقة التموينية؟ وأين من كل هذا حرية التعبير والفكر؟ لذا أصبحت منجزات الدولة مادية فقط، أما المعنوية فأصبحت كماليات يبحث عنها النخبة المثقفة الواعية، أما المواطن البسيط فيبحث عن الأساسيات، وفي طليعتها الأمن الذي أصبح حلماً بعيد المنال في ظل سياسات أمنية معبرة عن ردود فعل لحالة الفوضى ولخطط المنظمات الإرهابية. هل أصبح صميم الدولة هو استعراض القوى للأطراف السياسية المتنفذة في العراق أم الهدف هو التحكم في عملية صنع القرار بدلاً من الحوار البناء داخل أروقة المؤسسات العراقية ومن أهمها البرلمان؟ وأصبحت المحاصصة والتوافق هي الهدف الأول للعملية الانتخابية، وزيادة الحقائب الوزارية هي السبيل للتوافق وليس المحاسبة والإنجاز الحقيقي، وأصبحت الانتخابات هي الوسيلة للوصول إلى السلطة والتشبث بها لمدة أربع سنوات بدلاً من أن تكون طريق الشعب لتقويم العملية السياسية ومحاسبة المتنفذين في المناصب العليا في الدولة، وأصبح الشعب هو الموظف لدى المسؤول بدلاً من أن يكون الأخير خادماً للشعب. حتى بات الأمر حافزاً للكثيرين للحديث عن الانفصال من هذه البيئة الطاردة للاتفاق والتعاون؛ حيث لم يتنازل الكرد عن حلم الانفصال طيلة المدة التي تلت التغيير في 2003. والسؤال لماذا؟ يكمن الجواب في الجدلية التاريخية حول أحقية إنشاء دولة كردية، ولكن الجدل اليوم توجه نحو موضوع آخر وهو أحقية وجود دولة عراقية حديثة من عدمه. فمن يدعو للانفصال يقبع في خضم جدل سياسي محتدم بين الجدلية التاريخية والظروف السياسية المعاصرة، وبالمحصلة هو يرفض في الأساس اشتراكه في ظل دولة اسمها العراق، تفتقر لمفردات المواطنة والاستقرار. ويعد هذا الأمر دليلاً واضحاً على غياب الوازع الوطني المشترك في تفكير القادة السياسيين عموماً وليس الكرد فحسب؛ حيث طغت الهويات الفرعية على الروح الوطنية، وبات السياسيون على أتم الاستعداد لتوظيف الظروف العامة التي يمر بها البلد من أجل مكاسب سياسية فئوية ضيقة، وليس الكرد في منأى عن هذا كله، بل هم الأكثر صراحة بين الشركاء السياسيين في العملية السياسية. وبهذا الإطار، لا يمكننا توجيه كل اللوم على الكرد لرغبتهم في الانفصال عن العراق، فلم يقدم لهم بقية الأطراف الفرصة الحقيقية لعراق آمن موحد يرى فيه الجميع ملاذاً ومشروعاً مشتركاً. وفي الوقت ذاته لا يمكننا التغاضي عن الدور السلبي للقادة الكرد في تصعيد أزمة سياسية مع الحكومة المركزية. ويبقى التساؤل الأكثر طرحاً: هل هذا هو التوقيت المناسب للاستفتاء على الاستقلال؟ وهذا الأمر يعطينا انطباعاً وكأنما لا يعترض الفرقاء السياسيون على هذا الحق (كما يراه الكرد) بقدر رفضهم للطريقة التي تم فيها الإعلان عن الاستفتاء من جانب واحد ودون اتفاق مع بغداد، مما أفقده للمشروعية الدستورية. ما نود أن نقوله إن الأزمة السياسية الحالية بين الكرد والمكونات الأخرى هي أزمة وطن وأزمة هوية. وقد يتساءل البعض: كيف تتعزز ثقافة أمتنا العراقية إن لم نتفق في الأساس على رموز مشتركة تجمع المكونات المجتمعية المختلفة للشعب العراقي؛ إذ لا يوجد اتفاق على الرموز الوطنية المشتركة؛ حيث بحثت في أروقة الذاكرة التاريخية للعراق ولم أجد شخصية وطنية واحدة متفقاً عليها بين الجميع على أن تكون رمزاً للأمة العراقية أو لثقافة هذا المجتمع، حتى العيد الوطني لم نتفق عليه حتى اللحظة، وذلك بسبب ضعف وازع الهوية المشتركة في مدركات المكونات الفرعية للمجتمع العراقي، فالخلاف السياسي يطغى على جميع المفردات الوطنية الأخرى على الرغم من وجود شخصيات متفق عليها وطنياً، لا سيما على الصعيد الثقافي. ولكن مع هذه المعطيات المعقدة السالفة الذكر التي تعد سلبية إلا أنه يمكننا رؤية التجربة العراقية من زاوية أخرى؛ إذ على الرغم من الظروف القاسية التي مر بها العراق خلال العقد الأخير من الزمن، فإن صموده في وجه هذه الظروف أثبت لحُمة قوية وأصالة نسيج المجتمع العراقي وقدرته على امتصاص وتخفيف حدة الظروف وتوجيهها بالاتجاه الذي يخدم مصلحته، وهذا ما حدث فعلاً؛ إذ دافع الشعب عن حقه في انتخاب حكومته بغض النظر عن الملاحظات المتداولة حول أداء الحكومة، إلا أن هذا يعني أنه بالضرورة قادر على محاسبتها وتقويم العملية السياسية بما يعزز مستقبل العراق؛ إذ إن قدرة الشعب ستكون حجر الأساس للبحث عن صميم الدولة الحاضر الغائب.. وسيكون الصميم هو الروح الوطنية وانتشالها من غبار العملية السياسية بتنوع الأطياف السياسية والقومية والدينية لتسمو هوية العراق بعيدة عن كل هذه المعطيات الثانوية. وللخروج من هذه الأزمة نرى من الضروري أن تكون الأمة العراقية هي جوهر الهوية الوطنية المشتركة والبوتقة التي يعزز فيها الفرد العراقي وتحفظ حقوقه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.