المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيهاب سمير شتا  Headshot

شفيق ومعضلة الإخوان

تم النشر: تم التحديث:

فيما يبدو أن مشاكل الإسلاميين مستعصية مزمنة طويلة الأمد يعرفها الحاضر والغائب ولا يعرفونها هم، ونحن حين نتحدث عن الإسلاميين نخص منهم المختص بالشأن السياسي لبلاده، وسنخصّ منهم إسلاميي مصر، وفي القلب منهم الإخوان، خاصة حين نفصل في أزمة تقييم القدرات التي يعانونها منذ يوليو/تموز 52 إلى يوليو/تموز 2013.

هناك لعبة شهيرة من ضمن ألعاب الورق تدعى التخمين أو الترتيب، وفيها يطلب من كل لاعب تقييم ما يحصل عليه من أوراق من حيث ترتيب القوة، وهكذا يدوّن قبل بداية اللعب توقعه لكم، لعبة سوف يحصل عليها، ومن البديهي أنه إذا لم يحصل على عدد اللعبات المتوقع يخسر، لكن الطريف أنه أيضاً إذا فاز في عدد أكبر من اللعبات يخسر، الأمر ذاته قد ينطبق سياسياً، لا بد أن تختار دوماً موقفك، بناء على ما معك من أوراق وتتوقع متى ستكسب ومتى ستخسر وهنا يخسر الإخوان دائماً، فدون تفصيلات وقوعهم في الفخ بعد انقلاب يوليو/تموز 1952 ودخولهم الحظيرة أيام مبارك، مروراً بأزمة سيد قطب وجنة السادات، فسنتوقف بشكل أكثر تفصيلاً، أما محطاتهم الأخيرة بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011 فقط مع التأكيد أنها حلقة مكررة من قبل.

عادة لا يتلقى اللوم الإخوان، اللوم الأكبر جراء تأخر مشاركتهم الرسمية في ثورة يناير، بل قد يقال إن ذلك كان مخططاً له؛ لئلا تصطبغ الثورة بألوان خضراء تستغل من جانب النظام، لكن اللوم الأكبر عادة ما يقع فيما بعد الثورة.

الشارع هائج بالفعل، وقوائم النظام القديم مرتعدة بالفعل، وأزيد أن الإخوان يعرفون بالفعل أن ثورة مضادة ستقوم لا محالة، وأن النظام لم يمت وسيحاول استعادة قواه، هنا يسيء الإخوان التقدير، فيساهمون بصراحة في تمييع كل قضايا الثورة، وهو هدف النظام الوحيد، وذلك كله بحجة الاستقرار المطلوب.

وهكذا تتوالى نكبات استفتاء مارس/آذار وما تلاه من إعلان دستوري وأزمات محمد محمود التي أسفرت عن برلمان كان يستطيع أن يحصل على السلطة منفرداً لو استغل فرصة ذكرى الثورة الثانية التي ضيعها الإخوان كالعادة.

كان موقف الإخوان أحياناً والإسلاميين عموماً محكوماً بصراع أيديولوجي كفيل بغيرهم أن يقعوا فيه، لكن من تمرس السجن والاعتقال هل قد يفضله على أيديولوجية مختلفة؟

قد يقول الإخوان: إن مساعيهم قد توجت بالنجاح، وإن صراع النفس الطويل قد آل لهم برئيس منهم، لكن لا بد أن نذكر أنه رئيس بلا سلطة تقريباً قلمت أظافره من اليوم الأول ببرلمان منحل وإعلان مكمل، ورؤوس الشياطين على كراسي الجيش والشرطة والنيابة والإعلام.

لكن منصب الرئيس أياً كان له هيبة وسيتحسس الجميع خطواتهم جنابه، ولأن الإخوان ملوك الفرص الضائعة أو الناقصة فحين أطاحوا بطنطاوي -قرارهم الصائب الوحيد فيما يرى كثيرون- لم يستغلوا هذا الزخم الكبير وقتها بتطهير الدولة كاملة من فلول الثورة المضادة، لكنهم وبرخاوة غريبة تركوا الأمور تتفلت منهم خطوة تلو أخرى، وباءت كل محاولاتهم بلملمتها بالفشل -لا سيما إعلانهم الدستوري- بل حتى قرارهم الوحيد السابق الصائب اتضح أنه وبال عليهم؛ إذ أتى بقائد الانقلاب السيسي..مرة أخرى سوء تقدير يضيع الإخوان ويضيع الإسلاميين والثورة قاطبة.

لم يكن أحد يجهل أن أيام الإخوان معدودة في يونيو/حزيران 2013 إلا الإخوان أنفسهم.. تراتيب السلطة في الداخل والخارج تقول ذلك، بل وتراتيب الشعب الذي أتى بهم تقول ذلك أيضاً، والبلد مهيأ بالكامل لانقلاب مريح على فئة ليس معها أحد.. وطبقاً للعبة الترتيب سالفة الذكر كان لا بد للإخوان أن يتوقعوا أنهم سيخسرون كل لعبهم، وعلى هذا الأساس يكملون، وبالتالي يكسبون في نهاية الدور طبقاً لقوانين اللعبة، لكن العكس حصل وباستقطاب حاد ولعبة صفرية راهن الإخوان على كل شيء؛ ليخسروا كل شيء.

كلام قيل كثير عن كيف كان يمكن تدارك الانقلاب عليهم قبل وقوعه، خاصة أن رائحته كانت تزكم الأنوف، لكن سوء تقدير القوة ثانية وبشكل عكسي هذه المرة كان وراء إجهاض الثورة بشكل كامل وموجة أخرى من اعتقال الإخوان سبقتها أبشع مجزرة في حقهم وربما حق مصر وهي مجزرة رابعة والنهضة.

وهنا محطة أخرى؛ إذ بطريقة ما تخيل الإخوان أن تلك المذبحة قد تقلب السحر على الساحر، وفعلاً حشدوا كل قواهم في كل المحافظات فلم تلبث أياماً حتى انتهت عن بكرة أبيها معلنة انهيار الجماعة التام..انهياراً سيتلوه انقسام.

بعيدا عن بيانات الإخوان في الخارج وبعض عملياتهم النوعية في الداخل المشكوك أصلا في نسبتها، هم في موقف لا يحسدون عليه، وتقريباً لا شيء بيدهم هم ليصنعوه لأنفسهم أو لبقايا الثورة، إنها مرحلة جديدة تماماً الإخوان فيها دون الصفر أو تحت الركام وخطوتهم الوحيدة القادمة لا بد أن تكون فقط نفض الركام عنهم وليس بالطبع عودة رئيسهم لسدة الحكم، والتي لم ينَلها في عز قوتهم فما بالك بأوان ضعفهم.

لكنَّ خلط أوراق القوة وسوء تقدير الموقف الملازمين للإخوان ومن ساندهم من تيارات أو شباب متحمس يجعل الجميع يتساءل حقاً عن مدى لياقة الإخوان السياسية من الأساس.

سقفهم مرتفع وبلا أي أعمدة الآن حين عادوا لا يملكون شيئاً وحين واتتهم الفرصة يوماً -بعد الثورة وبعد الرئاسة- كان سقفهم أقل من الجميع يمشون تحته مطأطئين.

وهكذا ينبري منهم الآن رافضاً ترشح شفيق أو غيره ويعلن استمرار الثورة وانتظار النصر بل وعودة الشرعية، والسؤال هنا الذي نطرحه ليس عن صحة تلك الترهات، لكن عمن ينتظرها من الأساس، فهل ينتظر أحد في مصر حقاً رد فعل الإخوان ويعول عليه؟ وإذا كان هذا رد فعلهم حقاً -كرأي رسمي وليس جزئياً- هل سيؤثر مثلاً على فرص أي مرشح الانتخابية أو التحالفية أم أن هذا إعلان جديد عن خروج الإخوان من اللعبة تماماً؟

ففي الواقع أن الدخول في حلف الإخوان صار عبئاً قد لا يكون له جدوى إلا للإخوان أنفسهم.

إن شفيق الآن ما هو إلا اسم مطروح قد يكون له قيمة وقد يظهر غيره من رموز النظام...وتحالف الإخوان والنظام لم يستغرب من قبل وقد يستغرب فقط، إما في ظروف ثورية تماماً أو انتخابية تماماً، ولكن والحال على ما هو عليه ثورة مضادة موجودة في أسوأ صورها -إضافة إلى قصور الإخوان الثوري أصلاً- وانتخابات مشكوك في معاييرها وخالية من المرشحين الفعليين -بمن فيهم أي ممثل أو قريب للإخوان- فعلامَ إذن قد يبكي الإخوان أو هذا المرشح المنتظر؟

طبقاً للتفكير السياسي -فن الممكن- وبعيداً عن معيارية الصواب والخطأ التي لم يتحاكم إليها الإخوان كثيراً من قبل، على كل حال سيستفيد الإخوان حتماً من أي بديل للسيسي، بل قد تكون قُبلة حياة تخرجهم من القبور.

الشك فقط في إمكانية صنع البديل بشكل سلمي، وهو ما يؤمن به الإخوان، لكن كيف ومتى؟ لا إجابة هنالك.

فإذا لم يكن من بديل أفضل ألا تنفع الإخوان ميكافيليتهم الأولى أيام مبارك وطنطاوي؟ ألا تنفعهم باستغلالهم عدواً لهم بدلاً من استغلال الأعداء دوماً لهم؟

مرونتهم في قبول مَن يكرهون ألم تعد حاضرة؟ أم أنهم يصرون -وينجحون دوماً وكما أسلفنا- أن تكون ميكافيليتهم دوماً في المحل الخطأ؟
الأيام حبلى.

ملحوظة: المقال يُحاكم الإخوان ومنطقهم الذي قد يختلف عن منطق غيرهم بمن فيهم الكاتب نفسه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.