المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 ايهاب جمعة Headshot

عن الحرية ونورهان وأشياء أخرى

تم النشر: تم التحديث:

تعانى الفتاة فى عالمنا العربى من أنماط متنوعة من القهر، لأحكى لكم قصة واقعية حدثت منذ ثمانية أعوام، كنت وقتها معيدا بالجامعة ولاحظت من واقع كشوف الحضور تغيب احدى الطالبات عن الحضور _وأسمها على ما أتذكر كان نورهان _ بعد أن كانت منتظمة خلال الشهور الاولى للدراسة، سألت دفعتها فجاءت الىّ صديقتها تقول أن نورهان تعتذر عن الحضور خلال الاسبوع الحالى ، بعد عدة اسابيع اكتشفت غياب نفس الطالبة مرة اخرى ، وكالعادة تم اضافة اسمها الى قائمة الانذارات وقامت الكلية باخطارها رسميا بالحضور والا تتعرض للرسوب، بعد حين دخلت مكتبى طالبة محجبة تتمتع بقدر كبير من الحسن ، خضراء العينين ممشوقة القوام، ومعها زميلتها، عرفتنى بنفسها ، انها الطالبة نورهان المعرضة للرسوب والمتغيبة ..
كالعادة قمت بالتنبيه على أهمية الحضور واعتبار ذلك الانذار الأخير والا تطبق اللائحة الاكاديمية عليها ، أكدت نورهان على الالتزام ومعها صديقتها التى جاءت للاعتذار نيابة عنها فى المرة السابقة ، الى هنا والحديث تقليدى ولا يثير أى انتباه ، الا أن لفت نظرى قول نورهان أنها حتى ان لم تحضر معها زميلتها هذه فسيأتى معها أخوها لكنها لن تسمح لنفسها بالرسوب وخصوصا وهى فى عامها الاخير للتخرج والحصول على الليسانس.
هنا أصابتنى دهشة فسألتها عن معنى ذلك ، وبدأت الحدوتة ...
فهمت منها أنها من أسرة بسيطة وأن والدها موظف وان لها من الاخوات ثلاث ، كلهن يتحركن بحرية ، فى الذهاب والعودة ، الا انها الوحيدة التى منعها والدها من الخروج بمفردها منذ أن كانت صغيرة ، اتدرون لماذا ..لأنها جميلة ، ولانه يخاف عليها ... ماذا يعنى ذلك؟ يعنى أن الفتاة الجامعية تبلغ من العمر 22 عاما ، لها أهلية كاملة الا أن والدها قرر لها منذ أن كانت صغيرة أنها ينبغى أن تعاقب على جمالها بالسجن...
سألت ان كانت قد حاولت الخروج بمفردها فى أى يوم، قالت أنها حاولت فى المرحلة الثانوية مراراً ولكن طلبها جاء بالرفض وأنها مرة فكرت فى الخروج دون علمهم لكنها خافت ان تتوه ولا تستطيع العودة الى المنزل حيث أنها لا تعرف أسماء الشوارع ، وبعدها "استسلمت " لكنها لم تستخدم هذا التعبير بل قالت " بعدها فهمت أنه يخاف على ّ"
مزيج من الاستفزاز والغضب والحنق لا يمكننى وصفه، فتاة جامعية لا تعرف كيف تذهب للجامعة بمفردها، لدرجة أنها توشك على الرسوب فى عامها الرابع لمجرد أن أخاها أو أباها أو صديقتها غير متفرغة لتوصيلها وانتظارها والعودة بها الى المنزل وأين فى محافظة الاسكندرية بكل ما يستدعيه اسم المدينة من كوزموبوليتانية.
حاولت أن أكتم غيظى وأتعامل أكاديميا معها كحالة مثيرة للاستبصار كما يسميها علماء الاجتماع، فانتهزت الفرص لأعرف المزيد عنها، وعن ميول والدها الدينية والسياسية وتمنيت ان يكون سلفيا متشددا ، وهالنى أن عرفت انه رجل عادى لا ينتمى لأى اتجاه دينى ، بل وحتى عريسها- الذى تم اقناعها بالزواج منه وتم كتب الكتاب بعد ثانى لقاء بينهما فى انتظار الدخلة بعد تخرجها مباشرة- هو الآخر يعمل فى احدى الشركات محاسبا وغير ملتحى واهتماماته رياضية بكرة القدم فى الاساس ومتفق مع والدها تماما حول هذه العزلة.
لا أخفي، كنت فى داخلى أتمنى أن يكون والدها سلفيا متطرفا، أو يكون عريسها المنتظر جهاديا سابقا سبق الحكم عليه فى قضايا عنف، أو تكون قد تعرضت فى زمن ما لحادث أثار حفيظة الأسرة كأن تكون تعرضت للاختطاف ، أو غيره... فالنفس البشرية تميل للتنميط وتستيسر القوالب الجاهزة للتفسير الا أن كل ذلك لم يحدث، كل ما حدث أنها ولدت جميلة، أجمل من كل قريباتها وجيرانها، وأن الوالد وفقا لما يراه، قرر أن يحميها حتى يسلمها لرجل آخر يتولى نيابة عنه استكمال خارطة طريق القهر من وجهة نظرى، وخارطة السلامة والامان من وجهة نظره ...
الأسوأ والمؤسف من وجهة نظرى أيضا، حالة الرضا وطيب الخاطر التى كانت الفتاة تتحدث بها، فهى ترى أن والدها بذلك يحبها، وأنه تمييز ايجابى لها عن باقى اخواتها الفتيات، لسانى عجز عن الحديث شعرت بمرارة فى حلقى ، البنت مثلت لى نموذجا تطبيقيا لمتلازمة ستوكهولم، نموذجا كنت اقابلة للمرة الأولى حينها، فعندما تكون الضحية تحت ضغط نفسي كبير، فأن نفسه تبدأ لا إرادياً بصنع آلية نفسية للدفاع عن النفس، و ذلك من خلال الاطمئنان للجاني، خاصة إذا أبدى الجاني حركة تنم عن الحنان أو الاهتمام حتى لو كانت صغيرة جداً فإن الضحية يقوم بتضخيمها و تبدو له كالشيء الكبير جداً. و في بعض الأحيان يفكر الضحية في خطورة إنقاذه، و أنه من الممكن أن يتأذى إذا حاول أحد مساعدته أو إنقاذه، لذا يتعلق بالجاني، كما أشارت كاثرين ويستكوت حيث "يتكون لدى الرهائن شعور إيجابي قوي أصيل تجاه خاطفهم، يرفضون من خلاله أن يكون ذلك الشخص هو من عرضهم لذلك الموقف، ويتأصل لديهم شعور بأنه هو الشخص الذي سيمنحهم الفرصة للعيش." ومثل هذه المتلازمة تستخدم للتفسير على نطاق اوسع للتعبير عن حال مجتمعات بأكملها
أنصرفت من الجامعة فى هذا اليوم، وفى ذهنى عشرات التساؤلات التى تتصارع، من أين أستقى هذا الرجل هذا الفهم لطبيعة دورة كأب؟ هل يدرك بالحصار الذى يفرضه على الفتاة ما يفعله بها ؟ هل يدرك كم حولها الى انسان تابع لا يمكنه للحظة أن يستقل فى قراراته؟ هل أدرك كم الخسارة التى تعرضت لها الفتاة ؟ وهل ارتضت نورهان التضحية ام انها فعلا تعرضت لقمع كما وصفته متلازمةستوكهولم ؟ هل قامت بما عليها؟ هل قاومت؟ ام ارتضت ؟ ان الفتاة التى ارتضت ان تضحى بحريتها لاجل سلامتها من مخاطر المجتمع _كما تدعى_ يجب ان تتذكر القول المأثور:
" Those who would give up essential Liberty, to purchase a little temporary Safety, deserve neither Liberty nor Safety "

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع