المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيهاب جمعة Headshot

خرافة تجديد الخطاب الديني

تم النشر: تم التحديث:

سيطر وهم ما لا أدري مصدره يرى أن الحل الأمثل لعلاج تنامي التطرف والإرهاب في العالم العربي إنما يكمن في تجديد الخطاب الديني، والمقصود هنا هو تجديد الخطاب الديني، خطاب الوعظ والإرشاد ومنابر الجمعة والشرائط المسجلة، والكتيبات، بل والملصقات والإعلانات، والفكرة الأساسية ترى أن تجديد الخطاب يتحقق بإعادة صياغة القضايا من منظور جديد وبإعادة تأطير المواقف والأحداث، وهو ما يشبه نظرية الأطر الإعلامية في صناعة الأخبار، بمعنى أن يتم وضع الحقائق الدينية في أطر جديدة بما يستلزمه ذلك من صياغة وتركيز الاهتمام بمواقف وأحداث دينية معينة، وربما تجاوز مواقف وأحداث أخرى على نحو يؤدي لإعادة تشكيل عقلية المسلم على المدى الطويل بتبني منهاجية أكثر انفتاحاً وسلاماً وقبولاً للآخر، وهو ما يضرب الراديكالية في مقتل، الكلام على المستوى النظري يبدو رائعاً.

والخطة تبدو ذكية، خصوصاً أنها تبعد كل البعد عن المساس بجوهر الدين، وبالتالي لن تُقابل بحساسية شديدة من قِبل القائمين على المؤسسات الدينية الرسمية، أو من قِبل الحركات الإسلامية المعتدلة، وقد ساهم في تكريس هذا التصور الخاص بتحديث الخطاب الديني نمو شعبية البرامج الدينية بعد انتشار القنوات الفضائية، وتخصيص بعضها كاملة للبرامج الدينية والشهرة والانتشار الذي حققه مشايخ الفضائيات.

واقع الأمر أن هذه الرؤية تبدو من وجهة نظري سطحية وقاصرة عن تفهم مشكلة التطرف وما يستتبعها من إرهاب، إن تجديد الخطاب الديني ليس حلاً وإنما علاج سطحي يشبه تماماً إعطاء مريض الإنفلونزا بعضاً من مخفضات الحرارة، واقع الأمر أن الفيروس ما زال موجوداً ولن يتم القضاء عليه إلا بعمل جهاز المناعة الذاتي الذي يحاصر الأجسام الغريبة ويقضي عليها، فكيف لجهاز المناعة الذاتية أن يحقق ذلك؟

إن لفظة "الخطاب" كلمة عربية فصيحة تعني المحاورة والمحادثة بين طرفين، ونسبته للدين يقصد فيها الخطاب الذي يعتمد على مرجعية دينية في مخاطبته وأحكامه وبياناته، وهنا فكل ما يطرحه العلماء والدعاة والمنتمون إلى المؤسسات الإسلامية في بيان الإسلام والشريعة، سواء كان ذلك من خلال الخطب أو المحاضرات أو التأليف أو البرامج الإعلامية الأخرى، وقد يدخل في ذلك المناهج الدراسية الدينية في المدارس والجامعات الشرعية وهذا يعد بشكل أو بآخر خطاباً دينياً.

هنا أتساءل: أيهما أفضل؟ وأيهما يعد علاجاً جذرياً للتطرف والإرهاب؟ أن نجدد خطاباً يرتكز على بنية تحتية من التراث الديني أم أن تتم إعادة الاجتهاد في الكثير والكثير من القضايا التي تكاسلنا عن إعادة بحثها في ضوء متغيرات العصر؟ طبعاً إذا كنا نبحث عن الحل الأيسر والأسرع فإن تجديد الخطاب يحقق ذلك، إلا أنه سيعجز عند أول اختبار عندما يبحث هذا الشاب في المراجع أو على صفحات الإنترنت ويجد الفتاوى والاستشهادات والروايات الضعيفة التي تبيح له العنف والقتل والتخريب، أما الاجتهاد العلمي الدقيق فهو فضلاً عن كونه ضرورة شرعية فهو حل حقيقي وجذري للكثير من الأمور الدينية التي يسود فيها اللبس والغموض.

الرأي عندي هو بالاجتهاد، وحده الاجتهاد العلمي الدقيق الموضوعي المحايد هو القادر على أن يصل للحقائق وينير القلوب والأبصار، خلاف ذلك هو مجرد تسكين لمشكلات متجذرة وتسويف للعلاج، إلا أن ذلك يتطلب أن يكون بأيدي رجالات الإسلام وعن طريق المتخصصين، والفقهاء، والمختصين في مختلف العلوم على العموم، ويجب أن تكون أدوات هذا الاجتهاد متوافرة لدى هؤلاء، كما يجب أن تتوافر لديهم المصداقية اللازمة لدى الرأي العام للجمهور المسلم، وإن كان يتطلب الوقت والتفرغ والموارد إلا أنه الطريق الحقيقي للإصلاح الديني الشامل.

إن الإسلام يحتاج إلى ثورة فكرية شاملة، يحتاج إلى مدارس ومجمعات فكرية تحقق ثورة إصلاحية للكثير من الأفكار المغلوطة المستمدة زوراً من الدين، أما محاولة إلقاء الكرة في ملعب الإعلام أو تسطيح القضية للنظر في شكل الخطاب دون النظر في مضمون الخطاب هو جريمة قتل متعمد لا يمكن السكوت عليها.

نعم أقولها وبكل صراحة هي جريمة اشتراك في القتل، فمنذ أيام وقعت جريمة تفجير كنيسة مصرية، وبغض النظر عن كل الملابسات فهناك حتى ممن لم يشارك في الجرم بالفعل شارك في الإجرام بالقول أو الشماتة أو التبرير أو حتى بالصمت، مستنداً إلى فهم قاصر عاجز لنصوص موجودة بالفعل أو لتفسيرات متطرفة لنصوص لا تحتمل هذه التفاسير.

لذا أقول إن هناك حاجة لثورة فكرية تعيد صحيح الدين ولا تفتعل خطاباً مزيفاً سطحياً يقدمه نجوم فضائيات يسمون أنفسهم دعاة جدداً، يصرفون على مكياجهم وملابسهم آلاف الدولارات ويحدثون الفقير في القرى المصرية عن قيمة الزهد والتجرد، نجوم يسافرون للجهاد في أوروبا كل عام، فيجاهدون بين أروقة محلات الملابس والبدلات الرجالية من ديور dior، وغوتشي gucci، وسان لوران saint laurent، وكينزو kenzo وتجديد ساعات الرولكس وTAG Heuer ورادو وأوميغا ويعودون للوطن للبكاء في الصفوف الأولى في الحج الـ5 ستارز في خيام عرفات المكيفة والمفروشة بالسجاد الإيراني وطاقم الخدمة من هيلتون يوزع أطباق الكافيار على المصلين في الخيمة بين الركعات.

تجديد الخطاب الديني بهذا الشكل المستند على تجاهل نصوص بعينها أو تجنب إثارة قضايا بعينها لا هو تجديد ولا إصلاح بقدر ما هو خرافة يتم تسويقها اجتماعياً وتصديرها دولياً، فما هو إلا انكفاء على الذات وهروب من المواجهة الشاملة الصادقة العميقة والجذرية.

إن التردد في الإقدام على هذه المواجهة هو الآخر تقاعس عن الواجب، وعن الحق، وعن الضرورة، وقديماً قالوا: "من يتردد بين مسجدين يرجع دون صلاة".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.