المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيهاب جمعة Headshot

الخديوى

تم النشر: تم التحديث:

إذا كنت من مواطني الإسكندرية، فسرعان ما سيصيب قلبك الشجنُ وتداعب خيالك ذكرياتٌ جميلةُ بمجرد أن أذكر لك اسم منطقة محبَّبة إلى نفْس كل عاشق لعروس البحر، ولِمَ لا؟ فلْتأخذ -عزيزي القارئ- نفَساً عميقاً، تخلَّص من بقايا الكربون التي تملأ رئتيك خلال رحلة ذهابك وعودتك اليومية إلى العمل. الآن، فكِّر في البحر ورائحة اليود وملمس الرمال ومشهد مراكب الصيد وخُذ نفَساً عميقاً وتذكَّر منطقة المنشية.

ميدان المنشية، الذي كان يعرف فيما سبق بميدان محمد علي وسابقاً كان يسمى ميدان القناصل، حيث كان يسكنه الكثير من السفراء والتجار من الكثير من البلاد مثل الإيطاليين والفرنسيين واليونانيين وصممه محمد علي ليكون مركزاً لمدينته الجديدة نحو عام 1830م.

فقد أدرك محمد علي باشا، بعد أن تولى حكم مصر، مدى أهمية مدينة الإسكندرية التجارية فسعى لتخطيطها على أروع طراز وكلف المهندس المعماري الإيطالي فرانشيسكو مانشيني -الذي من اسمه اشتُقت كلمة "المنشية"- عمل تخطيط للميدان وللمنطقة بالكامل، فقام بالمهمة خير قيام، فخططه تخطيطاً عمرانياً متميزاً غلب عليه الطابع الإيطالي. وبمرور الوقت، أصبح الميدان هو قلب الإسكندرية التجاري، وستجد وسط الميدان تمثالاً متميزاً يصور محمد علي فوق متن جواده، وهو نموذج مثير للأعجاب من نماذج النحت الفرنسي لجاكمار، بالإضافة إلى النصب التذكاري للجندي المجهول.

وفي الميدان أيضاً، مبنى وكالة منشة، ووكالة مونفراتو، وقصر القنصلية الفرنسية، ومبنى المحكمة المختلطة الذي سمي سراي الحقانية الذي بدأ تشييده عام 1869م في عهد الخديوي إسماعيل على يد المهندس المعماري الإيطالي لازروف وتم الانتهاء من بنائه وافتتاحه رسمياً عام 1875م، وبعد ذلك تم تجديده مرة أخرى عام 1886م في عهد الخديوي توفيق على يد المهندسيْن المعمارييْن الإيطالييْن ألفونسو مانيسيكالكو، وأوجستو سيزارياس.

في هذا الميدان أيضاً بالتحديد، كان يسكن تمثال متميز للخديوي إسماعيل، فبعد وفاته في 2 مارس/آذار 1895 بقصر إميرجان في إسطنبول الذي كان منفاه أو محبسه بعد إقالته، قام المثّال الإيطالي بييترو كانونيكا بنحت تمثال يجسّده، وكان التمثال هدية من الجالية الإيطالية بالإسكندرية تقديراً لاستضافة مصر للملك فيكتور عمانويل الثالث، آخر ملوك إيطاليا، بعد الإطاحة به عن عرشه، وأزاح عنه الستار الملك فاروق في 4 ديسمبر/كانون الأول 1938 بمكانه الأصلي في ميدان المنشية أمام الموقع الأول لقبر الجندي المجهول بالإسكندرية إلى أن نُقل بعد ذلك، وارتحل التمثال بين كلية الفنون الجميلة وميدان الخديوي بمنطقة كوم الدكة.

هكذا، جمع الميدان، بشكل أو بآخر، تمثاليْن مهميْن من روائع أعمال النحت في الجنوب من الميدان؛ تمثال لمؤسس الأسرة العلوية محمد علي مؤسس مصر الحديثة، وفي الشمال منه تمثال الخديوي إسماعيل الذي شهد عصره الكثير والكثير من الجدل، فشتان بينهما. لقد خاض محمد علي في بداية فترة حكمه حروباً داخلية ضد المماليك وحروباً بالوكالة عن الدولة العليّة ضد الوهابيين وضد الثوار اليونانيين في المورة، وحقق نهضة تعليمية وصناعية وزراعية كبيرة.

أما الخديوي إسماعيل فرغم جهوده في تحقيق نهضة عمرانية وإدارية كبيرة، فإنه استند في ذلك إلى مبدأ الاقتراض الخارجي، فكان الخديوي كلما احتاج المال يستدين بفوائد باهظة، ربما كان هناك طموح كبير لدى الخديوي أن يغيّر شكل المحروسة ويحقق فيها ما لم يسبقه إليه أيٌّ من أسلافه إلا أن الطموح يحتاج إلى كفاءة ورؤية؛ فمن أخطر الأمور ألا يستند الطموح إلى رؤية حقيقية وسمات شخصية تمثل رافعة لتحقيق الآمال، فلم تكد تمضى عدة أشهر على عهوده التي قطعها على نفسه في خطبة تولي العرش حتى أخذ ينقضها، فلجأ إلى قروض متلاحقة، واتخذها عادة تكاد تكون سنوية. استدان القرض الأول في عام 1864 من بيت فرولينج وجوشن الإنكليزي، وقيمته زادت على 5 ملايين جنيه إسترليني بفائدة 7 في المائة، وقد رهنت ضرائب الأطيان بمديريات الدقهلية والشرقية والبحيرة لسداد أقساطه.

ثم تلاه قرض آخر سنة 1865 من بنك الأنجلو، بمبلغ أكثر من 3 ملايين جنيه إسترليني، ورهن في مقابله 365 ألف فدان من أملاكه، ثم تلاه قرض سنة 1866 بقيمة 3 ملايين جنيه إسترليني أخرى، وهو القرض الذي استدانه إسماعيل من بنك أوبنهايم ورهن في مقابله إيرادات السكك الحديدية. ثم تلاه قرض سنة 1867 بقيمة مليونين وثمانمائة ألف جنيه إسترليني، ثم تلاه سنة 1868 قرض جديد قدره ما يزيد على 11 مليون جنيه إسترليني من بنك أوبنهايم.

ثم استدان في 1870 من البنك الفرنساوي المصري 7 ملايين جنيه بفائدة 7 في المائة بضمان أطيانه الخاصة، عدا الأطيان التي رهنها سابقاً، ولذلك سمي هذا قرض الدائرة السنية الثاني. وفي سنة 1872، عقد قرضاً جديداً من بيت أوبنهايم المالي قدره 32 مليون جنيه إسترليني، وهو أكبر القروض من جهة القيمة وأسوأها من جهة الشروط، وقد دعاه الماليون "القرض المشؤوم". وكانت حجته في هذا القرض أنه اعتزم سداد الديون السائرة، ولكنه في الواقع لم يخصص شيئاً منه لهذه الغاية، وبقيت الديون السائرة كما كانت واستمر التدخل الأجنبي بكل أشكاله وصوره في الاقتصاد والمالية والقضاء حتى قامت الثورة العرابية ضد الخديوي توفيق والتدخل الأجنبي، واستعان الخديوي بالإنكليز وانتهزت بريطانيا الفرصة ودخلت مصر بحجة أن لها حقاً في شركة قناة السويس وفي حمايه مواطنيها، وبدأ احتلال الإنكليزي لمصر.

مدهش جداً أن تجد تاريخ مصر منعقداً على ناصية ميدان واحد بالإسكندرية البناء في جهة والاستدانة في جهة أخرى، السيادة والقوة في جهة والضعف والتدخل الأجنبي في جهة أخرى!

هذا وقد خلد الشاعر الكبير فاروق جويدة في مسرحيته الشعرية "الخديوي" هذه المرحلة الخطيرة من تاريخ مصر، ورسم شخصية الخديوي بكل ما فيها من غرور وجهل وأوهام عظمة بمنتهى الاحترافية، وقد قدم قطاع الفنون الشعبية المسرحية على مسرح "البالون" عام 1993، حيث أخرجها الفنان الكبير جلال الشرقاوي، وقام ببطولتها الفنان محمود ياسين والفنانة سميحة أيوب، وأشرف على إنتاجها الفنان الكبير عبد الغفار عودة، واختتم مسرحيته الرائعة بهذه الأبيات:

مصر العظيمة لن تباع
لا شيء في الدنيا يساوي نقطة العرق الشريفة في رباها
لا شيء في الدنيا يساوي صرخة الفجر الوليد على سماها
مصر العظيمة لن تباع قد نستكين لسطوة السجّان..
نمضي في ركاب الصمت..
نمشي كالقطيع
قد يخطئ الحكام في أحلامهم
من يستدين..
من يخون..
ومن يبيع
لكنّ مـــصـــر ستظل بيتاً للجميع
ستظل أمناً للجميع
ستظل حباً للجميع

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.