المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيهاب جمعة Headshot

لماذا أكتب عن أكتوبر في فبراير؟

تم النشر: تم التحديث:

أعتقد أن هذا أول سؤال سوف يتوارد لذهنك يا ولدي، أكتب لأنني أؤمن بأكتوبر، برجال أكتوبر، وبجيل شريف، أكتب عن أكتوبر لأن أكتوبر أكبر من مجرد معركة عسكرية، أكتوبر أكبر من أن تكون ذكرى نتدارسها يومين في العام في السادس من أكتوبر، وعلى استحياء في العاشر من رمضان كل عام، أكتوبر ليس معركة حربية، أكتوبر درس عظيم للعقل العربي، أكتوبر يحتاج لمجلدات تحكي آلافاً من قصص البطولة، أكتوبر أكبر من فيلم أو اثنين أصبح تكرارهما مملاً وسخيفاً يشوه البطولات ويختصرها في أحداث سطحية وسيناريو ممجوج.

أكتب عنه يا ولدي، لأنه من المؤسف والمحزن أيضاً أن تأتي أجيال من المتعلمين من شباب صغير السن، يدرسون في أرقى الجامعات بالخارج، ولا يعرفون شيئاً عن حجم التضحيات، ولا عن ملاحم البطولة والفداء التي رسمها آلاف وآلاف من أبناء ورجال ونساء مصر، تكفيني هذه المشاهد:

دعني أُحدِّثك عن فرحانة سلامة، هل تعرف يا ولدي من هي فرحانة حسين سلامة، هل شاهدت يوماً صورةً لها، هذه المرأة التي لم تحمل أيَّ رتبة عسكرية بنت مدينة العريش، التي صنعت البطولة، وقامت بما يعجز عنه الرجال في ظل ظروف شديدة الخطورة.

هل تعرف يا ولدي أول عملية تقوم بها الست فرحانة، هل سمعت عن عملية تفجير قطار في العريش، فرحانة السيدة المصرية قامت بزرع قنبلة قبل لحظات من قدوم القطار الذي كان محملاً ببضائع لخدمة جيش الاحتلال وبعض الأسلحة وعدد من الجنود الإسرائيليين، وفي دقائق معدودة كان القطار متفجراً بالكامل.


وتوالت العمليات التي قامت بها بعد ذلك، فقد كانت تترقب سيارات الجنود الإسرائيليين التي كانت منتشرة في صحراء سيناء، وقبل قدوم السيارة تقوم بإشعال فتيل القنبلة وتتركها بسرعة أمام السيارة التي تتحول في لحظات إلى قطع متناثرة ومحترقة متفرقة.

واستمرت عملياتها العسكرية بتفجير سيارات الجيب الإسرائيلية، بالإضافة إلى نقل الذخائر والرسائل من القاهرة إلى المجاهدين في سيناء، حيث كانت تعمل تاجرة قماش.
هل تعرف أن المرحوم أنور السادات منحها وسام الشجاعة من الدرجة الأولى، ونوط الجمهورية لما قدمته من مقاومة للوجود الإسرائيلي في سيناء.

أقول لك، دعني أحدثك عن أخي رئيس الجمهورية الشهيد أنور السادات، هل قرأت عن البطل الشهيد عاطف السادات؟ دعني أحدثك عنه، البطل الذي تخرَّج في الكلية الجوية، وقضى بعدها عامين في الاتحاد السوفيتي للحصول على برنامج تدريبي على المقاتلات الجوية ثم القاذفات المقاتلة (السوخوي).

وفي اليوم الموعود، السادس من أكتوبر1973 تجمع طيارو المقاتلات القاذفة من لواء السوخوي 7 في استراحة الطيارين حتى الساعة الواحدة إلا ربع تقريباً ظهراً، حيث دخل على الطيارين اللواء طيار نبيه المسيري،رئيس أركان القوات الجوية المصرية، وبعد حوار دار بينه وبين أحد الطيارين الجدد وقف أمام الجميع، قائلاً: بسم الله، الحرب ستقوم بعد ساعة يا رجالة من الآن، وطلب اللواء طيار نبيه المسيري من الطيارين ضرب العدو بشراسة وقوة، لإرجاع مجد القوات الجوية المصرية، ثم دعا الله لهم بالنصر،

قائلا: ده اليوم يا رجاله، القوات الجوية اتظلمت في 67، جه اليوم اللي نفهِّم فيه العدو يعني إيه يشتبك مع الطيار المصري،عاطف السادات بكى، وألح عليهم جميعاً، يا فندم أرجوك، أطلع الضربة الأولى، أرجوك..
نظر القائد في عينية وعرف أن هذا الشاب مشروع بطل، أخو رئيس الجمهورية لم يقرر الاختفاء أو الاختباء، القائد قال: ربنا معاك يا عاطف، انضم للتشكيل.

انطلق البطل الطيار عاطف السادات مع 36 طائرة أخرى من طائرات لواء السوخوي 7، وكانت المهمة ضرب موقع صواريخ الهوك الإسرائيلي للدفاع الجوي ومطار المليز، وكان من قادة التشكيلات في هذه الضربة الرائد طيار زكريا كمال والطيار مصطفى بلابل.

جرى الطيار عاطف السادات لقائد العملية فاروق عليش، اتعلم يا ولدي ماذا قال له؟ قال له: أرجوك يا فندم، وطلب منه قبل ما تضغط على زر إلقاء القنابل من الطائرة اقرأ الآية (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) وردَّ عليه قائده فاروق عليش وقال له: لقد كنت سأقولها فعلاً، فتح الله عليك يا ولدي.

انطلق البطل بطائرته السوخوي 7، وبسرعة مذهلة عبر قناة السويس في اتجاه مطار المليز وسط تشكيل قتال السوخوي، وفي حماية لصيقة من تشكيل طائرات الميج 21 من اللواء الجوي 104، المنطلقة من قاعدة المنصورة الجوية.

وفي الطريق لمطار المليز وجد تشكيل السوخوي طائرتين ميراج إسرائيليتين معاديتين في الجو، وطلب فاروق عليش قائد التشكيل من طياريه، وبشكل اختياري غير إجباري من يريد إلقاء الحمولة والاشتباك مع الطائرات المعادية فليفعل (رغم أن التصرف الصحيح في وقتها أن تلقي طائرات السوخوي حمولتها للدفاع عن نفسها)، ولكن لم يلقِ أيُّ طيارٍ حمولته من القنابل والصواريخ، بمنتهى الاصرار، حتى يصلوا ويضربوا بها مطار المليز.

والعجيب أن الميراج الإسرائيلي انسحبت خوفاً من الميج 21 المصاحب لتشكيل السوخوي، ولم تدافع عن المطار، وأصبح عاطف ومن معه فوق الهدف تماماً، فأطلق صواريخ طائرته مفجراً رادار ومركز قيادة صواريخ الهوك الإسرائيلي للدفاع الجوي المحيطة بالمطار، لحرمان العدو الإسرائيلي من استخدامها ضد قواتنا الجوية طوال فترة الحرب، وقام باقي التشكيل بضرب وتدمير مطار المليز وإغلاقه.

دورتان كاملتان قام بهما عاطف للتأكد من تدمير الهدف المنوط به تماماً، وحتى لا يترك أي فرصة لاستخدام تلك البطاريات ضد الطائرات المصرية.
وفي الدورة الثالثة أصيبت طائرة البطل، في نفس اللحظة التي انتهى فيها من التبليغ عبر أجهزة اللاسلكي عن تمام تنفيذ مهمته، أصيبت طائرة عاطف
السادات بصاروخ دفاع جوي إسرائيلي.

تحطمت طائرته، وارتوت رمال سيناء الحبيبة بدمائه الطاهرة، ليحظى بالشهادة بعد أن أتم مهمته وفتح الطريق لقوات المشاة والمدرعات المصرية لاكتساح بارليف.

بعد انتهاء الحرب بشهور قليلة، استدعى الرئيس محمد أنور السادات قائد لواء السوخوي فاروق أبو النصر عليش، وقد علم أنه كان في الطلعة التي استشهد فيها أخوه عاطف السادات، وفي حضور قائد القوات الجوية وقتها
مبارك، سأله الرئيس السادات: كيف مات أخوه عاطف السادات؟ وعندما أخبره فاروق عليش بما قاله عاطف له قبل دخول دشم الطائرات والإقلاع، من قراءة القرآن، وتحديداً آية (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)، عندها بكى الرئيس السادات بكاء شديداً جداً وبقوة، وقال في منتهى التأثر والحزن العميق بين دموعه (لقد كان ابني، لقد كان أغلى من أولادي، لقد كان أكثر من أخ لي).

دعني أحدثك يا ولدي عن أسد سيناء سيد زكريا، بدأت قصة الشهيد بصدور التعليمات في أكتوبر 73 لطاقمه المكون من 8 أفراد بالصعود إلى جبل "الجلالة" بمنطقة رأس ملعب، وقبل الوصول إلى الجبل استشهد أحد الثمانية في حقل ألغام، ثم صدرت التعليمات من قائد المجموعة، النقيب صفي الدين غازي بالاختفاء خلف إحدى التباب وإقامة دفاع دائري حولها، على اعتبار أنها
تصلح لصدِّ أي هجوم، وعندئذ ظهر اثنان من بدو سيناء يحذران الطاقم من وجود نقطة شرطة إسرائيلية قريبة في اتجاه معين، وبدأت أعظم ملحمة مغدورة في تاريخ العسكرية في العالم، حيث انطلق تشكيل معادٍ من 50 دبابة تحميها طائرتان هليكوبتر، في هجوم على نقطة التمركز للمقاتلين المصريين.

أقسمت المجموعة المصرية "ثبات حتى الممات"، ودارت معركة طاحنه استفادت فيها القوة المصرية من الموقع الاستراتيجي المرتفع، وأوقفوا التشكيل المعادي وأحدثوا به إصابات بالغة، استدعى الإسرائيليون طائرات جديدة لإبرار جوي وإنزال أكثر من مائة جندي لإخلاء الطريق للدبابات، أمام صمود بضعة مقاتلين مصريين لا يملكون أكلاً ولا شرباً لأيام.

اشتبك معهم أسد سيناء، وفي هذه اللحظة استشهد قائد المجموعة النقيب صفي الدين غازي، بعد رفضه الاستسلام، ومع استمرار المعركة غير المتكافئة استشهد جميع أفراد الوحدة واحد تلو الآخر، دون أن يقرر أي منهم الانسحاب رغم استخدام العدو لمكبرات صوت باللغة العربية، تؤمنهم على حياتهم، وتؤكد لهم الموافقة على انسحابهم آمنين لمواقع القوات المصرية. فقط يقومون بإخلاء نقطة التمركز.

وعرضوا عليهم أكلاً ساخناً وتموراً، إلا أنهم رفضوا الانسحاب ولم يبق غير أسد سيناء مع زميله أحمد الدفتار في مواجهة الطائرات وجنود المظلات المائة، حيث نفدت ذخيرتهما بعد أن قتل بمفرده 22 جندياً معتديا، ثم حانت لحظة الشهادة وتسلل جندي إسرائيلي خلف البطل، وأفرغ في جسده الطاهر خزانة كاملة من الرصاصات ليستشهد على الفور ويسيل دمه الزكي شهيداً مكرماً.

أكتوبر يا بني أكبر من ذكرى عابرة، أكتوبر آلاف القصص، أتعرف قصة الدفرسوار، أتعرف قصص المزرعة الصينية، أكتوبر روح وإرادة عكست جوهر المصريين الحقيقي، أكتوبر عقيدة، اقرأ لتعرف أن مصر أكبر من اللحظة الراهنة، وأنها أكبر من إعلام الفضائيات، وأغاني المهرجانات. اقرأ!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.