المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيهاب جمعة Headshot

نموذج كيوبلر روس وتسونامى نتائج الانتخابات الرئاسية الامريكية

تم النشر: تم التحديث:

تابعت وسائل الإعلام العربية الانتخابات الأميركية بكثير من الترقب، ورغم إجماع عدد من الكتاب الصحفيين على وجود نوع ما من الثبات في السياسات الأميركية نحو المنطقة العربية باختلاف الإدارات الأميركية، فإن هناك حالة من الصدمة يمكن ملاحظتها في مقالات متنوعة بعد إعلان فوز ترامب، مرشح الحزب الجمهوري في هذه الانتخابات.

لقد كان هناك ميل إيجابي ملحوظ لدى الكثير من الكتاب العرب نحو السيدة كلينتون، قد يرجع هذا في جزء منه إلى اعتقاد عدد من الكتاب أن لدى هيلاري رصيداً أكبر من الخبرة، وخصوصاً بالمنطقة العربية بحكم عملها كوزيرة خارجية وتفاعلها مع قضايا المنطقة عبر إدارات أميركية مختلفة، يوضح ذلك الأستاذ عبد المنعم سعيد، في مقال له بالمصري اليوم، قائلاً: إن كلينتون خاضت الانتخابات وفي جعبتها خبرة عريقة وكبيرة في الخدمة العامة بدأت من المجتمع الأهلي، ثم السلطة في البيت الأبيض تحت عباءة زوجها، وحتى منصب وزيرة الخارجية، وقبله عضوية مجلس الشيوخ، هذه الخبرة بالطبع لم تتوفر من قريب أو بعيد لدى المرشح الفائز ترامب، فمن ناحيته استخدم خطاباً يرتكز حول كلمة وحيدة هي "التغيير".. وعندما تكون هذه الشعوب في حالة خوف وقلق من المستقبل، ومن شعوب ودول أخرى، فإن إلحاح التغيير عليها يكون طاغياً؛ لذلك يرى الأستاذ عبد المنعم سعيد أن ترامب لعب على هذا الوتر بمهارة وقدرة كبيرة، ومع كل عملية إرهابية جرت في أميركا أو أوروبا كان ترامب يكسب أرضاً جديدة فيها أصوات إضافية.

ومن وجهة نظر أخرى رأى الأستاذ جميل مطر في مقال له بـ"الشروق"، أن ترامب "كشف عن حقيقة ضعف ومساوئ الطبقة السياسية الأميركية وليس فقط الحزبين الرئيسيين (الجمهوري والديمقراطي)، كشف هذه الحقيقة أو هذا الضعف حين أطلق حملة "شعبوية" لا تستند إلى تنظيم حزبي أو حتى إلى رضاء الطبقة السياسية.

لم يكن ترامب الأول الذي استخدم "الشعبوية" طريقاً إلى الحكم، سبقه إليه المرشح جورج ماكجفرن عام 1972، وجورج والاس عام 1968 وبات بيوكانان، وسبقه التيار المكارثي الذي نشر الكراهية ضد المثقفين عامة، وأطلق المارد المخرب للاستقرار السياسي في شكل نظرية المؤامرة. هذا ويرى سهيل الغنوشي الأكاديمي التونسي في مقاله "فوز ترامب لماذا وكيف؟" أن ترامب وظَّف خبرته في الإعلام بنجاح، فرغم أن كلينتون دفعت في الدعاية أضعاف ما دفعه ترامب، لكن ترامب بتصريحاته المثيرة للجدل كان دائم الحضور في الإعلام بكل أنواعه، وحصل بذلك على كثير من الدعاية المجانية.

أعتقد أن جزءاً من الصدمة التي أحدثها فوز ترامب يرجع في الواقع إلى وجود حالة من التضارب في تصريحات السيد ترامب على نحو يربك الإعلام العربي، فيرى مثلاً د. أحمد السيد، الكاتب بمجلة السياسة الدولية الصادرة عن الأهرام، أن ترامب "قدم خطة معقدة يصعب اتباعها غالباً في ما يتعلق بـ"داعش". ففي البداية، كان متردداً بشأن التدخل في الصراع، بحجة أنه لم تكن لديه مشكلة في ترك روسيا تحارب الدولة الإسلامية. وقال إنه لا حاجة إلى التدخل الأميركي، وإن الولايات المتحدة تستطيع ببساطة "الاهتمام بالبقايا"، بعد أن تهزم روسيا التنظيم. وفي إطار أي جهد أميركي، يؤيد ترامب استخدام عدد محدود من القوات البرية الأميركية. كما أنه يؤيد قصف حقول النفط العراقية لقطع إيرادات التنظيم، ولكنه يريد أيضاً أن يزود العراق الولايات المتحدة بـ1.5 تريليون دولار أميركي من عائدات النفط لسداد تكاليف الحرب.

لقد أوضحت نتائج التسونامي الأخير في السياسة الأميركية بشكل جلي مدى الانقسامات الأيديولوجية والاجتماعية لدى الأميركيين، وأولويّة مفاهيم ثقافية ودينية واجتماعية في معايير الكثير منهم لدعم أي مرشّح، حتى في ما يتعلق بتوجهات الناخبين العرب في الولايات المتحدة فهم يعانون نفس حالة الانقسام؛ حيث كانت الأغلبية تقف ضد المرشح الجمهوري ترامب، لكنها لا تجد في كلينتون البديل المرغوب به، فبعضهم صوَّت لمصلحة مرشحة حزب الخضر الدكتورة جيل ستاين، وربما البعض الآخر امتنع عن التصويت.

فى جميع الأحوال أرى أنه من المهم هنا الإشارة إلى نموذج كوبلر حول المراحل الخمس للصدمة؛ حيث أشارت إلى أن كلاً منا يمر بسلسلة من المراحل العاطفية عندما نمر بصدمة عاطفية حزينة، وتتضح معالم هذه الصدمة في الإعلام العربي جلية، فبينما رأى مثقفون وكتاب عرب قبل الانتخابات أن فوز كلينتون أو ترامب لا يعني إلا مجرد "خلاف في الشكل وربما قليل من النكهة والباقي تفاصيل لا أكثر"، إلا أن ذلك لم يمنع الشعور بالحزن والصدمة بعد إعلان النتائج، حتى إن الكاتب إبراهيم بدوي بصحيفة الراية القطرية كتب مقالاً بعنوان "فوز ترامب بالرئاسة الأميركية، كارثة"، واصفاً حال فوزه بالانتخابات، كما ذكرت صحيفة العرب القطرية: "تمكن الملياردير الأميركي الشعبوي دونالد ترامب الذي لا يملك أي خبرة سياسية من الفوز، الأربعاء، في الانتخابات الرئاسية، في زلزال سياسي غير مسبوق يغرق الولايات المتحدة والعالم في مرحلة غموض قصوى"، بالمثل وصفت صحيفة السفير اللبنانية فوز ترامب بـ"زلزال سياسي أميركي بكل ما للكلمة من معنى".

هذه المراحل الخمس التي ذكرتها طبيبة النفس السويدية إليزابيث كوبلر روس هي: الإنكار، ثم الغضب، ثم المساومة، ثم الاكتئاب، ثم القبول، ففي مرحلة الإنكار وهي المرحلة الأولى يلجأ الشخص فيها لمحاولة تطوير كذبه وإقناع النفس أن هذا لا يحدث فعلاً مثلاً كالقول إن هناك ولايات لم تحسم اختيارها بعد، أو إن تحولاً في مواقف التصويت في المجمع الانتخابي قد تؤدي لفوز كلينتون، أما في المرحلة الثانية وهي مرحلة الغضب يسود الانفعال والتساؤل لماذا يحدث هذا، هذا ليس عدلاً؟ وهو غضب ممزوج بالأسى والحقد، ومن الممكن أن يعبر عن نفسه بطرق مختلفة، وهو ما رأيناه في الاحتجاجات الشعبية التي عمت المدن الكبرى بالولايات المتحدة عقب إعلان فوز ترامب، هذا الغضب مثلاً صرحت به كلمات الأستاذ جهاد الخازن في مقال له في صحيفة الحياة حين قال: "أن كل هفوات وتصرفّات ترامب العنصرية لم تمنعه من الوصول إلى البيت الأبيض.. إن الديمقراطية الأميركية أنجبت رؤساء مثل جورج واشنطن وجون أدامز وتوماس جيفرسون وجيمس ماديسون بعد الاستقلال في القرن الثامن عشر. ورأيناها تهبط إلى مستوى رونالد ريغان وجورج بوش الابن، والآن دونالد ترامب في أيامنا هذه، مع سيطرة جمهورية على مجلسي النواب والشيوخ، هل تنهض من كبوتها؟ لا أعرف".

أما المرحلة الثالثة وهي المساومة؛ حيث يسود الاعتقاد أن عليَّ أن أفعل الكثير لن أكتفي بالصمت، وهو تعبير أن الشخص لن يتقبل الآثار السلبية الناجمة عن الواقع وربما كانت حملات التأكيد على مقاومة أي شكل من أشكال العنصرية داخل المجتمع الأميركي بعد فوز ترامب نموذجاً فعلياً لذلك، ففي المرحلة الثالثة يتمسك الشخص بالأمل أنه يمكن التراجع بطريقة ما أو تجنب سبب الحزن، فيعرض التفاوض من أجل إمكانية تغيير ما يواجهه، فمثلاً يقول البعض إنه لا بأس من رئاسة ترامب على أن تتحقق ضمانات بألا ينفذ وعودة الانتخابية في ما يتعلق بالمهاجرين مثلاً، كذلك الحال عند بعض كتاب عرب فمثلاً الحديث عن أن العلاقة مع الولايات المتحدة تحددها المصالح المشتركة، وأن العرب غير معنيين بشخص الرئيس طالما التزم بالتعاون لتحقيق المصالح المشتركة.

أما المرحلة الرابعة فهي مرحلة الاكتئاب وشعارها لا شيء يستحق العناء، وهو ما عبَّرت عنه مقالات عدة حتى إن أحد الكتاب سمى الانتخابات بأنها انتخابات Nothing matter وهو ما اعتبر الكاتب الصحفي "عبد الباري عطوان" أنه لا يمثل أي مفاجأة؟ أليست هذه هي أميركا؟ أليست هي التي تأتي إلينا بدباباتها وقاذفاتها وعملائها، وتقتل الملايين منا؟.

ثم إلى المرحلة الخامسة وهي القبول، وسنجد بعد استقرار الحكم لترامب مقالات من نوعية "الأمور لا تبدو بهذا السوء"، "ربما كان نجاحه هو الأفضل" هذا وقد بدأ بعض الكتاب في هذه المرحلة فعلاً بقبول ترامب وتوقع الأداء الجيد، فمثلاً أعرب فهد القحطاني في صحيفة عكاظ السعودية، عن ترحيبه بترامب، قائلاً: "أهلاً ترامب لأن خطابات أوباما القوية بلاغياً لم تتوج بالأفعال على أرض الواقع، بل أظهرت تخبطاته، ولا سيما إبرامه عقد الاتفاق النووي مع إيران وضياع العراق وسوريا"، أما حسن الرشيدي في صحيفة الجمهورية المصرية فقد تساءل: "هل يكون الرئيس الأميركي رقم 45 هو الأفضل لدول المنطقة، ومحارباً شرساً للإرهاب والعنصرية، وداعماً للسلام القائم على العدل؟"، على المنوال ذاته، دعا الأستاذ فاروق جويدة في مقاله بصحيفة الأهرام المصرية إلى الانتظار لرؤية قرارات كثيرة يجب أن يبدأ بها ترامب مشواره، وفي مقدمتها "قضايا الإرهاب والحروب في الشرق الأوسط والعلاقة مع أوروبا وروسيا، وقبل هذا كله العرب والمسلمون وإسرائيل والقضية الفلسطينية إذا كان لها مكان"، أما الكاتب الصحفي عبد الرحمن الراشد فكان أكثر تفاؤلاً، فقد خاطب في مقال له في صحيفة "الشرق الأوسط" المتشائمين بالقول: "لا تفرطوا في التشاؤم"، وأضاف: لا تنظروا إلى الرئيس المنتخب ترامب، انظروا إلى الولايات المتحدة، بوصفها دولة مؤسسات، وتابع الراشد: "ترامب فاز بالرئاسة الأميركية وبذلك انتهى السجال الانتخابي ولن تسمعوا لاحقاً أحاديث عن المسلمين والأجانب".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.