المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 ايهاب جمعة Headshot

داعش والإعلام

تم النشر: تم التحديث:

لم يحظَ موضوع العلاقة بين الإرهاب ووسائل الاتصال بصورة عامة وبين الإرهاب والتلفزيون بصورة خاصة إلا باهتمام قليل من الباحثين، وذلك على الرغم من أن المختصين بدراسة علوم الإعلام والاتصال والمهتمين بشؤون الإرهاب من أمثال الباحث إتش ميلٌلر (مدير أبحاث الإرهاب في مؤسسة راند الأمريكية)، ورئيس جهاز الأخبار فى (أن ب س) كروس مان، وخبير الإرهاب في وزارة الدفاع الأمريكية رودولف ليفي، وغيرهم من الأكاديمين والمتخصصين: يتفقون على أن هناك علاقة متبادلة بين الإعلام والإرهاب ويرون أن هذه العلاقة أصبحت الآن تشبه شراكة بين مؤسستين إحداهما تقوم بصنع الحدث والأخرى تسوّقه.

وربما أكبر نموذج تتضح من خلاله هذه العلاقة الجدلية بين الإرهاب ووسائل الإعلام، استخدام "تنظيم الدولة الإسلامية" لوسائل الإعلام، قدم فى البدء التنظيم الإرهابي نفسه على أنه اندماج بين ما سمي بـ"دولة العراق الإسلامية" التابع لتنظيم القاعدة الذي تشكّل في أكتوبر 2006 ومجموعة "جبهة النصرة" فى سوريا، إلا إن هذا الاندماج الذي أعلن عنه قيادي "دولة العراق الإسلامية" أبو بكر البغدادي، رفضته "النصرة" على الفور. وبعد ذلك بشهرين، أمر زعيم "القاعدة" أيمن الظواهري بإلغاء الاندماج، إلا إن البغدادي أكمل العملية لتصبح "داعش" (الدولة الإسلامية فى العراق والشام) واحدة من أكبر الجماعات الإرهابية الرئيسة التي تقوم بالقتل والدمار فى سوريا والعراق.

ومنذ أن تشكّل تنظيم "داعش" الإرهابي في عام 2013، سعى بكل قوة لاستخدام جميع وسائل الإعلام وفق استراتيجية مرسومة بدقة، كما يرى الباحثون المختصون ومنهم تشارلز ليستر، فاستخدم السوشيال ميديا بكثافة لجذب المناصرين والمؤيدين من جميع أنحاء العالم، فمثلًا الفيديو الشهير "صليل الصوارم" الصادر فى 17 مارس 2014 عن الفرقان ميديا وإنشاد أبو هاجر الحضرمي، أبرز شعراء الدولة الإسلامية في الشام والعراق تم مشاهدته من 56 ألف حساب مختلف على اليوتيوب خلال 24 ساعة الأولى للإصدار، ليس فقط الفيديو بل هناك شبكة عملاقة من حسابات تويتر التي تستخدم بكثافة لمشاركة مقاطع الفيديو التي يعتبرها التنظيم انتصارات له علاوة على استخدام استراتيجيات إقناعية لجذب الأنصار الجدد للتنظيم، الأكثر من ذلك أن التنظيم يعمد إلى ابتكار تطبيقات أندرويد متنوعة لإبقاء المهتمين والمناصرين مطلعين على الأخبار ولتكثيف درجة تعقيد الاتصالات الداخلية على نحو يجعل من العسير تتبعها، فمثلًا تطبيق "فجر البشاير"، هذا علاوة على الإصدارات الإكترونية من المجلات والصحف منها على سبيل المثال مجلة "دابق" الجديدة التى تصدر باللغة الإنجليزية عن مركز الحياة للإعلام، وهو الذراع الإعلامي لتنظيم "الدولة الإسلامية" المعني بالدعاية في الغرب ويصدر تقارير إخبارية ومقاطع فيديو. ويحرص على تقديم صورة عالمية للتنظيم وجذب مناصريين من أبناء الجاليات الإسلامية في أوروبا، وفي يونيو الماضي عرض موقع أمازون مجلة "دابق" التي يصدرها تنظيم الدولة الإسلامية للبيع، وأعلن عن توفر أعداد ورقية من المجلة وإمكانية تحميل نسخة إلكترونية من المجلة مجانًا في مكان آخر.

من جهة أخرى سعى التنظيم لاستخدام التغطية الإعلامية وخصوصًا التي تقدمها الفضائيات الإخبارية العربية لجرائمهم على نحو ربما يسهم فى تأثير غير متوقع أو متوقع يحفز بعض الشباب فى الدول العربية على الإعجاب بالتنظيم أو قبول أفعاله وربما الانضواء تحت لوائه. ومن الواضح أن التنظيمات المسلحة وهي تقوم بالتخطيط لتنفيذ هجماتها تأخذ بالحسبان دور الإعلام باعتباره المنفذ الذي تطل من خلال مؤسساته، وعلى رأسها التلفزيون، للتعريف بما تقوم به.

ولتوضيح أبعاد هذه العلاقة فقد حدد الباحث بريجيت نيكوس أربعة أهداف عامة للإرهابيين يسعون لتحقيقها من وسائل الإعلام، الهدف الأول: جذب الاهتمام ولفت أنظار الجمهور بشكل عام لحقيقة وجودهم، الهدف الثاني: التعريف بمطالبهم ومحاولة استمالة الرأي العام من خلال تبرير أفعالهم الإرهابية، الهدف الثالث: جلب التعاطف من المؤيدين والمناصرين وتحقيق قدر من الإعجاب لديهم، الهدف الرابع: وبالتالي تحقيق قدر من الشرعنة A Quasi-legitimate لحيثية وجودهم من خلال الخطوات الثلاث السابقة. أما وسائل الإعلام فأهدافها من هذه العلاقة من الجانب الآخر متنوعة، فأخبار الإرهاب تتمتع بكل العناصر التي تحقق إقبال من الجمهور very ―sexy subject ، ففيها دماء ودراما وقصص إنسانية ومآسٍ، كما إنها تهم قطاعًا كبيرًا من الناس.

يرى باحثون أن التغطية الإعلامية المكثفة والمستمرة للإرهاب تخلف إرهابًا وإرهابيين أكثر، بينما يرى البعض الآخر أن التغطية الدقيقة والمهنية تفضح جرائم الإرهاب وتنور المجتمعات العربية وتدق أجراس الخطر على نحو يحفز التأهب لمقاومة الأفكار المتطرفة. إلا إن قلقًا بالغًا يساورنى والعديد من الباحثين من أن تحفز التغطية الإعلامية الإرهابيين على القيام بالمزيد من أعمال العنف بهدف توجيه الأنظار إليهم طلبًا للشهرة وللتعريف بهم ولتكوين وسيلة للضغط والتخويف بغرض الاستجابة لطلباتهم، حيث لا ينبغى أن يكون سعي الصحفي للانفراد أو السبق مؤديًّا إلى حالة من الهلع العام، تسهم فى تحقيق أهداف التنظيمات الإرهابية فمثلًا توصل الباحث David L. Altheide من خلال دراسة التقارير الصحفية الخاصة بمتابعة شأن الإرهاب فى خمس صحف أمريكية إلى أن المعالجة الصحفية تدعم حالة الخوف وعدم الثقة بالمستقبل، وهي الحالة الأروع التي يتمناها أي تنظيم إرهابي للضغط من أجل تحقيق أهدافه. فالحذر.. الحذر!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.