المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيهاب بدوي Headshot

البيروقراطية مرض عضال

تم النشر: تم التحديث:

ها أنا هنا أمضي عامي الثاني في ألمانيا، البلد الذي تغزوه التكنولوجيا بجميع تفاصيلها والتطور والنجاح والتميز والإبداع، ألمانيا التي تنافس دائماً على أوائل الدول في العالم من حيث براءات الاختراع لتسهيل حياة الإنسان ومساعدته على تحدي صعوبات هذا العصر، البلد الذي يبهرك كل يوم يوم بشيء جديد لم نعرفه أو نسمع عنه من قبل، ومع كل هذه الثورة في التطور والتكنولوجيا في هذا البلد يصدمني يومياً البيروقراطية التي تهيمن عليها إلى الغرق حتى أذنيه.

فلم أتوقع هنا أن يستغرق البت وإصدار القرار في قضية ما إلى شهور أو ربما سنوات، أو أن تفقد أوراق قضيتك وتضيع ضمن مؤسسة حكومية، أو أن يرتكب أحد الموظفين أخطاء قاتلة تماماً قادرة على إيصالك إلى الإفلاس وتجريدك من ممتلكاتك، كما يحدث في بلدان ما يسمى "العالم الثالث"، أو أسوأ أحياناً، أو كأننا نعيش في عصر الأربعينيات، لم أتوقع أن مواطناً ألمانياً يحتاج إلى شهر أو أكثر؛ ليستطيع الحصول على موعد مع دائرة حكومية، أو ينتظر أكثر من شهر؛ ليحصل على موعد مع الطبيب.

الكثير من المواطنين الألمان يشكون باستمرار من البيروقراطية التي هيمنت على حياتهم، الجميع يتذمر ويشكو منها دون استثناء، لكن المؤسف في الأمر أنهم عندما يتحدثون عن ذلك، يبدون مستسلمين لها وكأنها قَدَر لا يمكن التخلص منه، ويعجزون عن إيجاد حل يمكن أن يوقفها.

ولقد سمعت الكثير من الأفكار والطرق ومحاولات عديدة ومستمرة للتخفيف منها على الأقل في مؤسسات الدولة، ولكن لا تستطيع أن تلاحظ أن هناك شيئاً تغيّر، ومع أن المواطنين الألمان يمضون الكثير من الوقت في حياتهم اليومية في التنقل بين الدوائر والمؤسسات الحكومية وانتظار المواعيد لإنجاز معاملاتهم، ودائماً ما يواجهون إجراءات ومصطلحات وتعقيدات إدارية لا يفهمونها، فيضطرون إلى اللجوء إلى محامين وخبراء لشرحها لهم ومساعدتهم، ولك أن تتخيل كيف هو الحال بالنسبة إلى اللاجئين الذين لا يتقنون اللغة أو فن التعامل مع الموظف الحكومي.

فكثير من الأوقات أجلس منتظراً ساعي البريد صاحب الدراجة الهوائية الصفراء الذي ينتظر توقيعي على قائمته والذي لم أعرفه شخصياً إلى هنا وأنا أنتظر ظرفاً مهماً منذ أسابيع، والذي أصبح وصول ظرف هو مصدر سعادة لا توصَف.

هذه البيروقراطية التي لم أعِشها في سوريا أو أي بلد آخر عشت به مثل ساحل العاج أو تركيا، ولم أشاهد من قبل الكثير من صناديق البريد على أبواب المنازل أو في شوارع، أو لم ألتقِ ساعي بريد من قبل مع تطور الحكومات الإلكترونية.

وأعتقد أن من عاش هذا العصر هم أجدادنا أو كبار السن الذين لديهم الحنين إلى البريد بعد كل مرة يضطرون لإنشاء بريد إلكتروني جديد، في كل مرة ينسون فيها كلمة السر الخاصة ببريدهم القديم.

أولى تجاربي مع التعقيدات الإدارية في ألمانيا كانت مع معاملة الإقامة التي استغرقت لتصدر أكثر من سنة ونصف، ما كان يمكن البت في أمرها خلال جلسة واحدة في ساعة واحدة، أو من عدم وجود شبكة مشتركة للمعلومات بين الدوائر الرسمية والذي يضطرك كل مرة لأن تقوم بإصدار أوراق جديدة، ولن تدرك ماذا يعني هذا إلا إذا قمت بهذا بنفسك، وكأنك في أول يوم لك في ألمانيا، وأنت تزور أول مؤسسة حكومية.

ويجب أن أُعيد الرحلة الطويلة بين الموظفين وانتظار مواعيد لا تنتهي ومع الموظف الذي في كل مرة يخبرني عن ورقة جديدة، وكأنه من الصعب عليه أن يخبرني عن جميع الأوراق مرة واحدة.

لا أعلم لماذا يستمتع الموظف بهدر وقتي وطاقتي؟ لماذا لا توجد شبكة مركزية تحوي كل المعلومات ضمن دوائر الدولة؟ لماذا يجب أن أتعامل مع كل مكتب على أنه دولة مستقلة؟

فرحتي سوف تكتمل عند انقضاء ست سنوات على تاريخ الوثائق الصادرة، وهي التي لا استعمال لها غير أن تحتفظ بها ضمن مصنفات تعج مكتبتي بها، وكأنني أعمل في دائرة النفوس في سوريا؛ حيث سيكون بمقدوري التخلص منها إلى الأبد.

ولكن المصيبة أن كل يوم أستقبل الكثير من الوثائق الجديدة التي سوف تحل مكان القديمة، وسوف أضعها في نفس المصنفات وفي نفس المكتب، وأنتظر ست سنوات قادمة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.