المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيهاب بدوي Headshot

اللجوء هو حق وليس هدية!

تم النشر: تم التحديث:

في عام 2015، قدَّرت المنظمة الدولية للهجرة عدد اللاجئين في العالم بمئات الملايين، تختلف أسباب لجوئهم بين الحروب والكوارث والاضطهاد السياسي، وكانت الحروب والنزاعات المسلحة تحتل الصدارة في أسباب اللجوء عبر العالم؛ حيث شهدت أوروباً سابقاً في ثلاثينات القرن العشرين موجات لجوء واسعة لليهود من ألمانيا والنمسا بسبب اضطهاد النازية لهم، وبعد نكبة 1948 شُرد الشعب الفلسطيني بسبب فظائع الاحتلال الإسرائيلي فسلك دروبَ اللجوء الطويلة.

ودفع الغزو الأميركي للعراق عام 2003 ملايين العراقيين إلى اللجوء في بلدان الجوار وأوروبا والولايات المتحدة، وفي عام 2011، هُجّر ملايين السوريين من بلدهم بسبب القمع والحرب، وامتد بهم طريق اللجوء إلى أوروبا مع الكثير من اللاجئين من جنسيات مختلفة، منتجين أكبرَ أزمة لجوء تشهدها القارة العجوز بعد الحرب العالمية الثانية.

كما شهد مفهوم "اللجوء" شيوعاً خلال القرون الأولى من التاريخ المسيحي، وخاصة القرن الرابع الميلادي الذي شهد طفرة كبرى في حالاته مع تواترِ لجوء الأشخاص إلى الكنائس طلباً للحماية من الإمبراطورية الرومانية.

ويحتفظ التاريخ الإسلامي أيضاً بالهجرة إلى الحبشة كأول عملية لجوء جماعية دُفع إليها المسلمون هرباً بدينهم من بطش قادة قريش في مكة المكرمة.

تنظِّم حق اللجوء قوانين وطنية واتفاقات ومواثيق دولية؛ فقد نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 1948 على منح "حق اللجوء"، وألزم الدول التي تمنحه بحماية اللاجئ، وبعد ذلك بثلاث سنوات (عام 1951) فصَّلت معاهدة جنيف "حق اللجوء" وصفة "اللاجئ" وهي تتكون من 46 مادة.

ونصت المعاهدة على استثناء المتابعات المترتبة على جرائم الحق العام؛ إذ لا تشمل الحماية الناتجة عن الحصول على حق اللجوء إلا الأخطار والمتابعات الناجمة عن خلفية سياسية أو عِرقية أو دينية أو نحو ذلك.

كما نص الإعلان العالمي على حق كل شخص في حرية التنقل والإقامة في بلده أو أي بلدٍ آخر، ونص على حقه في الحماية واللجوء إذا تعرض للاضطهاد.

وترهن المعاهدات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة منح اللجوء بمعايير أساسية، منها أن يكون اللاجئ تعرض فعلاً للاضطهاد أو لخطر حقيقي على حياته، ولا يُمنح اللجوء من منطلق مخاوف أو توقعات بتعرض المعني للاضطهاد إلا إذا كان يجري في بلده نزاع مسلح قد يُعرضه لخطر الموت في حال عودته، ويُطلق عادة على هذا النوع من اللجوء "اللجوء الإنساني".

ويجب أن يكون اللاجئ تعرض للاضطهاد أو التهديد بالقتل بسبب مواقفه السياسية أو نضاله الحقوقي من أجل الحريات والديمقراطية في بلده، وفي هذه الحالة يُوصف اللاجئ بـ"اللاجئ السياسي" وهو أكثر أصناف اللجوء شيوعاً، لا سيما بين رعايا دول العالم الثالث؛ حيث يسود الاستبداد ومصادرة الحريات والقمع السياسي.

ولا يُشترط في منح صفة "اللاجئ السياسي" أن يكون حائزه له سوابق في النضال الحقوقي أو السياسي من أجل الحريات والتعددية والاختلاف، كما يُمنح اللجوء أحياناً لأدباء ومفكرين حماية لهم من الاضطهاد بسبب أفكارهم وقناعاتهم.

حيث يتمتع اللاجئ بحق الإقامة وبالتالي يُوفر له مصدر للدخل يعيش به، وهنا تتفاوت التشريعات المحلية بين تخويل اللاجئ حق العمل ومنحه منحة مالية مع توفير السكن والتعليم، وتشمل هذه الإجراءات عادة طالبي "اللجوء الإنساني".

أما "اللاجئ السياسي" فيُقيَّد في بعض الأحيان بالمنع من العمل، كما يُلزم بالتحفظ إزاءَ أي ممارسة سياسية أو حقوقية قد تُسبب توتراً في علاقات بلد اللجوء بالبلد الأصلي، أو تلحق ضرراً بالأمن القومي لهذا الأخير.

وتُلزم الاتفاقيات الدولية بلد الاستقبال بعدم ترحيل اللاجئ لبلده أو أي بلد يُمكن أن يفقد فيه حياته أو يتعرض للاضطهاد، سواء كان ذلك بسبب آرائه ومعتقداته أو بسبب اضطرابات وأعمال عنف يشهدها البلد المعني.

وتعتبر البلدان الـ139 على نطاق العالم، التي وقعت على اتفاقية 1951، ملزمة بتنفيذ أحكامها، بما فيها الدول التي لم توقع على الاتفاقية، وملزمة بالتمسك بمعايير الحماية الأساسية التي تعتبر جزءاً من القانون الدولي العام.

يستحضر الإنسان دائماً عدداً من حالات اللجوء على المستوى العالمي، ولا سيما جانبها الإنساني من جهة، ومن جهة أخرى تقصير المجتمع الدولي، بما فيه الأمم المتحدة وعدد من الهيئات والمنظمات الدولية والإنسانية في توفير الآليات اللازمة لحماية اللاجئين والدفاع عن حياتهم وحقوقهم طبقاً للقوانين الدولية الإنسانية في زمن الحرب أو السلم.

وفي حين تتخذ بعض البلدان التدابير الضرورية لحماية اللاجئين، لا تزال العديد من البلدان تقصّر في اعتماد الآليات الدولية، بل تؤدي بعض إجراءاتها إلى إلحاق ضرر باللاجئين، ومنها بعض البلدان العربية التي لم توقّع حتى الآن على اتفاقية اللاجئين لعام 1951 وملحقها لعام 1967، وهو الأمر الذي يحتاج إلى تدارك لتخفيف المعاناة الإنسانية ولوضع المعايير الدولية موضع التطبيق، علماً بأن هذا يتفق مع مبادئنا وقيمنا الدينية السمحة.

لا يكفي استذكار المعاناة الإنسانية، بل لا بدّ من تطوير الآليات الدولية؛ لكي تتفق مع مبادئ الحماية التي توفّرها قواعد القانون الدولي الإنساني.

وتذكير الجميع بأن اللجوء هو حق وليس هدية!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.