المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إيهاب عبد المنعم Headshot

لماذا لا نجد الحل الاسلامي في القرآن، وكيف وجده الاخرون؟

تم النشر: تم التحديث:

لماذا لا نجد الحل الإسلامي في القرآن، وكيف وجده الآخرون؟

من منا لم يقرأ سورة يوسف ؟ كلنا قرأها، هذا صحيح، إنها أطول قصة أوردها القرآن الكريم بتفاصيل محببة ومثيرة. لكن قليلون هم الذين أخذوا يتساءلون بعدها، أليس يوسف وأبيه يعقوب من أنبياء الله المرسلين، فأين إذن الحكي عن دعوتهم لقومهم، وماذا أجابهم القوم، وكيف كانت عاقبة الدعوة علي أيديهم؟ عند مطالعة القصص القرآني تجد وصفا لبعض من جوانب الحدث، وإعراضا عن بعض، مفسحا المجال لكثير من الأسئلة، وإثارة للفكر والخيال. لم يخبرنا القرآن بالكيفية التي استطاع بها من عنده علم من الكتاب أن يأتي بعرش بلقيس قبل ان يرتد طرف النبي سليمان اليه، وما هو العلم من الكتاب نفسه؟ لم يحسم القرآن مثلا ما اختلف فيه المسلمون من بعد؛ هل للسحر والعين أثرا واقعا أم تخييلا وإيهاما؟ إلى غير ذلك من القضايا.

هذه الطريقة في السرد القرآني، لا تقتصر علي جانب القصص فيه فقط، بل انها سمة مميزة في عامة الموضوعات القرآنية، فعلي سبيل المثال لن تجد كثير تفصيل في أحكام العبادات والمعاملات. إن الناس تتغير أحوالهم بتغير الزمان والمكان، لذا فمن الحكمة أن لا يعتمد القران اجابة واحدة تناسب كل المستجدات. لما تغير الزمان وانتشر الاسلام في بلاد مختلفة، قام الفقهاء باستحداث مصادر اخري للتعرف علي الأحكام واستنباط الفتوي، فاعتمدوا الحديث الشريف، والقياس والإجماع والمصالح المرسلة والاستحسان، وغيرها مما يختلفون ويتفقون فيه، فيما يعرف بعلم أصول الفقه.

في شئون إعمار الارض ونشاط الإنسان في دروب الحياة، تجد هذا المعني اكثر وضوحا ، حيث ان طريقة القران هي التأكيد علي القيم العامة، ان ما يميز قيم القرآن انها تمثل قمة سامقة تظل البشرية تسعي اليها، وتضع اطارا للممارسات الراقية. في الممارسة السياسية تأتي قيم العدل والشوري والسلام العالمي، والتعارف والتعاون بين الامم والشعوب. في الاقتصاد تجد تحريم الربا والاستغلال، والتشديد علي الصدقات واداء الزكاة واتقان العمل، ولفت النظر الي استغلال الكنوز والثروات والنعم.

ان المتدبر لآيات القرآن الكريم لا يسعه الا ان يجد ان الخيط الناظم لآياته هو قضية افراد الله بالخلق والامر، واستحقاقه للعبادة، واحسان العمل خوفا من حساب الاخرة، وابتغاء النعيم والحياة الباقية، وهي القضايا التي فصلت تفصيلا. ان القرآن يورد اجابات لكل الاسئلة التي لن تستطيع البشرية مهما فعلت ان تجيب عليها، مثل اسماء وصفات الله عز وجل وامور الغيب والدار الاخرة، وطبيعة السنن الكونية. من اجل هذ القضايا يفرد الذكر الحكيم المساحة الاوسع من الايات ويبدع في مخاطبة العقل البشري بالادلة والبراهين وضرب الامثال وايراد قصص السابقين ولفت الانظار الي بديع الكون.

لم يفصل القرآن في كثير من العبادات وكثير من الشرائع، وذلك لانه الكتاب الاخير الذي ينزل من السماء الي الارض، ومن بعد نزوله تتسارع بصورة هائلة وتيرة تطور البشرية في كل المجالات. ساهمت القيم القرآنية في الحرية والرحمة والانفتاح العقلي في دفع البشرية لاستكشاف افاق الكون واستخراج كنوزه. ان التطور الحضاري يعتمد اساسا علي اجادة طرح الاسئلة واستخدام المهارات العقلية، وهي المهارات التي اتقن القران غرسها وترسيخها، وبهذا المعني يمكنك اعتبار منهج القرآن الكريم أكبر أداة تحفيزية للتطور في تاريخ البشرية..

ما حدث بعد نزول القران ان الغرب اجاد طرح الاسئلة، وانشغل المفكرون والعلماء في عمليات فكرية واجتماعية متعددة لتحويل القيم السامية الي اليات ونظم مستقرة، فأصبح العدل والشوري وتكريم الانسان بصرف النظر عن جنسه ولونه، والسعي الجاد في مناكب الارض هي مناهج حياة وسمات مميزة للمجتمعات الغربية، بينما استمرأت الشعوب الاسلامية التشدق بمنطوق القيم دون بذل اي مجهود حقيقي في ترجمتها لانظمة وقوانين، ويبدو ان السبب في هذا القصور الشديد قد نتج عن انه قد غلب علي العقلية العربية ابتكار اجابات لجميع الاسئلة، واستحداث فتاوي واحكام لما يحدث ولما لم يحدث بعد من اقضية، فعندما يروي البخاري في صحيحه ثلاثة الاف حديث، وهو ما تيقن من صحة نسبهم الى الرسول صلي الله عليه وسلم، تجد في المقابل من قاموا بوضع احاديث لأسباب مذهبية وسياسية وعرقية، فارتفع عدد الاحاديث المتداولة الي ستمائة ألف حديث، ورغم وضوح ضعف وتناقضات الكثير من الأحاديث وثبوت وضعها، الا أن العقلية العربية قد أكسبتها من القداسة ما أغلقت به باب الأسئلة، وشاركت في إيقاف تطور العقلية العربية.

من المثير للاستغراب حقا أن الحركات الإسلامية المعاصرة ما لبثت تنادي بان حلول مشاكل العالم المعاصر كلها موجودة في القرآن ولا ينقصها إلا تولي الحكم لتستطيع تطبيقها، وقد حدث أن تولت إحداها الحكم في بلد عربي كبير في سابقة تاريخية. فلما ذهبت السكرة وجاءت الفكرة واجهت كوادر الحركة الواقع، وسبرت غور مشكلات الناس والدولة، حدث أن تغير خطابها بالكلية، وبدأت مثلا في المجال الاقتصادي تتفاوض لاستجداء القروض الربوية من الغرب، و تروج لمبادئ المدرسة النيوليبرالية الغربية، وفرض المزيد من الضرائب كأمثلة للحلول المقترحة، ولم يسعفهم القاموس السابق في وجود حلول إسلامية جاهزة، وكذلك الحال في السياسة فقد كان الخطاب التقليدي ان النظام السياسي في الاسلام يختلف عن الديمقراطية باعتماده الشوري بديلا عن الديمقراطية، وان لدينا نظاما سياسيا (اسلاميا) لم تعرفه البشرية من قبل، فاذا سألت احدهم عن ماهية هذا النظام، قال لك انه الشوري، فإذا قلت له وكيف نستطيع تطبيق الشوري، وجدت إجابته هي سرد آليات الديمقراطية الغربية بقضها وقضيضها.

فور وفاة الرسول اجتمع وجوه الصحابة في سقيفة بني ساعدة ، ليتداولوا في شأن اختيار رئيس للدولة المسلمة، وهذه لحظة باهرة في تاريخنا ليتها استمرت وتكررت، حيث انهم جميعا انصارا ومهاجرين كانوا علي يقين أن هذا الشأن السياسي هو شأن دنيوي خالص، وانه لا يوجد نص قرآني ولا توجيه نبوي يتدخل في هذه المساحة، وعليه فقد أجادوا استخدام الأدلة العقلية، وطرحوا سؤال الانتقال السياسي، فهدوا في اختيارهم بتولية الصديق أبو بكر، لكن ما حدث بعد ذلك هو انتشار ساحق للإجابات الفقهية الجاهزة، والكثير من الروايات، وتقلصت المساحة الحرة لاستخدام العقل المحكوم بإطار من قيم القرآن، وباتت الأمة الاسلامية لعشرات القرون محصورة بين نظرية شرعية الامام المتغلب، عند السنة ونظرية إمامة اهل البيت عند الشيعة، وتوقف تماما أي تطوير في الفقه السياسي الإسلامي حتي افقنا علي الصدمة، إذ ما من منطقة في العالم تعاني من الاضطراب السياسي وتعثر مسيرة القيم مثل المنطقة العربية، وهو الحال نفسه في بقية ميادين الدين والدنيا في عالمنا العربي، لا تجني فيها إلا المر والعلقم..

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع