المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. دياري صالح مجيد Headshot

انهيار جيوبولتيكا التسامح في تركيا الأردوغانية

تم النشر: تم التحديث:

تسعى تركيا دومًا إلى طرح نفسها في المجال الحيوي الذي يمثله الشرق الاوسط على أنها نموذج للدولة الديمقراطية التي يجب أن يحتذى بها من قبل الآخرين، على الأقل في مجال ممارسة الحكم. وهي نظرة باتت محل شكوك كبيرة من قبل دول الجوار التركي التي عاشت أسوأ ظروفها خلال السنوات الماضية بفعل انهيار مبدأ التسامح في السياسة الخارجية التركية. في وقت يعتبر فيه الكثير من الباحثين أن موضوع التسامح السياسي، الذي يؤمن علاقات داخلية وخارجية متزنة، يشكل مصدرًا رئيسًا من مصادر الحُكم على فاعلية النموذج الديمقراطي من عدمه. وهو ما يجعل العديد من المراقبين من داخل تركيا و خارجها يشيرون إلى حجم الانهيار في موضوع الجغرافيا السياسية للتسامح في العقيدة التركية المعاصرة، وهو ما برزت أهم ملامح التحول المعاصرة في معاييره بعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي فقد فيها حزب العدالة والتنمية فرصة الإمساك بالسلطة. لتليها مرحلة مهمة من الاضطرابات الداخلية والإقليمية تركيًّا عبر اعتماد سياسات جديدة يبدو أنها ستؤجج الأوضاع في ملفات عديدة تمسك تركيا الأردوغانية بمفرداتها بشكل دقيق. الأمر الذي يثير تساؤلات عدة حول التاثير الذي سيتركه هذا الاسلوب في صناعة القرار على صورة تركيا في أذهان أبنائها قبل الآخرين، ودورها في تشكيل خريطة الصراع الهوياتي الذي باتت له جذور راسخة في عمق التفاعلات الحاصلة في الداخل التركي.

ملف تشكيل الحكومة
جاءت الانتخابات البرلمانية بغير ما كانت تترقبه طموحات حزب العدالة والتنمية الذي كان طوال أكثر من عقد من الزمن مهيمنًا على السلطة ومحددًا لمسارها وتفاعلاتها المختلفة. حيث أفرزت الانتخابات صعودًا مهمًّا لأحزاب المعارضة. وهو ما شكل مصدرًا مهمًّا من مصادر الأزمة لأردوغان الغارق اليوم في أزمة تشكيل الحكومة التي يبدو بأن دور المعارضة فيها سيكون أكبر مما كان عليه في الماضي، وهو ما يشكل تقويضًا لدور الخليفة العثماني الذي مارسه أردوغان بمساحة تأثير ونفوذ متحررة من ضغوطات الداخل إلى حد ما خلال الفترة السابقة من الزمن .

لذلك نجده مؤخرًا يؤكد في تصريح يعبر فيه عن حجم الامتعاض الذي يشعر به إزاء تحجيم فرص تشكيل الحكومة وفقًا لرغبات حزب العدالة والتنمية بالقول "نحن بحاجة إلى انتخابات مبكرة في حال فشلت المباحثات في التوصل إلى قناعة خاصة بتشكيل الحكومة. فخلال أكثر من 20 سنة كان العمر الأطول للحكومات الائتلافية يتراوح بين ثلاثة إلى أربعة أشهر. وخلال الدورة الماضية من عمر الحكومة كان هنالك استثناء من هذه القاعدة؛ حيث استمرت الحكومة الائتلافية لستة عشر شهرًا. في مثل هذه الحالة نحن نخوض في هذه المباحثات من أجل لا شيء في حال ظن البعض بأن مثل هذه الحكومة الائتلافية سوف تكون فعليا من مصلحة تركيا".

يتخوف الأتراك من أن تكون هذه التصريحات تعبيرًا عن عقيدة راسخة في ذهن قادة حزب العدالة والتنمية الذين يسيرون بتركيا إلى الهاوية بفعل رغبتهم الجامحة في إقصاء القوى السياسية المعارضة من خريطة تشكيل الحكومة التركية. حيث بدأت بوادر انعدام التسامح في العلاقة بين هذه الأحزاب تتصاعد بفعل ممارسات أردوغان.

في هذا الصدد ينقل البعض صورة عن المُناخ الشعبي الاخذ بالتشكل من رؤى أردوغان السياسية، حيث يشير البعض إلى أن أردوغان يتعامل مع المعارضة وبالذات الأكراد وفقًا لهذه القناعة "أن أردوغان يحب الديمقراطية متى ما كانت لمصلحته. وهو يحب الكرد ويسعى إلى تعزيز اتفاق السلام معهم، متى أحبوه وصوتوا له. بالمقابل فهو لن يرغب بهم شركاء ولن يمانع بممارسة العنف ضدهم، إذا ما أعطوا أصواتهم لغيره".

يبدو وفق هذه النظرة أن هنالك اليوم قناعة راسخة بدأت تتزايد مساحة تأثيرها الاجتماعية من أن أردوغان وحزبه يمارسان سياسات عقابية بحق المكونات التركية التي منحت صوتها لأحزاب المعارضة التي لن تترك الطريق سالكًا لممارسة الأدوار السابقة التي أساءت للواقعية السياسية التي كان يحلم الأتراك بتطبيقها في الداخل قبل الخارج، على الأقل من أجل الحفاظ على مبدأ مهم عملت عليه تركيا وهو السلام في الداخل من أجل تأمين السلام في الخارج . وهو السلام الذي بات يتضاءل في حجم فرصه يومًا بعد آخر .

ملف الصراع مع حزب العمال الكردستاني
منذ أن عقدت تركيا حزب العدالة والتنمية اتفاق السلام الأخير مع أوجلان، والأوضاع مع هذا الحزب تسير بالاتجاه الذي يحبذه المجتمع التركي الراغب كغيره من الشعوب بالعيش في المستويات المقبولة من السلام بعيدًا عن استخدام العنف المتبادل الذي تُدفع ضريبته من أبناء الوطن الواحد.

تم التوصل إلى تسوية لموضوع النشاط العسكري لهذا الحزب الذي نقل جزءًا كبيرًا من قوته التسليحية إلى جبال قنديل وفقًا لتفاهمات متعددة الأطراف ذات علاقة مباشرة بهذا الملف. وكان من المفترض أن تستمر الخطوات اللاحقة من موضوع التسوية هذه. إلا إن الأحداث الأخيرة التي شهدتها تركيا كانت كفيلة بإصرار قادة حزب العمال الكردستاني على التوقف عن المفاوضات والتأكيد على أن اتفاقية السلام قد انتهت ولم يعد لها أي دور.

في كثير من المناسبات التي كانت تحصل فيها مثل هذه الانقطاعات في مسيرة السلام والهدوء المؤقت في علاقات الطرفين، كانت تثار شكوك عديدة من قبل الأتراك أنفسهم حول من يقف وراء عرقلة التوصل إلى حل نهائي للموضوع الكردي أو على الأقل إدامة زخم تفاعلاته السلمية في الداخل التركي. وفي أغلب الأحوال كانت التهم توجه إلى الحكومة التي لم تتدخر جهدًا لإقناع الآخرين بعدم صواب هذه الفكرة، وذلك عبر رفع ورقة التهديد بتجريم كل القوى التي تستخدم مثل هذا الخطاب في التشكيك بدور الحكومة في دعم التسوية لهذا الملف. وهو ما أثبته أردوغان في تهديده الأخير لقادة حزب الشعوب الديمقراطي الكردي عبر تهديدهم بالخضوع للمحاكمة بحجة مساندة منظمة تهدد الأمن القومي التركي.

يعتقد الأكراد بأن الهجمات الأخيرة التي طالتهم بعد الانتخابات في تركيا قد جاءت بضوء أخضر من قبل أردوغان الذي يعتبرونه أحد أهم أركان توفير الدعم لداعش في تركيا والمنطقة. حيث بدأت تتشكل قناعات واسعة في الداخل التركي بأن حكومة العدالة والتنمية تستخدم التطرف الإسلامي أداة لمحاربة الأكراد في تركيا. وذلك بالرغم من كل التأكيدات التي أطلقت من قبل رئيس الحكومة التركية السيد داوود أوغلو لنفي هذه الحقائق مؤكدًا دور بلاده في الدخول إلى منظومة التحالف الدولي في حربه ضد الإرهاب.

الرد البليغ على تصريحات الحكومة التركية جاءت هذه المرة من نائب الحزب الجمهوري التركي التي قال فيها:"إن داعش موجودة في حي سينجان القريب من قصر رئاسة الجمهورية (القصر الأبيض) في أنقرة، أي أنها موجودة في قلب العاصمة أيضًا. يتم تنظيم رحلات بالتاكسي وسيارات النقل في منطقة سينجان المجاورة مباشرة للقصر الرئاسي للانضمام لمقاتلي تنظيم داعش في سوريا.. وأفادت قوات الأمن بأن الشيخ عبد الرحمن ألاجوز البالغ 20 عامًا المنضم لصفوف تنظيم داعش قبل ستة أشهر هو من نفذ الهجوم الأخير. ويزعم أن ألاجوز المسجل في ضمن سكان مدينة أديامان انضم لداعش في نفس الفترة التي انضم فيها أورهان جوندر منفذ الهجوم التفجيري في اللقاء الجماهيري لحزب الشعوب الديمقراطي بديار بكر، وأنهما يعرفان بعضهما البعض. كما تم الكشف عن أنهما استخدما مواد تفجيرية وقنابل من نفس النوع في التفجيرين".

ملف الحرب ضد داعش
تحول مهم ولافت في الخطاب التركي من موضوع جيوبولتيكا التطرف في المنطقة التي يتزعمها تنظيم داعش. هذا التحول جاء في أعقاب الاتفاق النووي الإيراني مع الغرب حول البرنامج الذي يؤمل له أن يسهم في حدوث تغيرات مهمة في البنية الوظيفية والصراعات الجارية في هذا الإقليم. لذا برز في بادئ الأمر تصور مفاده بأن تركيا قد أُجبرت عبر الحليف الأمريكي الذي رأَس المفاوضات مع إيران على تغيير بوصلة تحالفها مع داعش الذي خرج عن نطاق السيطرة وبات مصدر خطر مستقبلي يهدد القوى التي أنتجته. حتى باتت مصداقية هذا الافتراض تجد صدى مهمًا لها في الأحداث التي تعمل اليوم على تهديد الأمن القومي التركي بشكل مباشر. وهو ما دعا الكُتاب الأتراك إلى التأكيد بأن الخطر الحقيقي لداعش إنما يتمثل في نموه و سهولة حركته ودعمه الذي يجري على الأراضي التركية برعاية حكومية. لذا فإن بداية انهيار هذه العلاقة تمثل في تصاعد حدة العداء بين طرفيها لينتج سلسلة من العنف الممنهج الذي تجيد داعش الخوض في أدق تفاصيله الدموية.

التصور الآخر لهذا الموضوع نحاول أن نضع فيه مقاربة جيوبولتيكية جديدة للأوضاع عبر التأكيد على أن تركيا أرادت من الدخول إلى التحالف الأمريكي لتقويض دور داعش في سوريا، أن تعمل على خلق فرصة جديدة لها لإعادة تسويق نفسها في التفاعلات الإقليمية. ففتح قاعدة إنجرليك أمام الأمريكان جاء عبر مقايضة مفضوحة المعالم بين الطرفين يقوم فيها الأتراك بسحب يدهم عن داعش في مقابل تخلي الأمريكان عن التسامح مع الأدوار التي يمارسها حزب العمال الكردستاني الذي يعتبر القوة الرئيسة التي حالت دون هيمنة داعش على شمال سوريا. و بذلك تضمن أنقرة عدم تمكن الأكراد هناك من تقوية مكانتهم وتعزيز انتصاراتهم التي ستحولهم لاحقًا إلى خطر حقيقي على تماس مباشر مع حدودها التي أصبحت واحدة من أكثر الحدود اضطرابًا في المنطقة.

هنا جاء دور المشروع الجديد الذي عبر عنه أوغلو تحت تسمية "منطقة خالية من داعش في سوريا" لتحل محل تسميات سابقة بعنوان منطقة حظر الطيران والمنطقة الآمنة. هذه التسمية التي يراد من وراءها الحصول على التعاطف الإقليمي الرافض لموقف تركيا من أحداث السنوات الماضية، إنما جاءت بهذه الصيغة لتبعد عن الأذهان الردود السلبية التي أثارتها التسميات السابقة.

هذه المنطقة التي تريد أنقرة تثبيتها في إطار الجغرافيا -السياسية الحرجة لسوريا، تشير فيها إلى أنها ستعمل بكل السبل المتاحة لديها من أجل تأمينها ومن ثم تسليمها بيد عناصر ما يسمى بالجيش السوري الحر، بحجة تحويلها إلى نطاق يسمح باستقبال السوريين المتواجدين في تركيا كلاجئين يصل عددهم إلى 2 مليون نسمة. في حين يشير التحليل الجيوبولتيكي إلى ارتباط هذا المشروع بقضايا أبعد من هذه الحجة التي يراد عبر تسويقها العمل على حجب الأبعاد العميقة للموضوع. وهي إبعاد تقود في مجملها إلى انغماس تركيا الأردوغانية في مزيد من السياسات التي تقود إلى مزيد من النفي في جيوبولتيكا التسامح التركي، ولكن هذه المرة في إطار أوسع تمثله سياساتها الخارجية التي يبدو أنها حتى اللحظة لا زالت عصية على التغيير الذي ينشده الكثيرون. وهي سياسات يتم في ظلها ترسيخ مفاهيم العداء تجاه الآخرين المتصدين لمواجهة المشروع الذي يقوده أردوغان، الذي يتسند في تطبيقه له على آليات التطرف داخليًّا وخارجيًّا بالطريقة التي ستقود تركيا إلى أوقات عصيبة.