المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دعاء منير Headshot

الحب في زمن المسلسلات التركية

تم النشر: تم التحديث:

إلى معشر المدمَّرين عاطفياً، إلى الذين وقعوا أسارى معارك قلبية دامية خسروا على أثرها أنفسهم، وخسرنا نحن معها راحتنا فتصدعت رؤوسنا بمنشورات وتغريدات تعيسة، وجرحى وقتلى فعل بهم الحبّ ما فعل. وهو منهم بريء، ينعم النظر إليهم غاسلاً يديه مما يفعلونه من قذارات باسمه.

في زمنٍ غدت قصص الحبّ الصادقة ضرباً من خيال، وفي زمن غزتْنا فيه الأفلام التركية فغيرت مفاهيمنا، واجتاحت عقولنا أفكار منافية لكل ما نحمله من عقائد وقيم وثوابت- ما بقي لنا من ثابت سوى كثرة التغيُّر والانكفاء على مفاهيمنا بحجة مواكبة ركب الانحطاط هذا.

منشورات بائسة هنا، قصيدة غزل تبكي المحبوبة هناك، ونبقى نحن المتفرجين نتساءل: لمَ على هذه القصص أن تكون تراجيدية وأن تمتلأ بالدراما والحرمان والقهر ويكأنهم في زنزانة الأتراح؟! لمَ نتقن تمثيل الأفلام التركية وتجسيدها واقعياً على الرغم من أنهم يمثلونها تمثيلاً!
لمَ نفني أعمارنا ركضاً وراء سراب الحبّ.. وهو الذي ما كان في الحلال إلا زانه وما كان في الحرام إلّا شان صاحبه وبلاه وأورثه هماً وغماً.

يبدأ المسلسل التركي الذي يتابعه سكان بلادنا بشغف وتتوالى المواسم والحلقات والأجزاء ويبثون فيه كل السُّم وكل الوباء وكل ما هو مخالف للدين باسم "الحب"، وأن الحب يصيِّرك إنساناً آخر -بقليل من العقل وكثير من البلاهة وصفرٍ من التفكير- وهذا كله بالطبع في سبيل الوصول إلى المحبوب، وعادة ما تنتهي القصة بمأساة دامية -تورثك وجعاً رغم أنه لا ناقة لك ولا جمل - أو تنتهي بالزواج.

وهنا، يُغلق الستار، متناسين أن الحياة الحقيقية تبدأ بالزواج وأن المودة تُطرح طرحاً فيما يباركه الله، لا في علاقات شائكة وأحاديث الليل وأشعار الغرام ولقاءات فوق الأساطيح وتحتها.

الحب طُهر، والحب عفة وسموّ وارتقاء، واندماج روحين وإحداثهما أثراً واحداً.. الحب نفْس تجتمع وأخرى فيتنفسان معاً ويشقيان معاً فيما أحله الله.

الحبّ يبدأ بالزواج لا ينتهي به.. الحبّ بذرة تبدأ من حيث أذِن الله لا من حيث أردنا.. الحبّ بريء من الدموع والأحزان والهجر وآلاف الأطنان من أشعار الفراق.

هراء ما فعلته الأفلام والمسلسلات بنا؛ قولبت مفاهيمنا، أخرجتنا من ثوب تعاليمنا وألبستنا حلل أقوام يُفسدون في الأرض ولا يصلحون، فكنا أتباعاً لهم بغير إحسان وبغير هدى.. فكان ما كان.

فإلى كلّ جرحى الحب وقتلاه؛ هل إلى رجوع للمنطق من سبيل؟ أم أنّ هذه المسلسلات قد غدت واقعاً يعاش وغدا الحب هدفاً بذاته وسبباً لقيام الأُسر، رغم أنه من العار أن يكون الحب هو ركيزة الأسرة ودعامتها الأساسية، مفتقراً إلى كل المقومات الأخرى؟
فلا ينبغي لبشر أن يقضي حياته نادباً حزناً على أحد.

كن ذا همٍّ عظيم واصدح بصوتك لأولئك الذين رحلوا تاركين إياك في منتصف الطريق.. كما لم تدُم سعادتنا بكم، فلن يدوم حزننا عليكم، ومن أغناكم عنا سيغنينا عنكم، فليمزج القلب فرحه بترحه ويمضي، ولترجعوا غرباء كما رأيناكم أول مرة.

ولنرجع نحن إلى صوابنا وديننا وحلالنا، ولا ندور حول حماه؛ فيدركنا شؤم المعاصي ولعنتها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.