المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دعاء منصور بيومي Headshot

دور التعليم "عن بُعد" في الانفتاح الثقافي والديني

تم النشر: تم التحديث:

في صيف عام 2016، تم اختيار مجموعة من الطلاب المصريين بالمرحلة الجامعية، من المهتمين بالتعرف على الثقافات المختلفة، للاشتراك في برنامج تبادل ثقافي من خلال شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) مع جامعة أميركية في جنوب ولاية كارولينا، واستمر البرنامج عاماً كاملاً، حيث اندمج فيه الطلاب المصريون مع نظرائهم من أميركا، عن طريق مجموعة من اللقاءات على برنامج "سكايب"، والعديد من المشاركات على صفحة في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك".

ولم يكن اهتمام هذه الجامعة الأميركية بدراسة الثقافة الإسلامية والدين الإسلامي أمراً غريباً؛ فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، كانت هناك حماسة كبيرة لدى الكثير من الأميركيين للتعرف من كثب على الدين الإسلامي وتعاليمه، وقد انعكس هذا الأمر على الجامعات الأميركية فأصبح واحداً من الدورات التدريبية المكثفة التي تُدرّس في مرحلة التعليم الجامعي، أياً كان تخصص هذه الجامعة، باعتباره مقدمة عن الإسلام والشرق الأوسط، ولا شك في أن هذه الدورة التدريبية المكثفة قد لاقت نجاحاً كبيراً في معظم الجامعات الأميركية، وأصبحت معظم الجامعات مهتمة بإيفاد طلابها إلى الشرق الأوسط.

غير أن الأحداث الإرهابية الأخيرة، بالتزامن مع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية -المعروف إعلامياً بتنظيم داعش- أدى إلى الاضطراب الأمني، الأمر الذي دعا كثيراً من الجامعات الأميركية إلى إلغاء معظم البرامج الصيفية المزمع إيفادها إلى الشرق الأوسط، وإعلان حالة الطوارئ في هذه المناطق.

ورغم هذه المخاوف فقد ظلت هناك حماسة كبيرة من قِبل الكثير من أساتذة الجامعات الأميركية، تحدوهم [1] إلى إيجاد حلول بديلة؛ الأمر الذي دفع أستاذة أميركية، تقوم بتدريس الإسلام في كلية وافورد بجنوب كارولينا، إلى التفكير في حل بديل تستطيع بواسطته أن تمنح طلابها فرصة حقيقية للتعرف أكثر على الشرق الأوسط، ليس فقط عن طريق الدراسة النظرية، ولكن أيضاً من خلال دراسة الدين كظاهرة وتطبيقاتها الثقافية المختلفة.

وعندما قابلتُ كورتني في صيف 2015، في واشنطن، أخبرتني باهتمامها الشديد بأن تنقل الصورة الحقيقية للإسلام والمسملين لطلابها، وذلك بعد أن نالت أحداث العنف والإرهاب النصيب الأكبر من برامج القنوات الإعلامية الأميركية، ولم يعد لدى المواطن الأميركي أي فرصة يتعرف بها على الإسلام والمسلمين إلا من خلال الصور المشوهة التي امتلأ بها الإعلام؛ ولذا فإنها رأت أن من دور الجامعة أن تنقل للطلاب جزءاً من المشهد الحقيقي للمسلمين، ولم تكن قراءة الكتب والمقالات عن الإسلام كافية، وكان الطلاب في حاجة ماسة إلى التفاعل والاحتكاك مع المسلمين وثقافتهم.

فى مصر، لم يختلف الحال كثيراً، فعلى الرغم من اهتمام وحماسة كثير من الطلاب الدراسين للأديان والفلسفات الحديثة والأوروبية بالتعرف على الثقافات الأخرى، فإن حلم السفر للدراسة فى أميركا أو حضور مدرسة صيفية قد بات مستحيلاً؛ فتكاليف السفر تفوق القدرة المادية لأي طالب، كذلك فإنه ليس من اليسير الحصول على منحة دراسية؛ لأن معظم الجهات المانحة تهتم بطلاب الماجستير والدكتوراه، أما راغبو الدراسات القصيرة فربما لا تتوافر لهم سوى بعض الفرص القليلة التي تقدمها بعض السفارات.

ولعب البعد الثقافي أيضاً دوراً مهماً في إعاقة الكثير من الطلاب عن السفر للدراسة في أميركا؛ إذ يرفض الكثير من الأهالي سفر أولادهم في سن مبكرة؛ خوفاً من الاحتكاك أو التأثر السلبي بثقافات مختلفة عن الثقافة العربية، ولعل افتراض خضوع العقلية العربية للتأثير بات أمراً مشتركاً بين الكثير من الطلاب، فكثير من الطلاب المصريين الذين لم تتح لهم فرصة الاحتكاك بثقافات مختلفة، يرون أن الاحتكاك بالغرب قد تفوق آثاره السيئة حسناته بل قد يرى بعضهم أنه من قبيل الفتنة، أو أنه أمر ليس ضرورياً إلا في أضيق الحدود.

وفي ظل كل هذه التحديات، فضلاً عن رغبتي الشديدة في إتاحة الفرصة للكثير من الطلاب الراغبين في التعرف على الثقافة الغربية، قررت أن أخوض هذه المغامرة، على أن أقوم بإدارة البرنامج من مصر مع مجموعة من الطلاب المصريين، وتقوم صديقتي الأميركية بالإشراف على الجانب الأميركي.

كانت حماستي لبرنامجٍ من هذا النوع كبيرة على الرغم من أنني على علم بأن كثيراً من السفارات والمراكز الثقافية في مصر تشرف على برامج من هذا القبيل، وتتبنى مثل هذه الأفكار، ولكن البُعد الديني كان عاملاً مهماً في هذا البرنامج؛ بل قد يكون فريداً أيضاً، فبعد سفري إلى أميركا كطالبة للماجستير عن طريق مؤسسة فولبرايت الأميركية، وجدت أن كثيراً من الباحثين في مصر، خاصة المهمتين بدراسة الأديان، ليس لديهم الإلمام الكافي بالبعد الثقافي الذي يلعب دوراً مهماً في فهم الظاهرة الدينية؛ ولذا فإن واحداً من الأمور المميزة لهذا البرنامج هو الحديث عن الدين، ومن هنا فقد أتيحت الفرصة للطلاب المشاركين من الجانبين لمناقشة موضوعات تتعلق بالهوية الدينية، وتشكيلها، والبعد الثقافي وتأثيره على الدين.

وبالمثل، كانت فرحة وحماسة الكثير من الطلاب المصريين كبيرة، بعد خوض تجربة البرنامج؛ لأنها أهّلت لهم فرصة التعرف على الجانب الديني للمجتمع الأميركي، الأمر الذي يصعب التعرف عليه من خلال مشاهدة الأفلام أو البرامج التلفزيونية، كما أن البرنامج كان بمثابة فرصة حقيقية للتعرف أكثر على هويتهم العربية والإسلامية، فكثير من الأسئلة التي وُجهت إليهم على الرغم من سهولة إجابتها، كانت فرصة حقيقية للبحث والنظر والتفتيش عن الكثير من المعتقدات الدينية ووضعها في إطار يتماشى مع العقلية الغربية.

ولرصد بعض ردود فعل الطلاب المشاركين من الفريق المصري، يقول أحمد فوزي: "إنه لأمر ممتع أن تتحدث عن تجربتك الدينية التي مارستها طيلة حياتك، وأن تتبادلها مع كثيرين من ثقافات أخرى، فقد تبادلنا الحديث عن وجهة نظرنا في الإله، ودوره في حياتنا، وتحدث البعض الآخر عن الطقوس التي يمارسها لعبادة الإله، ووجدت الكثير من التشابه بين التجربتين، فالمتدينون يرون أن الإله له دور محوري في حياتنا الشخصية، ويهتم البعض بزيارة الكنيسة يوم الأحد من كل أسبوع، كما نفعل نحن المسلمين يوم الجمعة، وقد ساعدني ذلك في استكشاف ذاتيّ عميق، وزاد من معرفتي بنفسي كمسلم، وتقبلي لشعائر الآخر وتوجهاته".

أما آلاء علي محمد، فقد أرجعت الأسباب التي أدت إلى اشتراكها في البرنامج إلى أنها قرأت مقدمة لكتاب يتحدث عن أشهر الديانات حول العالم، حيث أشار المؤلف في مقدمة الكتاب إلى أن لكل ديانة مفاهيم ومعتقدات خاصة بها، وبذلك نمت بذرة الفضول بداخلها، وبدأت البحث عن هذه الديانات وتعدد الطرق في العبادة.

وأشار الكثير من الطلاب أيضاً إلى أن البرنامج كسر العديد من الحواجز، وغيّر كثيراً من الصور النمطية التي تكونت من خلال الإعلام والأفلام، والبعيدة كل البعد عن حقيقة المجتمعات وتكوينها.

وفي الفريق الأميركي، فقد كانت تجربة مثيرة للطلاب المشاركين من الجنوب؛ نظراً إلى قلة المسلمين القاطنين في تلك المناطق، على النقيض من شمال ووسط أميركا، مما جعل تقبُّل الآخر أمراً ليس باليسير، ولم يكن عادياً أن يتحاور الطلاب الأميركيون مع طالبة مسلمة تغطي وجهها وتشبه إلى حد كبير تلك الصور المشوهة التي رسمها الإعلام على شاشاته كرمز للعنف والإرهاب.

ومن هنا، فإن البرنامج محاولة لتكوين صور وقناعات مختلفة في أذهان أجيال قادمة، قد تحمل بعض الأمل في توجيه العالم نحو تقبل الآخر واحترام اختلافه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.