المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 د. خالد محمد الحداد Headshot

صندوقي الأبيض (1)

تم النشر: تم التحديث:

يعجّ صندوق بريدي الفيسبوكي بما لذّ وطاب من كل المقبّلات والتوابل والملهبات والباربيكيو الإنساني.
وبما أنّ عملي يحتّم عليّ السريّة الكاملة فيما يأتي لي من رسائل، فلم أستطع حتى اللحظة تكليف أحد أعضاء فريق العمل في مؤسستنا بسبر أغوار صندوق بريدي الفيسبوكي الأبيض ونشره على الملأ في كتب أو غيرها بعد استئذان بعض أصحابها.

فأبدأ هنا على حلقات شبه دوريّة إطلاع القراء على ما يفيدهم من بطن هذا الصندوق.
وما يهمّ هنا هو الاطلاع على أكثر أنواع المشاكل الإنسانية الاجتماعية الحديثة تكراراً وألماً، والتوجيه لبعض الإرشادات العامّة التي قد تفتح باباً أو ترسم بوصلة تجاه الحلول.

وكما كرّرت في مقال سابق.. الحلول العامّة وحدها لا يمكن أن تشفي الغليل ولا القلب الحيران.

من أكثر المشاكل شيوعاً في وقتنا المعاصر هي مشكلة (التجسس الاجتماعي) الذي يراه الكثيرون حلالاً سائغاً طالما (لعب الفار في عبّهم)، كما يقول إخواننا المصريون في لهجتهم العاميّة.

هذه رسالة من زوجة شكّت في محادثات ودردشات زوجها - حديث العهد أو قديمة - على مواقع التواصل مع نساء.. فما كان منها إلا أن تواصلت مع إحدى صديقاتها العاملات في تكنولوجيا المعلومات لاختراق كيانه الإلكتروني وأتت بكل قائمة تاء التأنيث التي في محادثاته دون حتى ملاحظة ما يشين مما لا يشين وتواصلت معهن سابّة ومهددة ورغت وأزبدت، وكالت الكيل بمليون مكيال، وأوقعت زوجها في مشاكل لا حصر لها، وترك بسببها عمله المهني الحرّ، حتى أوشك على الإفلاس وتفرغ للمعارك المنزلية اليومية، وانتهى الأمر بالطلاق، ولا عزاء لطفلتين تم وضعهما كمعجون (المايونيز) بين فكيّ شطيرة أبوين لم يرحما حداثة سنّهما.

وهذا آخر يعتقد اعتقاداً جازماً بناء على اختفاء ابنته في غرفتها لساعات للدراسة أنّها على صلة غير شرعية بشاب، وقد أجبرها تحت الإرهاب الأبوي بالاعتراف بما لم تقترفه حتى أصابها فصام في الشخصية، وقد أرسل هو لي ليسألني عن طبيب نفسي حاذق يرسل له بابنته، واعترف بأنّه كان موهوماً بعد تجسسه على إيميلات من معيد عندها في الجامعة يرسل لجميع الطلاب عن طريق الإيميل.

وهذا مدير في شركة عالمية في إحدى الدول العربية يتقاضى راتباً شهرياً، يكفي مؤونة خمس عائلات من الطبقة الراقية في بلادنا يتجسس على البريد الإلكتروني لموظفه النابغ؛ ليعلم كيف يأتي بعملاء جدد بهذه السرعة، ثم يسرق العميل منه ويتواصل معه، ويظهر لقيادة الشركة أنّه صاحب السبق.. وقد أرسل لي هو نفسه بعد شعوره بالخزي من نفسه لمّا أصابه مرض عضال يهدد عقله!

وهذه ابنة صالحة حدّثتني أنها شكّت في سهر والدها للفجر كل يوم فراحت تسبر أغوار آلاته الإلكترونية حتى وصلت إلى أنّه يحادث فتيات، وأخبرت والدتها التي هدّت المعبد، وقد أرسلت لي هي نفسها نادمة على تغوّلها غير المبرر في أمر لم تفهم أوله من آخره؛ لأن والدها طبيب وله عملاء مرضى ومعظم هذه المحادثات لم تجد فيها ما يشينه، غير أنّها (لعب الفار في عبّها)، فنقلت الخبر غير عابئة بالصمامات المشاعرية لوالدتها، وتريد منّي التحدث مع الأب المحترم؛ ليعيد بناء البيت.


وها هم مئات المخطوبين وحديثي الزواج يزورون صندوقي الأبيض يومياً شاكين من أن طرفاً يمتنع عن إعطاء الطرف الآخر كلمات أجهزته الإلكترونية!
وحينما أسأل ببراءة.. ولمَ يُعطيها لك؟
الإجابة: حتى أفتحها حينما أرغب وأطلع على محادثاته لعل وعسى!!

أنا لست واعظاً حتى أعطي القرّاء دروساً في حرمة التجسّس المعلومة من الدين بالضرورة، ولا أنّ الله تعالى الخبير الحكيم قد فرض الجلد على مبلّغ عن واقعة زنى -وهو من أفحش الفواحش - إذا لم يأتِ بأربعة شهداء وهو شرط شبه استحالة حتى لا ينتشر القيل والقال في المجتمع، وحتى تهدأ النفوس وتقرّ القلوب في غليانها.

الله تعالى في تنظيمه للمجتمع المتزّن يقرّر علينا نظماً ومسارات قد لا تدرك حكمتها أيها القارئ إلا حينما تقع المصائب.. فالأولى بك اتباعها، وأؤكد لك جازماً حكمتها جرّاء ما أراه من بدايات ونهايات في أحشاء صندوق بريدي الأبيض.

اتباع مسارات الغير تجسساً ومراقبًة لن يأتي بالخير العميم أيتها الزوجة والمخطوبة والابنة والمدير العظيم، والسير وراء خيوط عنكبوت الشيطان لن يبلغك مقصداً أيها الزوج والخاطب.


ويسألني المتجسسون سؤالاً دائماً: ماذا لو شككنا؟ أليس من حقّنا استكمال التجسّس؟! فأسألهم: وماذا بعد أن تضبط(ي) عين الجريمة؟
ما العمل حالياً؟
فتتم مصمصة الشفاه وترتعد الفرائص.. مش عارفين!!
لا تتجسسوا يا أصدقاء، لا تتجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً، سوف تدور دوائر الحياة ولن تجد نفسك إلا واقعاً في شرك وفخ لن ينقذك منه غير اتباع كلام وحكمة من خلقك وصنعك من عدم.. بحرمة التجسس.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.