المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 د. خالد محمد الحداد Headshot

أنا

تم النشر: تم التحديث:

كنت أقوم بتمرين تفاعلي لتعليم الحضور مهارة "اكتشاف الذات"، فأخبرهم بضرورة القيام أمام زملائهم في الدورة التدريبية، والحديث بشفافية عن "أنا" (إيجاباً قبل سلباً).

التردد كان غالباً سيّد الموقف.. (معقول يا دكتور هاشكر في نفسي؟!).

وإذا تحمّس فرد أو فردان جراء تحفيزي لهم، خرجوا يجرّون أذيال الزهد التمثيلي والورع الفكاهي في التعريف بأنفسهم.

وكانت الطامّة الكبري التي كدت أساق حينها إلى المحكمة، حينما سقط أحدهم من الخوف بعد أن ابيضَّت شفتاه وبهت لونه وخفق قلبه حينما أرغمته على ذلك!!

ولولا ستر الله لكنت محبوساً الآن في جريمة قتل عمد في قاعة "أنا" للتدريب!

وتكرّر الأمر كثيراً بالمئات في تدريباتي وجلساتي..حتى وصلت دون عمل بحثي إلى أنّ كلمة "أنا" تعدّ كلمة شبه إجرامية في التراث الزهدي العربي.. لا يصحّ أن تقول "أنا".. على الرغم من أن الأمر يعاكس ذلك في منظومة الدول المتقدّمة.
وللأمانة كان المصريون وأهل الشام تحديداً أفضل حالاً من غيرهم من سائر الأقطار العربية.

وهذا الانحياز الاجتماعي لرفض التعبير عن الذات في الشخصية العربية انتقل أيضاً إلى الجيل الجديد من الشباب والشابات، حتى إنّهم أدمنوا الظهور بغير شخصياتهم وغير أساميهم، وغير صورهم على مواقع التواصل الاجتماعي التي غزت العالم.

ويصل الأمر الكارثي إلى أنّ معظم الأشخاص في عالمنا العربيّ حينما يهمّون بتعريف أنفسهم مضطرين محرجين يبدأون بأنّهم خريجون في جامعة كذا أو كلية كذا!!
وهل تمت ولادتك في الكليّة أو في حرم الجامعة يا صاح؟!

وذلك الاتجاه لرفض كلمة "أنا" وكره التعبير عن الذات وصفاتها الجميلة تم ربطه بالدين من الكثيرين حتى تصمت إلى الأبد؛ لأنك سوف تغدو صابئاً زنديقاً لو صحت "أنا".
وشعور الملامة الذاتية وجلد النفس أصبح ملازماً لكلّ من رأى في نفسه كفاءة لتولّي زمام الأمور وصدح بكلمة "أنا".
أنا أحب كلمة "أنا"، وأحملها على المحامل المتزنة الطيّبة التي لا تعني كبراً ولا كبرياء، ولا رفض التعبير عنها يعني زهداً ولا بساطة.. إطلاقاً.
هي موروثات عرفية زرعها أشخاص بطريقة (حق أريد به باطل).
هي تابوهات تمنع التميّز وتجعلك دفيناً طوال العمر، هي تلك الأزمة.. أزمة (الثقة في النفس) شائعة الوجود في عالمنا العربي تطلّ بكل شراسة لتجعلنا نصدّق أننا (عالم ثالث).

قل لهم يا صديق إنك لست عالماً ثالثاً.. احتمال أن تكون دولتك أو دول منطقتك عالماً ثالثاً ولست "أنا".
قل لهم: "أنا" عالم أوّل.. أنا إنسان طموح متّزن فاعل كفء أمين جدير بالثقة.
"أنا" أحبّ العلم والمعرفة والفاعلية، ولن أستجيب لتصنيفكم لي حتى لو صنّفتم بلادي وزرعتم بها كل وغد أجبرني على الصمت أن أصدح بـ"أنا".

قل لهم: "أنا.. أنا.. أنا" ألف مرة أو مليون مرّة؛ لأنّك تستحق أن تكون "أنا".

اعرف "أنا" جيّداً حتى تثق في "أنا" جيّداً حتى تكون "أنا" الفاعلة التي تختار بوعي خياراتها المتنوعة، وتقرّر لنفسها، فتسمو عن التصنيفات، وتتمكّن من الإنجاز.
ويوما ما يفخر أبناء "أنا" بـ"أنا"، ويصبحون هم أنفسهم "أنا".

* مع الاعتذار لكل مَن يكره كلمة "أنا".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.