المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

إدريس بنيعقوب بن محمد Headshot

الاقتصاد ونموذج اللاندر.. رسائل وراء اقتراح ألماني للوساطة في نزاع الصحراء

تم النشر: تم التحديث:

لا شك في أن للوسطاء لحل النزاعات في منظومة الأمم المتحدة قوةً قد تكون حاسمة في تفكيك المشاكل الدولية أو تعقيدها، ولا شك في أن وجودهم لأداء هذه الوظيفة يفرضه منطق الاحتكام إلى صيانة المصالح المختلفة للأطراف المتنازعة، وأيضاً للكيانات البشرية المحيطة بهم. فلا يمكن أن يترك للأطراف حرية تدبير نزاعاتهم بعيداً عن تدخل القوى المحيطة بهم، تفادياً لأي آثار كيفما كان نوعها، قد تغير مراكز القوة للمتنازعين، وتخلّ بالتوازنات السياسية والموازين الاقتصادية في منطقة ما من العالم.

لذلك، فإن اختيار الوسيط الدولي يمر بسلسلة من المعايير؛ أهمها تفهم المصالح المتضاربة حول النزاع المعروض للحل، إضافة إلى التوفر على الإسناد السياسي والجغرافي لشخص الوسيط، هذا فضلاً عن ضرورة التمكن من الثقافة المهنية للوساطة والتفاوض وفض النزاعات والعلم بالقواعد الدولية والموضوعاتية لتشريح نوازل الصراعات بين الأمم والشعوب، هذا بجانب تملك شخصية قوية كاريزمية، لها سمعة وتراث في إدارة الأمور الدولية، أو إدارة الكيانات البشرية المختلفة من دول وتنظيمات دولية وغيرها.

عبر التاريخ لمعت أسماء عدد من الوسطاء الدوليين داخل منظومة الأمم المتحدة أو المنظمات الإقليمية والقارية، وتذكَّرهم الناس والتاريخ أكثر مما تذكروا الأمناء العامين الذين عينوهم، أمثال السويدي الكونت فولك برنادوت الذي قتلته عصابات وُصفت بالصهيونية في خضم قيامه بالوساطة لحل النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني سنة 1948؛ والجزائري الأخضر الإبراهيمي الذي أسهم في حل عدد من النزاعات، خصوصاً دوره في أثناء تمثيله اللجنة الثلاثية للقمة العربية في الحرب الأهلية اللبنانية ودوره في إقامة اتفاق الطائف، وغيرهما عدد مهم من الوسطاء الدوليين الذين تم اللجوء إليهم كمنقذين لأزمات عصية، طال أمد بقائها وخلفت آثاراً خطيرة على السلم والأمن الدوليين، ولم تنفع معها القرارات الدولية ولم تجدِ معها نفعاً المؤتمرات والقمم.

في نزاع الصحراء المغربية، تعاقب عدد من الوسطاء للأمناء العامين للأمم المتحدة، منهم من وصف المراقبون ولايته بعدم الحياد، كآخر وسيط لبان كي مون كريستوفر روس السفير الأميركي السابق لدى الجزائر، والذي شكلت مناوراته المكشوفة لمحاصرة المغرب عبئاً على المنظمة الدولية، فما كان من حل سوى الاستغناء عنه ليبقى اسمه في أرشيف قسم موظفي الأمم المتحدة.

ومنهم من كانت له الجرأة في طرح حلول جديدة كجيمس بيكر وزير الخارجية الأميركي الأسبق، لكنها كانت ملغومة وقيل ارتباطها بشبهات مصالح الغاز والبترول الجزائري، كمقترح حكم ذاتي لفترة معينة تليها عملية استفتاء، ومنهم من كان أكثر جرأة وفهماً للواقع، كالدبلوماسي الهولندي بيتر فان فالسوم الذي أطلق مسلسل المفاوضات غير المباشرة بين المغرب والبوليساريو، والذي خلص إلى وضع مقترح لاستبعاد حلم الاستفتاء غير الواقعي، داعياً إلى التفكير في مقترح واقعي وعقلاني يحترم التاريخ والمعطيات الحالية على الأرض.

مؤخراً، أثير اسم الرئيس الألماني السابق، هورست كوهلر، كممثل ووسيط للأمين العام الجديد للأمم المتحدة في نزاع الصحراء المغربية، في الوقت الذي يصدر فيه تقريراً وتوصيات مهمة بشأن النزاع لمناقشته في مجلس الأمن واتخاذ القرارات المتعينة بشأن القضية. هذا الاسم وهذا الانتماء إلى ألمانيا لهما أكثر من بُعد وأكثر من رسالة، نركز فيها على نقطتين مهمتين، نجدهما تلخصان فرضية التفكير الدولي الجدي في حل النزاع خلال ولاية الأمين العام أنطونيو غوتيريش.

الرسالة الأولى: وهي تعيين رجل اقتصاد ينتمي إلى دولة اقتصادها قوي صمد بشكل لا مثيل له في أوروبا أمام الأزمات الاقتصادية الأخيرة، منفتح على الأسواق الجديدة ومن أهمها الأسواق الإفريقية.

اشتغل كوهلر في المنظمات المالية الدولية؛ كالبنك الدولي وما يعنيه ذلك من احتكاك مع جدية المشاريع التنموية للدول الصاعدة، ومن بينها المغرب؛ ما يدعو إلى مزيد من تشجيعها واستقرارها. له أيضاً اهتمامات بالاقتصاديات الإفريقية، وسبق له أن كان ضيفاً محاضراً على عدد من المؤتمرات والمنتديات الاقتصادية في إفريقيا، وهو مطلع تمام الاطلاع على حجم إمكانات القارة ومؤهلاتها الطبيعية والبشرية.

حتماً، كرجل سبق له أن كان رئيساً لألمانيا ومنتمياً لنفس حزب أنجيلا ميركل المستشارة الألمانية، يتمنى أن يساعد بلده في مزيد من الاكتساح للأسواق، وخصوصاً السوق الإافريقية، التي تسعى بلاده جادة لدخولها وقد يكون المغرب أحسن بوابة للولوج للقارة.

أيضاً، اشتُهر هورست كوهلر باستقالته من منصبه كرئيس لألمانيا بعد تصريحاته المبررة لتدخل بلاده العسكري خارج ألمانيا من أجل حماية المصالح الاقتصادية، وهي المدرسة الاستراتيجية نفسها التي يتبناها المغرب، والتي تقول بضرورة حماية الحدود الاقتصادية والثقافية للبلاد كلما تعرضت للخطر، والتي لا تنطبق بالضرورة مع الحدود الترابية؛ ما يفسر تدخل المغرب مثلاً في اليمن لمساندة دول الخليج العربي.

هذا إلى جانب الانتماء الأوروبي وما يعنيه من مراعاة لحجم المصالح الأوروبية مع المغرب، وعلى رأسها الأمن والهجرة والاقتصاد، في الوقت الذي تعيش فيه الجزائر، المساند الأول للبوليساريو، عزلة سياسية وإفلاساً اقتصادياً تنموياً ومشاكل تدبير السلطة والحريات والحقوق الإنسانية لا حصر لها.

الرسالة الثانية من جراء إشاعة اسم شخصية سياسية ألمانية في ملف الصحراء المغربية، حتى وإن لم يعيَّن الرئيس الألماني السابق وسيطاً أممياً جديداً في النزاع، هي رسالة لها علاقة بطريقة تفسير مفهوم تقرير الشعوب لمصيرها وتحفز على التفكير بشكل آخر، خصوصاً من قِبل خصوم الوحدة الترابية، والتي تؤكدها مستنتجات الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريش عندما أقر في تقريره الأممي الأخير، بأن هناك تفسيرات عدة لطريقة ممارسة تقرير المصير يجب على أساسها أن تنطلق المفاوضات في دينامية جديدة وواقعية.

ألمانيا التي ترأسها كوهلر قبل استقالته، معروفة بنموذج اللاندر لتدبير مختلف الجهات، وهو نظام إداري سياسي يوفق بين النظام الفيدرالي الموسع والجهوية الموسعة، وهو قريب في تصوره من خطاطة الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية التي اقترحها المغرب لحل نزاع الصحراء، وفي هذا الصدد لن تجد الأمم المتحدة شخصية مارست عملياً رئاسة نظام شبيه وقادرة على إقناع الأطراف بهذه التجربة الواقعية الناجحة على المستوى العالمي أكثر من شخصية ألمانية، متمكنة من أسرار نجاح نموذج حكم ذاتي كهذا، متمسكة بحرية التدبير الذاتي داخل نسق الوحدة وغير مؤمنة بالانفصال.

ومن المحتمل ألا يجد الوسيط أي اعتراض من المغرب على توجهه نحو تعديل مقترح الحكم الذاتي في صيغة شبيهة باللاندر الألماني، هذا النموذج الذي عبّر الراحل الحسن الثاني أكثر من مرة عن إعجابه به، وعن حلمه بتطبيقه في المغرب؛ لكونه نظاماً يحافظ على الهوية الوطنية الجامعة ويصون الهويات الجهوية والثقافية الفرعية، ويخفف العبء السياسي والاقتصادي عن مركز الدولة ويسهم في التنمية الشاملة والانفتاح.

غير أن هذا التوجه قد ترفضه الجزائر بواسطة البوليساريو، مخافة أن يصبح مطلباً داخلياً في الجزائر في ظل جمود العقلية العسكرية الجزائرية، وتصديها لأي محاولات خلخلة سلطاتها في تدبير ثروات البلاد.

هذه، في نظرنا، أهم الرسائل التي تحملها فكرة تعيين شخصية ألمانية للوساطة في نزاع الصحراء المغربية، غير أن مآلات تفعيل هذا التعيين والدلالات التي يحملها تبقى رهينة بمدى استعداد القوى الدولية، الجزائر وبعض القوى الإفريقية، لتقبُّل تهدئة في شمال إفريقيا من شأنها أن تخلق قوى جديدة، قد تقلب موازين القوى الإقليمية وقد تكون قادرة على خلق نظام قاري إفريقي جديد يتحدى القارات الأخرى ويؤثر في النظام العالمي ككل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.