المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د.زهير المزيدي Headshot

ما بين المطبخ الإيطالي والآيس كريم.. تأملات

تم النشر: تم التحديث:

تأملتُ.. (المطبخ) الإيطالي بما وصل إليه من إبداع، ما يجعلك منبهراً ليس في شكل الطبق الذي يوضع بين يديك في مطاعمهم الفاخرة في إيطاليا فحسب، بل في أساليب التحضير للأطعمة، أساليب هي أقرب ما تكون لمزيج يؤديه فنانٌ متمرسٌ في مزج الألوان، ومتخصصٌ في علم الكيماء وفيزياء المواد معاً، فكي يقدم لك (الشيف) طبقاً لم يسبق لك أن تذوقته، يصف لك المذاق قبل أن يتلقى فمك اللقمة أولاً، بأسلوب من الكلمات المنتقاة، انتقاء عن خبرة العشرات ممن تناول ذات الطبق؛ لتدرك نوع المشاعر التي ستنتابك أثناء تناوله،

إبداعٌ محسوب فيه عدد ونوع كل ورقة نبات تم اعتمادها في الطبق، إبداعٌ دُمِجَتْ فيه المتناقضات من المذاقات بقدر، إبداعٌ تَعَرَّض فيه كلُ عنصر من مكونات الطبق، لدرجة حرارة طهي أثناء التحضير مختلفة، إبداعٌ استغرق في التحضير والإعداد له (فكرة ومفهوم ونمط وأسلوب)، وفوق ذلك انتقاء حذر للمكونات، وزمن من التفكير، وهمّ شغل صاحبه أسابيع، إتقان وإبداعٌ كهذا، هل يُعقَل أن نعجز عنه حين ننتقي ما نتلفظ به من (كلمات)، أو نحرر فيه (مقالاً)، أو نعد له (خطبة) على منبر، أو (ندعو) فيه الغير لما نعتنقه من مبادئ، ألا يستحق ذلك منا العناء في التحضير وحسن الانتقاء؟ فإن كان التحضير للطبق مستوفياً الإتقان، فتواصلك مع الغير يجب أن يستوفي الإحسان.

تأملتُ.. (الآيس كريم)، عبر أسلوب التبريد كيف يصبح متماسكاً صلباً بعد أن كان مزيجاً من السوائل، في حين نجد البيض عبر أسلوب التسخين يصبح متماسكاً وصلباً بعد أن كان في حالة سائل، وكذلك في أساليبنا التربوية، فلا يصح أن نعتمد أسلوباً موحداً في التوجيه والتهذيب، فما يصلح لفلان من الأبناء قد لا يصلح لعلان منهم، والأمر ينطبق أيضاً على أساليبنا التعليمية والإدارية، ذلك هو الآيس كريم بطعم الفانيلا الفاخر، نشكره على التوجيه.

تأملتُ.. (الكاكاو)، بمذاقه الخلاب، في قدرته على تحسين المزاج، فهو كمخلوق، تمكن من أن يتعامل مع كافة الأعمار، الأطفال والمراهقين والكبار، وهو ما يندر أن نجده مع باقي الأطعمة، فهل ما بلغه الكاكاو من سعة، هو نتيجة ما يحويه من عنصر نادر، أم أن هذا العنصر لا يعمل أساساً إلا مع عنصر موجود في أدمغتنا؛ ليتحدا عبر مركب ليمنحنا النشوة؟ غير أن النشوة بعد ذلك لن تطول حتى مع الإصرار أو التكرار، ولعل علاقة كهذه يمكن أن نشبهها بعلاقتنا بما اعتدنا عليه من عادات أو علاقات، حينها يفقد الإنسان طعماً للحياة، حين يعتاد على نمط من الحياة مكرر، ولما كان الدماغ هو المعني وفق معادلة (النشوة)، كان على الدماغ أن يجد مخرجاً من تأثير العادة، والمخرج يبينه الله ﷻ لنا عبراً، (فارجع البصر، كي تنتزع نفسك مما ألفته، ثم ارجع البصر كرتين)، ذلك مع البصر، أما مع السمع، فيكون السؤال ليس ماذا سمعت؟ وإنما كيف استمعت؟ والإرشاد في ذلك حين وصفهم سبحانه (وَلَهُم أَعيُنٌ لا يُبصِرونَ بِها وَلَهُم آذانٌ لا يَسمَعونَ بِها أُولئِكَ كَالأَنعامِ بَل هُم أَضَلُّ﴾.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.