المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د.زهير المزيدي Headshot

جلسة مع استكان الشاي

تم النشر: تم التحديث:

حين يكون باستكانة تركية، فالمذاق يمدك عشقاً بتركيا، عبر معززات للعشق، يؤجج لها تارةً قرص السميد، وتارةً حلاوة الحلقوم، مذاق يجعلك تغوص عبر عقلك الباطن، بما لا يزيد عن مقدار غرفة ماء، بمشهد البسفور، وقصر توب كابي، ودولما بهجة، غوصٌ يجعلك متبللاً بذكريات تنتزع من عقلك مجدداً طعم كباب أضنه، ورائحة مقاهي الفاتح، وتستعرض زقاقاً تارةً في تقسيم، وتارةً لزقاق في بورصة.

ومع هبة من هواء من حولك يقشعر بدنك عبر البلل، إثر رشفة الشاي التي أيقظتك من سبات خيالك؛ لتقول لك إنها لحظات لم تزِد عن بضع ثوانٍ، فإن تمكنت عبر استكانة الشاي من الغوص باسترجاع تلك اللحظات، فكم سيكون مردود غوصك في اسم الله (المعطي) لحظة سجودك في الصلاة؟! وكيف سيكون مذاق غوصك مع اسمه (الودود)، واسمه (الغفار)؟!

أطِل الغوص لحظة سجودك، تأمّل وتَضلّع بأسمائه الحسنى، واجعل مع كل سجود نصيباً لاسم من أسمائه، تستقر فتهنأ.

هذه المرة حين يكون باستكانة عراقية، فالمذاق يمدك عشقاً بأصدقاء كانوا لك في مانشستر عام 1980، وعبر معززات للعشق تؤجج لها تارة قطعة قندة، وتارة النقاط الحمراء على الزجاج، كالسوار حول المعصم، ومع كل رشفة يستحضر عقلك مشهداً، فمشهد مطعم الأعظمية في سوق واقف في دوحة قطر، يتبعه مشهد أكاديمية القيادة في إسطنبول حين استقبلونا بالشاي العراقي؛ حيث تنضح الهوية العراقية بتجاذب وجداني رفيع على غير الصورة التي رسمها الإعلام المضلل، قائلاً بأنك موصول أيها الطالب بحبل من الولاء بوطنك، حبل جذبٍ وولاء، (غريبٌ هكذا قيم عندما يتم تعهد غرسها عبر مذاق)، وهناك ما يتم تعزيزها عبر رائحة، في مثل رائحة الكباب العراقي في بغداد عام 1963؛ حيث يستحيل شظايا الفحم فيها رُسُلاً للقبض على ما في جيوب المارة.

مذاقاتٌ تتداخل عبرها الصور، فإذا بك أمام مسمع مواء قطٍّ يقطع عليك حبل تخيلاتك، بمسمع يستعطف فيك العطاء، فلا تجد سوى الشاي، والإبريق الذي يرافقه، فإذا بك تدرك أن القطّ ما جاء لطعام وإنما للوجدان الذي كان مبعثه رائحة الشاي، فأي وجدانٍ هذا، حين يجمع فيه بين الإنسان والحيوان؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.