المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د.محمد شرقاوي Headshot

الإسلاموفوبيا بوسائل الإعلام في أميركا"1" | النُذر الأيديولوجية وسياسات الهوية

تم النشر: تم التحديث:

الخلاصة
صار معظم المتابعين حول العالم مذهولين من نجاح ترامب في تأمين دخول الحزب الجمهوري للبيت الأبيض في عام 2016، الذي حدث على الرغم من تصريحاته العنصرية المسيئة عن المسلمين والمكسيكيين والأقليات واللاجئين السوريين.
وقد احتُفي بترامب باعتباره "بطلاً" للإسلاموفوبيا (الخوف من الإسلام) والهسبانوفوبيا (الخوف من الهسبان)؛ إذ إن نداءه لمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة وأيضاً عبارته العدائية التي تقول "الإسلام يكرهنا"، وصلت إلى آفاق مجهولة للأسس الأيديولوجية التي تتطلبها أي محاولة رئاسية للوصول إلى البيت الأبيض.

وإن أراد أي شخص تفكيك صعود ظاهرة الإسلاموفوبيا في تلك الانتخابات غير الأرثوذكسية، فسيكون في حاجة إلى اتباع بعض أسس التأطير، أو الاستعانة بمصطلح الفيلسوف البريطاني غلبرت رايل (1900 - 1976)، وبعض الأوصاف الثقيلة لذلك الاتجاه المتصاعد، من أجل المساعدة في تعميق الانتباه لما تعنيه تلك التصرفات.

في هذا السياق، يهدف ذلك التقرير، بجزئيه، إلى أن يعرض الارتباط بين إحياء الحركة المحافظة الأميركية من جانب، ووسائل الإعلام اليمينية من جانب آخر.

ويركز الجزء الأول على النُّذر الاستيعابية والأيديولوجية والدوافع التي أدت للوصول إلى درجة غير مسبوقة من الإسلاموفوبيا، فيما يتتبع الجزء الثاني مسار صعود "الترامبية" باعتبارها سبباً في إثارة السياسات المعادية للإسلام وفي إثارة رهاب الأجانب، فضلاً عن تقديم مجموعة من المقترحات حول ما يمكن إعادة بنائه من وراء التحديات الناتجة عن سياقات الإسلاموفوبيا، وكذلك الفروق المتعلقة بالحاجة الشديدة لوجود رواية إسلامية في الغرب.

مقدمة

في الغالب يُعتقد أن الإسلاموفوبيا الأميركية هي حالة خوف غير منطقية من المسلمين؛ إذ إنها تصفهم بأنهم "الأشرار الجدد"، وقد تسببت صناعة الترفيه، وما يسمى بوسائل الإعلام المحافظة، في إنتاج طبقات عديدة من التحيز والتعصب، فضلاً عن الصور النمطية للمسلمين التي تُظهرهم "مخيفين" و"لا يمكن الثقة فيهم".

يقول غابرييل آرانا، وهو أحد المحررين البارزين في هافينغتون بوست: "بعض التغطيات السيئة كانت نتاجاً للجهل والتحيز المتعمد، فمن الصعب تخيل أن كل هذا الكم من المعلومات سيقود جمهور شون هانيتي وبيل أورايلي (وهما المذيعان الأعلى مشاهدة على فوكس نيوز) في العالم لأن يتوقفوا عن نشر الكراهية".

منذ عشرين عاماً، قرر روبرت مردوخ، الأميركي المولود في أستراليا وأحد أقطاب الإعلام في الولايات المتحدة، إنشاء قناة "فوكس نيوز" باعتبارها المعقل الأيديولوجي للأسس المحافظة. وأخذ نمط "صحافة التحيز " في التزايد كقاعدة أساسية ترتكز عليها الشبكة الجديدة في معركتها ضد الليبراليين؛ بهدف ترسيخ سلطة سياسات اليمين والانتقام من سنوات كلينتون (1993-2001).

يُعرّف الصحفي الراحل ويليام سافير، وهو أحد كتاب العمود السابقين بصحيفة نيويورك تايمز "صحافة التحيز" أو spin journalism بأنها "تفسير الأحداث أو وصفها بطريقة انتقائية تخدم بوضوح المصالح الحزبية.

وبعد ثماني سنوات، أسهمت الشبكة كثيراً في إعادة انتخاب جورج بوش في الانتخابات الرئاسية عام 2004، وعلى مدار السنوات التالية، نجحت في أن ترسخ وصفها بـ"قناة الإسلاموفوبيا" في أميركا.

ظهرت فوكس نيوز وسط الجدال الدائر حول مكانة الولايات المتحدة، باعتبارها القوة العظمى الوحيدة في العالم في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة.

يمكن تتبع مسار النُّذر السردية والثقافية المعادية للإسلام التي انتهجتها فوكس نيوز، عن طريق منشورين محددين لصامويل هنتنغتون، وهما: كتاب "صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي"، 1996، الذي نشر بعد 3 سنوات من مقال صراع الحضارات - مجلة فورين أفيرز، 1993.

افترض هنتنغتون اقتراب حدوث "صراع حضارات" خلال القرن الجديد، كما أشار إلى "الحدود الدموية" بين الحضارات الإسلامية والحضارات غير الإسلامية. وفي نهاية مقاله، كتب: "ليس هذا دفاعاً عن الرغبة في الصراع بين الحضارات، بل إنه استعراض لفرضية وصفية لما قد يكون عليه المستقبل"، ويبدو ذلك تلميحاً صريحاً يوحي بتراكمية معركة الإسلاموفوبيا!

أما فيما يتعلق بدوافع فوكس نيوز وترامب لتبني الهسبانوفوبيا والاتجاهات الأخرى من رهاب الأجانب، فقد استغلوا كتاباً آخر كتبه هنتنغتون عام 2004 بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول بقليل، تحت عنوان "من نكون؟ التحديات التي تواجه الأمن القومي الأميركي". حاول هنتنغتون في كتابه تأييد تكثيف سياسات الأمن القومي، وتبني نبرة الثنائيات اللفظية التي تقول "نحن/هم" والتي تفصل بين الأغلبية البيضاء من جانب والأعراق المتنامية والأقليات الدينية داخل الولايات المتحدة من جانب آخر.

قبل ذلك بسنوات قليلة، كان تصور أميركا للشرق الأوسط - بمسلميه ومسيحييه- يُرى من خلال عدسات استشراقية؛ ففي مقال مفصل نُشر عام 1980، كتب المنّظر الراحل إدوارد سعيد: "لن نكون مبالغين للغاية إذا قلنا إن المسلمين والعرب يُنظر إليهم في الأساس على أنهم إما موردون للنفط أو إرهابيون محتملون.
لم يدخل سوى القليل من التفاصيل عن الكثافة البشرية واهتمامات حياة العرب المسلمين حيز اهتمامات الغرب، بمن فيهم أولئك الذين تخصصوا في كتابة التقارير عن العالم العربي أو نقل ما يدور هناك، وبدلاً من ذلك، لدينا سلسلة من صور كاريكاتيرية فجة ومختزلة عن العالم الإسلامي تُعرض بطريقة تجعل ذلك العالم عرضة للتدخل العسكري، ولا أعتقد أن ذلك التصور حدث مصادفة".

على مدار السنوات الـ36 الماضية، يمكنني أن أصف صورة العربي المسلم عند الغرب بأنها صورة مرجعية فسَّرتها وسائل الإعلام وهوليوود، بعد استبدال "العدو الأخضر" الإيراني الإسلامي بـ"العدو الأحمر" السوفييتي، وسط مواجهة حاسمة بين أميركا في عهد دونالد ريجان وإيران في عهد الخميني.

بيد أن تلك النظرة تغيرت في العهد الذي أعقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ إذ إن تلك الصورة تحولت إلى صورة المنفعة، مثلما شاهدنا حتى الآن في السياق الشعبي خلال انتخابات العام الحالي. ومن ثم، ذهبت دلالات الإسلاموفوبيا إلى آفاق أكثر ظلمة في السياقات الإعلامية المحافظة، التي يتزايد فيها الاتجاه إلى تعريف الهوية المسلمة واهتمامات المسلمين بأنها "جدلية معارضة تجعل المسلمين والإسلام في مكان ضد باقي العالم".

لاحظ بعض المحللين أنه "عندما يظهر الدين الإسلامي في الإعلام، يكون التصور ذا نظرة أحادية لا يركز سوى على أفعال ومعتقدات المتطرفين. في الوقت نفسه لا تذكر وسائل الترفيه حقائق خاطئة من الناحية الفنية، لكنها تنتج مباشرة صورة غير صحيحة عن معتنقي ثاني أكبر ديانة على مستوى العالم، وتُظهرهم بأنهم عنيفون وبغيضون ويشكلون تهديداً".

وعلى نفس المنوال، يؤكد إدوارد سعيد نقطة تقول "يعتمد كل من التعريفين الإعلاميين "للإسلام" على الآخر؛ لذا، يجب رفض كليهما، لتسببهما في استدامة المأزق المزدوج".

على سبيل المثال، قال مذيع برنامج "فوكس والأصدقاء" الذي يعرض على قناة فوكس نيوز: "ليس كل المسلمين إرهابيين، لكن كل الإرهابيين مسلمون"، كما لمَّح بيل أورايلي إلى أن جميع المسلمين مسؤولون عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر. وتستضيف فوكس نيوز بانتظام ضيوفاً معادين للمسلمين مثل بريجيت غابرييل، وروبرت سبنسر، وباميلا جيللر التي تمتلك مؤسسة صنفها "مركز قانون الحاجة الجنوبي" بأنها "جماعة تدعو إلى الكراهية".

مؤخراً، في أعقاب حادث أورلاندو الذي قتل فيه عمر متين 49 شخصاً في أحد الملاهي الليلية، اتهم جريج جوتفيلد اليسار بأنهم "مهووسون" بسياسات الهوية التي خلقت "لعبة من اللوم" تشير إلى كل شيء ما عدا مرتكب الجريمة والأيديولوجية التي قادته لذلك.

وأضاف قائلاً: "اللهو في إلقاء اللوم الذي أنتجته حالة من تنافس الهويات، تسبب في تعمية البصر عن العدو الذي يمرح ويحدد الآن الأهداف السهلة حسب إرادته. يعد الانحراف إنكاراً لما يحدث؛ إذ إننا لا نستطيع الاعتراف بالمشكلة الكامنة في الإسلام"، كما قدم ذلك الاقتراح الذي ينذر بالخطر عندما قال: "عليكم إرسال كل الأشخاص إلى "مراكز علاج الخوف من الإسلاموفوبيا"؛ لكي تتجاوزوا مخاوفكم من أن توصموا بأنكم تعانون من الإسلاموفوبيا؛ لأنه ليس خوفاً من الإسلام وحسب، بل إنه خوف من هلاكنا".

تناغمت السياقات السياسية لترامب مع سرديات فوكس نيوز داخل صومعة المحافظة اليمينية من خلال نشر الخوف وعدم التسامح والتحيز.

عندما كان ترامب يجهز لمؤتمر حزبه الجمهوري في ولاية أوهايو خلال يوليو/تموز 2016، بث رسالة تحذيرية قال فيها: "ينبغي علينا أن نخبر الناس بالحقيقة أيضاً عندما يكون الإسلام الأصولي قادماً إلى شواطئنا. مع قدوم هؤلاء الناس (في إشارة إلى المهاجرين)، إنه قادم".

بدا ذلك الإنذار كأنه خبر عاجل أثار شهية النقاد المحافظين على فوكس نيوز؛ لكي يملأوا البث بـ"نظرتهم" الخاصة تجاه المسلمين و"تفسيرهم" للإسلام.

شكَّل ذلك مثالاً جيداً على التعبئة الأيديولوجية للمصوّتين التقليديين المؤيدين للاستبدادية، مثل مؤيدي ترامب، الذين استوعبوا تلك الرسائل وبنوا بها "خوفاً" داخل عقولهم من "آخرين" محددين.

يفسر العالم السياسي ستانلي فيلدمان منهج ترامب بأنه "النمط الكلاسيكي للقائد الاستبدادي: بسيط، وقوي، ومؤيد لفكرة القصاص والعقاب"، وفي الوقت ذاته يضع اللوم في كل مشكلات أميركا على عاتق فئة اجتماعية معينة وحدها.

ويبدو الأمر في غضون ذلك "أنه ليس هناك نهاية لتلك البالوعة الطافحة بالخطاب الممتلئ بالإسلاموفوبيا" الذي يتبناه المرشحون الجمهوريون، وفقاً لما قاله تشارلز بلو في مقال الرأي الذي كتبه بعنوان "معاداة الإسلامية هي معاداة لأميركا"، والذي قال فيه: "إن نبرة التأملات المعادية للإسلام في أعقاب هجمات باريس أصبحت سامة لدرجة تعيقنا عن التنبؤ بأي شيء إيجابي"، ونتيجة لذلك، بدا أن موجة العنف ضد المسلمين بدأت تنحسر منذ بدايات 2016، ولكن مستوياته لا تزال أعلى بـ3 - 5 مرات مما كانت عليه قبل الانتخابات، حسب ما أوضحت مبادرة جامعة بريدج بجامعة جورج تاون، التي تراقب الصلة بين تزايد الخطاب السياسي الملتهب وتصاعد الإسلاموفوبيا في الولايات المتحدة.

كان الرئيس أوباما مدركاً لتنامي القلق بين أوساط الجاليات المسلمة الأميركية؛ إذ صرح قائلاً: "ترددت أصداء ذلك القلق في الخطابات التي تلقيتها من مسلمين أميركيين بأنحاء البلاد. لقد استقبلت خطابات من أشخاص كتبوا أنهم يشعرون وكأنهم مواطنون من الدرجة الثانية".

لا يزال معظم الأميركيين غير مطلعين على الإسلام، وفي المقابل تميل وسائل الإعلام إلى الاستفادة من ذلك عن طريق بث الخوف ونشر السطور التي تحمل تساؤلات غير منصفة في أعقاب الهجمات التي نفذها الإرهابيون، حسب ما يقول ديفيد أوبيرتي، كاتب مقال "الصحافة الأفضل والأسوأ في 2015"، بيد أن ما ينذرنا هنا هو إمكانية صعود الإسلاموفوبيا ليس فقط داخل الكونغرس، بل أيضاً عبر ما يعرف بالولايات "الحمراء" التي تشكل قاعدة تاريخية للمصوتين الجمهوريين وفقاً لما سنرى لاحقاً في هذا التقرير.

وقد حذر أوبيرتي في مقاله قائلاً: "إن القلق من أن مثل تلك التغطية الرجعية سيؤثر على صناع السياسة؛ ليتخذوا تدابيراً قاسية تحت ستار المخاوف الشعبية، وإن كان ترشح ترامب يحمل أي إشارة، فإن ذلك التهديد يبدو حقيقياً للغاية".

قبل أن نستكشف كيف فُسرت الصورة الجديدة للانتفاع من المسلمين "السيئين"، لنركز أولاً على تطور الإسلاموفوبيا، باعتباره مصطلحاً، وما ينبغي أن يستحضره ذلك المصطلح في دراسة الإسلام والمجتمعات الإسلامية في الغرب.

تصور مفاهيم الإسلاموفوبيا

اعتنقت الأوساط الأكاديمية والإعلامية مصطلح "الإسلاموفوبيا" الذي سُلط عليه الضوء في تقرير صدر عن مؤسسة "رونيميد تراست" الفكرية عام 1991، والذي كتبه عدد من النشطاء المسلمين البريطانيين في السياق الذي ركزت عليه المملكة المتحدة على وجه الخصوص، وأوروبا عموماً، ضمن إطار عمل أوسع متعلق بـ"رهاب الأجانب".

عرّف التقرير الإسلاموفوبيا بأنها "حالة من العداء تجاه المسلمين لا أساس لها، ولذا تقود إلى حالة من البغضاء والخوف تجاه كل المسلمين أو معظمهم".

على الرغم من ذلك، يعود المصطلح في الأساس لعام 1923، عندما كان يعني "تزايد الكراهية أو الخوف نحو الإسلام، لا سيما باعتباره قوة سياسية، والعداء والتعصب ضد المسلمين"، وفقاً لقاموس أوكسفورد الإنكليزي.

لا يزال التقرير يشرح التداعيات السياسية، والاجتماعية - الاقتصادية، وأيضاً الاجتماعية - النفسية للإسلاموفوبيا الذي يعاني منه قطاع كبير من التركيبة السكانية بأميركا وأوروبا حسب ما يعرض هذا الشكل التوضيحي.

16

عُرضت أحد أكثر المفاهيم دقة عن الإسلاموفوبيا مؤخراً في دراسة أوكل مجلس العلاقات الإسلامية - الأميركية مهمة إتمامها لمركز بيركلي لبحوث العرق والنوع الجنسي. وقد عرّفت تلك الدراسة الإسلاموفوبيا بأنها "خوف مبتدع أو تعصب مثار بسبب هيكل السلطة العالمية الاستشراقي المرتكز على السيادة الأوروبية. يقود تلك الحالة التهديد الحقيقي أو المتخيل من المسلمين عن طريق الإبقاء على الفوارق القائمة وتمديدها، والتي ترتبط بالعلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، في ظل البحث عن أساس منطقي للحاجة لنشر العنف باعتباره وسيلة لإنجاز "إعادة التأهيل الحضاري" للمجتمعات المستهدفة (المسلمة أو غيرها).

تعيد الإسلاموفوبيا تقديم الهيكلية العنصرية العالمية وتعيد التأكيد عليها؛ إذ يتم من خلالها الإبقاء على فوارق توزيع الموارد وتمديدها".

سأناقش لاحقاً في هذا التقرير ما الذي يجري خلال عملية "البحث عن أساس منطقي" للحاجة إلى نشر العنف -اللفظي والجسدي والهيكلي- ضد المسلمين.

"المنطق" غير المنطقي للبنائية

اللاعقلانية المتنازع عليها للإسلاموفوبيا التي تستهدف قطاعاً عريضاً من المجتمع المسلم، بمن في ذلك 6 - 8 ملايين مسلم أميركي، تبدو وكأنها تجمع صورها النمطية غير الموضوعية ووصماتها الخاصة بغض النظر عن أي معرفة موضوعية بالإسلام؛ إذ إنها ارتبطت بالعنف السياسي، والخوف، وتزايد النموذج الأمني، وحالة الخوف من الأجانب التي لا تقبل الجدال، المنتشرة بالولايات المتحدة.

وعلى الرغم من ذلك، لا تؤيد إحصاءات العنف توسع سلوكيات الإسلاموفوبيا؛ ففي الفترة بين سبتمبر/أيلول 2011 ويونيو/حزيران 2015، بلغ عدد القتلى على يد العنصريين البيض ومعارضي الحكومة المتعصبين، والمتطرفين الآخرين غير المسلمين حوالي ضعف عدد القتلى الذين تسبب في موتهم الإسلام الراديكالي؛ إذ إن 48 قتيلاً قُتلوا على يد المتطرفين غير المسلمين و26 قتيلاً قُتلوا على يد من يدعون أنهم جهاديون، حسب الإحصاء الذي أعده مركز "نيو أميركا" البحثي في واشنطن.

وقال جون هورجان، الذي يدرس الإرهاب في جامعة ماساتشوستس، إن عدم التطابق بين المفاهيم العامة والقضايا الحقيقية صار واضحاً بصورة أكثر اطراداً بالنسبة للعلماء. وأضاف قائلاً: "في الوقت الحالي، ثمة حالة من القبول لفكرة أن التهديد الذي يشكله الجهاديون في الولايات المتحدة تعرض للتضخيم، وأن ثمة اعتقاداً بأن التهديد من الجناح اليميني والعنف المناوئ للحكومة تعرض للتقليل من قدره".

يشير الرسم الإيضاحي الثاني إلى أن حوادث العنف المرتبطة بامتلاك السلاح تسببت في مقتل 316545 شخصاً، وفي المقابل قُتل 313 شخصاً بسبب هجمات العنف التي تُصنف تحت بند الإرهاب، والتي ارتكبها مسلمون وغير مسلمين في الفترة بين 2004 و2013.

15

ما يدعو إلى السخرية أن الجمعية الوطنية للبنادق طالما كانت قوية بما يكفي في وسائل الإعلام والكونغرس الأميركي، فيما يتعلق بلوم وكبح جماح ارتكاب جرائم القتل بسبب امتلاك الأسلحة والبنادق الأوتوماتيكية الآلية.

أظهرت البيانات التجريبية الأخرى حقائق مذهلة أخرى؛ إذ طُلب من 382 قسماً ومأمورية شرطية على مستوى البلاد، أن يقدموا تصنيفاً لأكبر ثلاثة تهديدات من العنف الناتج عن التطرف بدوائر اختصاصهم، أدرج 74% منهم العنف المناوئ للحكومة، بينما وضع 39% فقط العنف "المرتبط بالقاعدة"، وذلك حسب ما نقل الباحث تشارلز كورزمان من جامعة نورث كارولينا، والباحث ديفيد شانزر من جامعة ديوك.

لا يزال المحللون يتناقشون حول أن ذلك النوع من شيطنة المسلمين الأميركيين لا يشكل فقط "مشكلة متعلقة ببعض الساسة الأميركيين مثل كروز وترامب، بل أيضاً يشكل مشكلة للسياسة الأميركية، مما يعني أن تلك الحالة ستبقى معنا حتى بعد انتهاء الانتخابات".

يبدو ذلك سبباً آخر لكي لا نضيع الجهد والوقت في معارضة الإسلاموفوبيا من خلال منظور معياري متعلق بالقيم، بدلاً من ذلك، أتبنى نظرة بنائية لدراسة الإسلاموفوبيا، كما أنني أقول إنها إحدى النظريات السياسية الذاتية النابعة من الآراء التي نسجها كثير من الأميركيين المحافظين داخل عقولهم عما يعتقدونه عن المسلمين، في مقابل مَن هم المسلمون في الحقيقة.

ومثلما قال الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس من قبل، عن أن وسائل الإعلام "استعمرت العالم"، ومثلما أوضحت في مقال سابق "لقد صرنا مشكّلين بوسائل الإعلام بشكل كامل من خلال امتصاص وهضم وتأسيس آرائنا ومواقفنا عن طريق البث الإعلامي الدائر 24 ساعة في اليوم على مدار الأسبوع. بدلاً من ذلك، ينبغي أن تُفهم وسائل الإعلام على أنها "نظام ثقافي واجتماعي حاضر دوماً لإنتاج وبث وتداول ونشر الرموز والإشارات والرسائل والقيم والمعاني"، في ظل حالة المد القوية من تشكل الآراء عن طريق وسائل الإعلام، والحتمية التكنولوجية، والأطر الإعلامية وميولهم السياسية والثقافية الدقيقة التي تستهدف اختراقاً أعمق لوعينا واستيعابنا أكثر من قدرتنا على القياس، سواء من الناحية الكمية أو المنطقية".

يميل الأفراد لأن يكونوا انتقائيين فيما يتعلق بشبكات معينة أو صحف معينة ما داموا يساعدونهم في تقوية أفكارهم وأحكامهم، وفي النهاية ترسيخ مواقفهم وسط الآراء العالمية.

وقال خبير علم النفس السريري دونالد كلين (1923-2007) في مناسبة سابقة: "لقد أدركت أن عالم الأفكار يحتوي على جوهر تصوراتنا الخاصة، فالمعتقدات والأفكار مرتبطة بمن نكون ومن نريد أن نكون. إننا متشبثون بهذا العالم؛ لأنه يعرفنا من الناحية الفردية ومن الناحية الجمعية... إذ إن الأشخاص -من الناحية الفردية أو الجمعية- تقودهم أفكارهم"، كما أوضح كلين قائلاً: "الحقيقة الوحيدة التي يمكننا أن نعرفها تكمن في الأفكار الموجودة في عقولنا... وفي الواقع، إننا نتورط باستمرار في خلق الواقع الذي يمكننا أن نؤدي خلاله وظيفتنا".

أنا أتصور أن الإسلاموفوبيا باعتبارها بناء سلبياً حفزتها تعددية عمليات الاستيعاب والحقائق، ولا يمكن أن تنفصل عن تفاعلات الأفراد واستهلاك المحتوى الإعلامي.

نقلت إحدى الدراسات الحديثة التي حللت مشاعر مشاهدي فوكس نيوز المعادين للإسلام، أن 60% من الجمهوريين الذين يثقون بشدة في فوكس نيوز يعتقدون أيضاً أن المسلمين كانوا يحاولون "تحكيم" الشريعة في الولايات المتحدة، وهؤلاء الذين يثقون في فوكس نيوز للغاية يميلون إلى الاعتقاد بأن القيم الإسلامية "غير متوافقة" مع القيم الأميركية (شكلوا نسبة 68%)، إلا أن النسبة كانت أقل بالنسبة لمن يثقون للغاية في سي إن إن (التي شكلت 37%)، أو في وسائل الإعلام التلفزيونية والصحفية العامة (التي شكلت 37% أيضاً).

تعرض إحدى المواجهات الاجتماعية التي تعرضت لها جوليا آيوف، الكاتبة بمجلة نيويورك تايمز، ذلك الميل نحو التمثيل البنائي للمسلمين في أميركا. كانت جوليا في إحدى حفلات العشاء عندما توجهت لورا إنغراهام، وهي معلقة سياسية ومذيعة بأحد برامج الراديو المحافظة، إلى الضيوف الآخرين ونفذت استطلاع رأي قالت فيه: "ارفع يدك إن كنت تعتقد أن الإسلام هو عبادة موت"، حينها رفع معظم الضيوف (وهم من السياسيين المحافظين) أيديهم، ثم تكبدت (إنغراهام) عناءً لكي تشرح لي كيف أن المسيحية، على عكس الإسلام، في الأصل دين محبة، ومع كامل احترامي لكثير من أصدقائي المسيحيين، فإنني أختلف بشدة مع ذلك".

عندما كتب الروائي مارك توين سيرته الذاتية، ذكر فكرة مثيرة تصلح لحصر الواقع الذي يتعامل مؤيدو ترامب على أساسه، يقول توين: "الحياة لا تتكون في الأساس -أو حتى إلى حد كبير- من الحقائق والأحداث؛ بل إنها تتكون من تدافع الأفكار التي تعصف بعقل المرء".

فيما يرى خبير علم الاجتماع الثقافي أميركي الجنسية جيفري أليكساندر أن الميول الجديدة في الحملات الانتخابية ما هي إلا أداء مسرحي سياسي، ويركز أليكساندر على الارتباطات الثقافية الكامنة التي يمكنها أن تساعد في شرح شعبية ترامب وسط مؤيديه. ويشير أليكساندر إلى أن "المعاني الاجتماعية لديها منطقها الداخلي الخاص.. عندما يتحدث الممثلون السياسيون أو يؤدون أدوارهم، فإنهم يستدعون المعاني والأوزان الرمزية، إنهم يرون أنفسهم باعتبارهم نماذج مثالية للتكلم والأداء التمثيلي الذي توفره الثقافة، وهم يرغبون في إقناع الجمهور لأن يراهم بنفس الطريقة".

وكانت نفس النظرة البنائية التي تصور المسلمين والعرب مسيطرة على المشهد خلال تصاعد موجة النفط العربي باعتباره سلعة عالمية خلال ستينات القرن الماضي، وتزايد التأثير الاستراتيجي للمنطقة، وهو ما يدعو للسخرية.

يرى إدوارد سعيد أن استبدال الهيمنة الأميركية الجديدة بالحضور التجريبي الفرنسي والبريطاني في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وذلك في أعقاب الحرب العالمية الثانية، نتج عنه تحولان:
يكمن التحول الأول في ازدهار اهتمام الخبراء والأكاديميين بالإسلام، والثاني في الثورة الاستثنائية في التقنيات المتاحة للقطاع الخاص الكبير للصحافة وصناعات الصحافة الإلكترونية.

ومن خلال هاتين الظاهرتين -اللتين أتاحتا لعدد كبير من الخبراء الحكوميين والجامعيين وخبراء الأعمال، دراسة الإسلام والشرق الأوسط، كما أتاحت كلتاهما أن يكون الإسلام موضوعاً مألوفاً لجميع المستفيدين من الأخبار في الغرب- رُوض العالم الإسلامي بالكامل تقريباً.

لا يتوقف الأمر على أن هذا العالم أصبح أكثر الموضوعات، التي تشبّع بها الغرب على مر التاريخ، عمقاً من الناحية الثقافية والاقتصادية -وليس ثمة عالم غير غربي سيطرت عليه الولايات المتحدة مثلما تسيطر على العالم العربي الإسلامي الآن- وذلك من خلال التبادل بين الغرب والإسلام، وفي تلك الحالة تكون الولايات المتحدة متحيزة بشدة.

في الجزء الثاني من التقرير، سأتناول ما الذي برز في هذا العصر من سياسات الإسلاموفوبيا مع عامل وجود "ترامب" في المشهد، والهندسة المتعمدة للهويات الاجتماعية الفرعية مع مواصلة اعتبار المسلمين في الخارج وكذلك مسلمو أميركا، مجموعة أخرى مختلفة.

كما سأذكر مجموعة من المقترحات عن كيفية مواجهة التحديات المرتبطة بسياسات الإسلاموفوبيا.

هذا الموضوع مترجم عن منتدى الشرق؛ للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.