المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د.محمد شرقاوي Headshot

الإسلاموفوبيا (٢): ماذا وراء إقصاء المسلمين في أميركا

تم النشر: تم التحديث:

التلخيص:

يبدو أن هناك ارتباطاً قوياً بين تجدد حركة المحافظين وتأثير فوكس نيوز والشعور العدائي تجاه المسلمين ونجاح ترامب في تأمين ترشحه في الانتخابات الرئاسية 2016 عن الحزب الجمهوري.

إن صعوده السريع مجسداً الإسلاموفوبيا، وكراهية الأجانب والنساء، والقومية والانعزالية يثير السؤال التالي: كيف بالإمكان التصدي لخطابه المعادي للإسلام وقلبه رأساً على عقب؟

المقدمة:

تحت تأثير أيديولوجية حركة المحافظين، وعامل فوكس نيوز والتلاعب بالخطاب العام الذي يستخدمه المرشح الجمهوري دونالد ترامب، يبدو أن تأكيد الإعلام على الربط المزعوم بين الإرهاب والمسلمين قد أدى إلى تطرف الخطاب السياسي في الولايات المتحدة في عام 2016.

وللمفارقة، فإن موقف ترامب في أقصى اليمين يوازي الخطاب الراديكالي لمعظم الحركات الإسلامية المسلحة في الشرق الأوسط.

يحلل هذا الجزء الثاني من التقرير صعود "النزعة الترامبية" كمحرّض على السياسة المعادية للمسلمين، وكيف تلاعب ترامب بسياسات الهوية ضد المسلمين أكثر مما فعل السيناتور جوزيف مكارثي بتشويهه السوفييت في خمسينات القرن الماضي، ويناقش كذلك كيفية تحول الإسلاموفوبيا إلى معضلة التفكير الجمعي للمحافظين الأميركيين بمباركة بعض الزعماء الدينيين، وأقدم أيضاً عدداً من الأطروحات حول ما يمكن بناؤه خارج تحديات الخطاب المتّسم برهاب الإسلام، إضافةً إلى الفروق الدقيقة في السردية الإسلامية التي تشتد الحاجة إلى وجودها في الغرب، وهذه الحاجة إلى خطاب رئيسي آخر عن الإسلام، والتي أشير إليها، يجب أن تُبنى على نهج معاصر، لا يتسم بالدفاع أو التبرير.

عصر سياسات الإسلاموفوبيا

وقعت إحدى الحلقات المبكرة واسعة النطاق لسياسات الإسلاموفوبيا في سبتمبر/أيلول 2015، حين قال المرشح الجمهوري للرئاسة آنذاك بن كارسون لمذيع Meet The Press على قناة NBC إنه لن "يدعو إلى تولي مسلم رئاسة هذا الشعب"، رداً على سؤاله حول إذا ما كان الإسلام متوافقاً مع الدستور.

هذا الخوف النفسي الكامن من المسلمين يمكن تتبعه حتى عدة مراحل مختلفة على مدار التاريخ الأميركي، منذ 1790 حتى 1952، مثلت البشرة البيضاء شرطاً قانونياً لحصول المجنسين على الجنسية الأميركية، كما عُدَّ الإسلام غير متماشٍ مع البشرة البيضاء. إحدى القضايا الكاشفة لهذا الوضع هي ما وقع في 1914 حين رفضت محكمة أميركية إعطاء الجنسية الأميركية لمهاجر مسيحي لبناني؛ لأنها ربطت بين "بشرته البنية الداكنة" وبين "المحمدية"، في إشارة إلى الدين الإسلامي.

وفي قضية أخرى عُرضَت أمام المحاكم في 1942، منع قاضٍ مهاجراً يمنياً مسلماً من الحصول على الجنسية بسبب صِلاته بالعرب؛ إذ إنه -بحسب ما أفادت المحكمة- "ليس من المتوقع أنهم كطبقة ستتزاوج بسهولة مع شعبنا أو تُستَوعب في حضارتنا"، في هذه القضية، خلطت المحكمة بين الهوية "العربية" و"الإسلامية". واعتقدت المحاكم أيضاً أن هذه الهوية "لا تتوافق مع الدستور"، وهو ما ذكرته في أحكامها العامة.

كما لاحظ بعض المراقبين أن الإسلام جرت مساواته مع "شعور بالرومانسية المأساوية، وفقدان العظمة وتهاوي الماضي والانحطاط والفساد والتخلف والعنف والتعصب والجبرية والاستبداد. واليوم، تزداد تلك السلسلة ثقلاً بإضافة المزيد من المرادفات أبرزها "الإرهاب" والقتال المسلح".

في العقدين الماضيين، تزايد تطور الخطاب المعادي للمسلمين في أميركا في عدة تقاطعات بين حوادث العنف وتأثير التغطية الصحفية منذ إنشاء فوكس نيوز في 1996.

من داخل هذه الساحة الإعلامية، استمد ترامب طاقة أيديولوجيته، المبنية على الخوف وإقصاء المسلمين وغيرهم من الأقليات والحط من شأنهم، من الموجة المتزايدة للتيار الأميركي المحافظ الساعي لاستعادة الاستثنائية الأميركية.

يعد الكثير من الأميركيين الاستثنائية الأميركية صفة خاصة للولايات المتحدة، والتي خرجت من الثورة مجتمعاً جيداً، مجتمعاً فريداً يمتاز بالحرية المبنية على 5 أفكار، هي: الحرية والمساواة والفردية والشعبوية واقتصاد عدم التدخل.

قال المؤرخ الأميركي هاورد زن (1922 - 2010) إن الرئيس جورج دبليو بوش دفع فكرة الاستثنائية الأميركية حتى أقصى مدى لها عن طريق الدفع بها في استراتيجيته للأمن القومي الخاصة بمبادئ الحرب أحادية الجانب.

أججت سردية "محور الشر" التي سيطرت على السياسة الخارجية لإدارة جورج بوش، في رد فعل ساذج على هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، من الخوف والشك، ووفرت كذلك أساساً لوسم الإسلام بـ"الشر"، وهو ما مهد الطريق -للمفارقة- لوضع أميركا في إطار "الإمبريالية الشريرة" في رأي الشرق الأوسط الذي تتزايد فيه نظريات المؤامرة انتشاراً.

في وقت لاحق، استفاد الخطاب الأميركي العام من التراجع الثقافي الذي عززته بعض من الشبكات التليفزيونية مثل فوكس نيوز وسي بي إن 700 وOAN مؤخراً. وهو العداء المشيد ضد المسلمين الذي أشار إليه أوباما منذ قال: "يجب على برامجنا التليفزيونية أن تضم بعضاً من الشخصيات المسلمة غير المرتبطة بالأمن القومي، وليس فعل هذا صعباً".

تحت مظلة الوطن ما بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، استمر تجاهل الفوارق الواضحة بين "الأصوليين الإسلاميين"، و"الراديكاليين الإسلاميين" و"الإسلام السياسي" و"التيار السائد من المسلمين"، ووضع العديد من الأميركيين والغربيين التهديد الأمني الذي مثله الإسلام في إطار "الفاشية". في خطابه الذي ألقاه في 4 يونيو/حزيران عام 2009 في القاهرة، قال الرئيس أوباما إن "التغيير الكاسح الذي جلبته الحداثة والعولمة قاد العديد من المسلمين لرؤية الغرب باعتباره معادياً لتقاليد الإسلام.. أدت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، وجهود المتطرفين المستمرة لإشعال العنف ضد المدنيين، بالكثير من الناس في بلادي لرؤية الإسلام بشكل مُعادٍ لا لأميركا والدول الغربية فقط، بل لحقوق الإنسان. وهو ما أفضى إلى المزيد من الخوف وعدم الثقة".

في المراحل الأولى للحملات الانتخابية الرئاسية في 2015، قرر دونالد ترامب ومنافسه الجمهوري السابق تيد كروز الانتفاع من تحول الخطاب في هذا الموسم السياسي غير التقليدي، باعتباره استراتيجية واعدة لاسترضاء الطبقة الوسطى الجمهورية من البيض البروتستانتيين (WASP)، إضافة إلى الجماعات الإنجيلية شديدة المحافظة، ويبدو أيضاً أن تكرار ظهور ترامب على فوكس نيوز هو ارتباط مذهل بين ظاهرة الترامبية وبين حاجة فوكس نيوز إلى تجسيد السلطة وسياسات الهوية وانعدام اللباقة السياسية.


حين سُئل ترامب عن الهدف وراء إنشاء قاعدة بيانات محتملة للمسلمين وحمل المسلمين لبطاقات هوية خاصة في الولايات المتحدة، أجاب قائلاً: "بالتأكيد سأقوم بتفعيل هذا. بالتأكيد..."، وصرح كذلك في نفس المقطع المصور لشبكة NBC الإخبارية بدعمه لأن يكون هذا مفروضاً بقوة القانون. كما تعهَّد بـ"إغلاق" المساجد التي يعدها تتسم "بالتطرف" إن انتُخِب رئيساً.

وقبل ظهوره في مؤتمر الحزب الجمهوري في أوهايو، تطوع ترامب بصنع وسوم جديدة حين قال إن "الإسلام الراديكالي معادٍ للمرأة وللمثليين وللأميركيين. أرفض السماح لأميركا بأن تصبح مكاناً يكون فيه المثليون والمسيحيون واليهود عرضة للاضطهاد والترهيب على أيدي الوعاظ الإسلاميين الراديكاليين الذين يدعون إلى العنف والكراهية".

قبل 6 أشهر، كان قد أملى بياناً على المتحدثة باسمه، هوب هيكس، التي نسختها على بطاقة وحفظتها لتكون قطعة تاريخية. وطلباً للتأثير الرمزي، قررت الحملة الانتظار وإعلان السياسة المقترحة في يوم الذكرى 75 لبيرل هاربر، تكريماً للضحايا البالغ عددهم 2403 والذين قضوا نحبهم إثر الهجوم الياباني المفاجئ على بيرل هاربر في 1941.

يقول البيان: "يدعو دونالد ترامب إلى حظر دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة حظراً كاملاً، إلى أن يعرف ممثلو بلادنا ما الذي يجري"، وأضاف لاحقاً "من الواضح للجميع أن الكراهية عصية على الفهم".

عبّر بعض المفكرين عن قلقهم بما أنَّ "السبب الرئيسي وراء شيطنة ساسة مثل ترامب وكروز للمسلمين هو أكبر من مجرد عنصرية". عَدّ الكثيرون خطاب ترامب المعادي للمسلمين "غير أميركي"، وتراجعاً عن الفلسفة السياسية لحزب لينكولن، الذي كان رائداً في الدفاع عن الحرية والمساواة بين جميع الأميركيين عبر إعلان تحرير العبيد في 1863.

شكك أوباما في دعوة ترامب "لجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" كتعبير عن الاستثنائية الأميركية. وقال ذات مرة: "إن هذه البلاد تأسست على الحريات الأساسية، ومن ضمنها حرية العقيدة. نحن لا نُجري اختبارات دينية هنا. وهو ما يتضح في ما قام به مؤسسونا ودستورنا ووثيقة الحقوق الخاصة بنا. وإذا تخلينا عن تلك القيم في أي وقت، فلن يُفضي ذلك إلى تسهيل اتجاه المزيد من الأشخاص هنا وحول العالم إلى التطرف فقط، بل سيكون خيانةً للأشياء التي نحاول حمايتها ذاتها".

ثنائية نحن والآخر: إقصاء المسلمين

كان ترامب هو أكثر المرشحين للرئاسة على مر التاريخ الذين عملوا على تشييد الإسلام باعتباره "الآخر"، متفوقاً حتى على السيناتور جوزيف مكارثي (1908 - 1957) وما فعله من صناعة تصور "العدو الأحمر" في أوج الحرب الباردة مع السوفييت. تلاعب ترامب بسياسات الهوية ضد ما يزيد على مليار مسلم من ضمنهم 6 - 7 ملايين من المسلمين الأميركيين.

كما تناول ترامب مطولاً فكرة احتمالية انتماء أوباما "السري" إلى الإسلام، وأنه لم يولد مواطناً أميركياً، وكما أشار عالم الاجتماع الأميركي روان وولف، فإن "التأكيد المتكرر على الاسم الأوسط لأوباما -حسين- استهدف إثارة الخوف (أو تقديم دليل في آونة أخرى) من أصوله وروابطه المسلمة. كانت كل هذه الدعوات دعوات سافرة لرهاب الإسلام".

كما يمثل ترامب أيضاً التفرد الثقافي للاستثنائية الأميركية. في 21 يونيو/حزيران 2016، قرأ بيانه على متن حاملة الطائرات الأميركية يورك تاون في ماونت بليزنت، أمام حشد ممتلئ بالعسكريين.

"إذا أردنا حماية جودة الحياة لكل الأميركيين من النساء والأطفال، المثليين والمستقيمين، اليهود والمسيحيين، فنحن بحاجة إلى قول الحقيقة بشأن الإسلام الراديكالي وعلينا فعل ذلك الآن"، جُنَّ الحشد، ومع اتجاه ترامب لسيارته تلك الليلة في نهاية الحشد الانتخابي، قال لموظفيه: "حسناً، هذا هو استطلاعكم للرأي، هذا هو شعور الناس حول هذا الأمر".

وبتأمل الوضع، يبدو أن ادعاء ترامب ألفة النبض العام يستند إلى الصورة التي صنعها الخطاب الإعلامي للمسلمين عبر عدسة الاستشراق، والتي مثلت المرجعية قبل أن تُستخدَم عدسة التطرف العنيف لتصنع الصورة الجديدة التي يمكن استخدامها، جاء الحط من قدر المسلمين نتيجة لتصنيفهم الواضح في فئة "الآخر" عبر الخطاب السياسي الإعلامي، إضافة إلى عدم مناقشة انعدام الموضوعية السياسية وغياب النزاهة والمساءلة في أميركا ما بعد الحداثة التي يقودها الإعلام.

وبينما نفكر في انكماش التسامح الاجتماعي والتعايش في الولايات المتحدة، يتذكر أوباما كيف مر الأميركيون بلحظات شبيهة في التاريخ من قبل "حين تحركنا بدافع الخوف، ندمنا على ذلك، رأينا كيف أساءت حكومتنا معاملة المواطنين، كان هذا جزءاً مخزياً من تاريخنا".

حذر مارتن لوثر كينغ في خطاب أميركا الأخرى الذي ألقاه في 1967 من أن "العنصرية شر؛ إذ إن منطقها النهائي هو الإبادة الجماعية.. إذا قال أحدهم بأنني لست جيداً بما يكفي لأسكن بجواره. إذا قال أحدهم بأنني لست جيداً بما يكفي لتناول الغداء على طاولة المطعم أو للحصول على وظيفة جيدة أو للذهاب إلى الجامعة مثله فقط بسبب عِرقي، فإنه يقول بشكل واعٍ أو لا واعٍ إنني لا أمتلك الحق في الوجود".

ووراء كل الأسس القومية لموقف ترامب المعادي للمسلمين، هناك أيضاً الصبغة الدينية للسياسة في أميركا بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. على سبيل المثال، دعا فرانكلين، نجل المبشر الإنجيلي الشهير بيلي غراهام، إلى منع جميع المسلمين من الهجرة إلى أميركا ومعاملتهم مثل اليابانيين والألمان خلال الحرب العالمية الثانية. كما قال إن المسلمين الذين يأتون إلى أميركا لديهم "قابلية للتطرف" وللمشاركة في القتل "لتكريم دينهم ومحمد"، رداً على مقتل 4 من أفراد البحرية في تشاتانوغا.

كما دعا بعض الزعماء الدينيين المؤثرين الآخرين مثل بات روبرتسون وجيري فالويل، الإسلام بأنه "دين شرير"، وأن النبي محمد "إرهابي"، وأن المسلمين "أسوأ من النازيين". منذ منتصف 2015، تزايدت الإسلاموفوبيا في أميركا بالتوازي مع التغطيات المستمرة للهجمات المتعددة في باريس وبروكسل وكاليفورنيا وفلوريدا وإسطنبول ونيس وغيرها من الأماكن. وقال جابرييل آرانا، كبير المحررين في هافينغتون بوست: "على الرغم من أنه لا مجال وظيفي بعيد عن الإسلاموفوبيا، إلا أن المشكلة تزداد وضوحاً على التليفزيون، حيث يُطلب من المذيعين ملء أوقات البث".

يمكن رؤية تأثير الإسلاموفوبيا التي صنعها الإعلام والنهج الإقصائي المتخذ تجاه المسلمين الأميركيين في الاتجاهات المتزايدة للسياسات المحلية في وسط الغرب الأميركي؛ حيث توجد تجمعات من الولايات الحمراء التي تصوت للحزب الجمهوري.

على سبيل المثال، أعلنت الأعمال التجارية في أركنساس، وفلوريدا وكنتاكي ونيويورك وأوكلاهوما ونيوهامبشير أنها خالية من المسلمين منذ 2014.

في رسالة وقعت عليها 82 منظمة إلى وزير العدل الأميركي في شهر سبتمبر/أيلول من عام 2015، ذُكِر أنَّ "الشركات الأميركية التي تعلن عن "منطقة خالية من المسلمين"، لا تختلف كثيراً عن المناطق التي تُنشر فيها علامات تشير تقول "أصحاب البشرة البيضاء فقط" أو "لا للكلاب، لا لليهود" أو "لا للمكسيكيين" أو "لا يجب أن يقوم الأيرلنديون بتقديم الطلبات"، والتي انتشرت خلال الفترات الماضية المُخزية من تاريخ بلادنا، والتي نأمل أن تكون انتهت".

وعلاوة على ذلك، فإن 630 من مجموع 3813 مُشَرِّعاً جمهورياً للولاية (16.5%)، شاركوا كلياً أو جزئياً في قانون مكافحة الإسلام، ويوضح هذا الرَسْم رؤية عن "مدى انتشار الشعور بالرهبة من الدين الإسلامي (الإسلاموفوبيا)، بين مسؤولي الحزب الجمهوري في ولايات مختلفة"، وذلك طبقاً لدراسة حديثة عن صناعة التعصُّب، نشرها معهد السياسة الاجتماعية والتفاهم.

ويمكن رؤية آثار الاتجاه إلى الكراهية المُتنامية للإسلام بين أطفال المدارس. تشير مها الجندي، الرئيس التنفيذي لمجموعة الشبكات الإسلامية (ING) إلى أنه "حتى عندما لا تدفع الإسلاموفوبيا إلى ممارسة العُنف الصريح -ولكنها تترك بصمتها في بعض الأحيان، عن طريق أفعال أكثر مكراً وتترك أثراً دائماً.

والأشهر ما بين تلك الأفعال هو المضايقات والتنمر الذي يتعرض له معظم الطلاب المسلمين ويتحملونه أثناء سنوات دراستهم المختلفة، ووجدت إحدى الدراسات التي تمت في كاليفورنيا -وهي تعتبر من أكثر المناطق الليبرالية في البلاد- أن 50% من الطلاب المسلمين مروا بتجربة التنمر بطريقة أو بأخرى".

وبشكلٍ عام، تُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة، أن الأميركيين لديهم وجهة نظر مُعارضة للدين الإسلامي (37% لديهم وجهة نظر إيجابية مُوافِقَة مُقابل 61% لديهم وجهة نظر سلبية مُعارِضَة)، ومع ذلك، لم يظهر انعكاس لهذا الشعور ما بين الديمقراطيين؛ إذ تظهر نسبة أكبر بقليل تقول إنها غير مُعارِضة للدين الإسلامي (فوصلت النسب إلى 51% لديهم وجهة نظر إيجابية مُوافِقَة مُقابل 47% لديهم وجهة نظر سلبية مُعارِضَة).

وكما هو مُوَضَّح في الشكل رقم 1، عندما طُلِب تقييم سلسلة من الجماعات الدينية من خلال "ميزان لحرارة المشاعر" والذي يتدرّج من صفر (الأكثر برودة وقسوة) وحتى 100 (الأكثر دفئاً وحماساً)، أعطى الجمهوريون تقييماً متوسطاً وصل إلى 33 -وهو متوسط مُقارنة بتقييمهم للملحدين الذي وصل إلى (34)، ولكنه أقل بكثير مُقارنة بالمجموعات الدينية الأخرى. أما عن الديمقراطيين، فكان متوسط تقييمهم للمسلمين أكثر حيادية؛ إذ وصل إلى 47. ومع ذلك، فإن تقييمات الديمقراطيين للمسلمين تُعَد أقل بكثير من معظم المجموعات الدينية الأخرى، فمن بين المجموعات الدينية الـ8 التي تم تقييمها، لم يحصل على هذا التقييم المُنخفض إلا الملحدون (متوسط التقييم 46) وكذلك المورمون.

وجد استطلاع رأي سابق قام به مركز Pew للأبحاث أن 82% من الجمهوريين "قلقون للغاية" بشأن تصاعد التطرف الإسلامي حول العالم، بينما وصلت نسبة المُستقلين سياسياً إلى 60% وكان نصيب الديمقراطيين هو 51%. وعلى نحو مماثل، فإن ثلثي الجمهوريين (67%) يقولون إن الإسلام هو الأكثر تشجيعاً لأتباعه على العنف، من بين جميع الديانات الأخرى، مُقارنة بـ47% من المستقلين و42% من الديمقراطيين.

الإسلاموفوبيا باعتبارها مُعضلة للفكر الجمعي

بات واضحاً أن الإسلاموفوبيا ترسّخت في الثقافة الأميركية الشعبية، مع تحريف المحافظين لها، ومن الممكن أن نقصر الصور التي تأتي إلى أذهاننا على اثنتين فقط من النظرات النمطية للنماذج المسلمة كما يلي:
أ) الصورة النمطية للرجل المسلم - العربي، الإرهابي.
ب) المرأة المسلمة المُحجبة المقموعة.

فعلى سبيل المثال، تشرح أشلي مور الباحثة بجامعة دنفر أن "غالبية المسلمين يصوَّرون على أنهم عرب، على الرغم من أن 20% فقط من المسلمين حول العالم، يُعَرِّفون أنفسهم بأنهم من العرب، وغالباً ما تُصوَّر المرأة المسلمة على أنها ترتدي الحجاب أو البرقع أو النقاب، مما يجعل أول ما يتبادر إلى الأذهان هو أن الإسلام يستعبد المرأة ويضطهدها".

ويُعد الحوار الذي أجرته مذيعة قناة فوكس نيوز لورين غرين مع عالم الدراسات الدينية رضا أصلان هو مثال آخر للدور الذي يلعبه الإعلام في الترويج لقصص الإسلاموفوبيا، وهو الحوار الذي صُنف لاحقاً كـ"أغبى مقابلة تلفزيونية أجرتها قناة فوكس نيوز على الإطلاق"؛ إذ سألت المذيعة رضا أصلان "ولكنك مسلم، أليس كذلك؟" .

وبدلاً من استعراض مزايا كتابه الجديد بعنوان المتعصِّب: حياة وزمن يسوع الناصري (الصادر عن دار رندوم هاوس للنشر عام 2013)، ظلت لورين غرين تستحضر شكوكها مراراً وتكراراً حول دينه بدلاً من مناقشته حول آرائه الموجودة بالكتاب.

"أنت مسلم، فلماذا ألفت كتاباً عن مؤسس المسيحية؟"، سألته غرين هذا السؤال وهي غير مقتنعة بأنه عالم كفء وحائز على درجة الدكتوراه في علم اجتماع الدين.

أكد رسلان حقيقة أن تصنيف الإنسان على أنه عنيف أو مُسالم يعتمد على "انتمائه السياسي، وعالمه الاجتماعي، والطريقة التي يرى بها مجتمعه"، وعند مواجهته بالرأي القائل إن الإسلام في جوهره حطّ من شأن المرأة، أشار أصلان إلى أن دولاً ذات أغلبية مسلمة انتخبت سيدات ليصبحن رؤساء لدولهن 7 مرات، في حين أن هذا الأمر لم يحدث مطلقاً في الولايات المتحدة، كانت هذه المواجهة المباشرة كاشفة لتوجه مذيعي قناة فوكس نيوز نحو تشويه الإسلام ونشر الخوف من المسلمين، حتى وإن كان هؤلاء المسلمون علماء بارزين في مجالات أكاديمية بعينها.

وبدلاً من تعاطيها مع الأخبار بصفتها أحداثاً تعبر عن الواقع، صّدرت إلينا فوكس نيوز الأخبار على أنها أداة تستخدمها لتشويه صورة المسلمين، بدون تدقيق مسبق أو مراجعة للحقائق، استخدم مذيعو شبكة فوكس نيوز ومراسلوها منهاجاً واحداً فيما يتعلق بارتباط المسلمين بالاعتداءات العنيفة، ذهبت النظرية البنائية السائدة للصورة والفيديو والصوت إلى ما هو أبعد من ذلك بمباركة النقاد والمُحللين داخل منظومة تلفيق القصص الصحفية التي تقع للأحداث على مدار الساعة.

كما هو موضح في الرسم البياني الثاني، فإن العديد من الأميركيين المحافظين قد لجأوا إلى الرواية المعتادة عن الإسلام وهي: "كل ما أحتاج لمعرفته عن الإسلام، عرفته في 11 سبتمبر"، هذا التصور البسيط أحادي الأبعاد يتبع المنطق الاختزالي الذي يساوي بين 19 خاطفاً وأكثر من مليار مسلم حول العالم، وعندما يصل العقل الجمعي لمثل هذا الانحدار، يُجسد ذلك أيضاً مخاطر النظرية البنائية ووضع الأميركيين المسلمين في إطار "الآخر" .

كانت الإسلاموفوبيا بمثابة الصدمة الدائمة المُكرسة من قِبل الخطاب الإعلامي المُحافظ في كل مرة تقع فيها أحداث عنف خلال التغطية على مدار 24 ساعة طيلة الأسبوع والدعاية السياسية.

في ظل البنائية الخاصة بالواقع الأميركي، فإن مفهوم الإسلاموفوبيا تحول بشكل متزايد إلى مخزون ثقافي لحماية الاستثنائية الأميركية، وقد وفر هذا المفهوم التبادلية المطلوبة بين حماية الاستثنائية الأميركية بناءً على تفسيرها المتطرف الذي يدفعه النفوذ الذي تتمتع به الجماعات اليمينية وجمعيات التبشير وغيرها من الائتلافات التي تصب في قاعدة ترامب من ناحية، وفائدة توجيه اللكمات للإسلام في هذا الظرف الحساس بين الغرب المسيحي والشرق المسلم من ناحية أخرى.

خاتمة: ما وراء خطاب الإسلاموفوبيا

كانت الإسلاموفوبيا بمثابة الصدمة الدائمة المُكرسة من قِبل الخطاب الإعلامي المُحافظ في كل مرة تقع فيها أحداث عنف خلال التغطية على مدار 24 ساعة طيلة الأسبوع والدعاية السياسية.

في ظل البنائية الخاصة بالواقع الأميركي، فإن مفهوم الإسلاموفوبيا تحول بشكل متزايد إلى مخزون ثقافي لحماية الاستثنائية الأميركية. وقد وفر هذا المفهوم التبادلية المطلوبة بين حماية الاستثنائية الأميركية بناء على تفسيرها المتطرف الذي يدفعه النفوذ الذي تتمتع به الجماعات اليمينية وجمعيات التبشير وغيرها من الائتلافات التي تصب في قاعدة ترامب من ناحية، وفائدة توجيه اللكمات للإسلام في هذا الظرف الحساس بين الغرب المسيحي والشرق المسلم من ناحية أخرى.

لطالما كان الرئيس أوباما حذراً بشأن المنحدر الزلق نحو تفسير صدام الحضارات الخاص بالحروب الدينية؛ إذ صرح قائلاً: "لا يمكننا حصر علاقتنا بالمجتمع المسلم في أميركا في المسائل الأمنية فقط، لا يمكننا التعامل معهم من خلال تطبيق القانون فحسب، بل يجب علينا بناء الثقة والاحترام المتبادل"، ومع ذلك، فإنني أرى أن السعي نحو أميركا خالية من الإسلاموفوبيا قد يمثل تحدياً كبيراً، وأن الأمر يتطلب أربع خطوات رئيسية:

1- من أجل أفق إعلامي

وكي نتمكن من علاج الإسلاموفوبيا، لا ينبغي أن تظل المسألة عبارة عن خطابات احتجاجية ضد الإسلام أو سرد تبريري للدفاع عنه، بل يجب أن ينصب التركيز بشكل أكبر على تحليل الإطار العام الذي يتعايش فيه الأميركيون مع الصور التي تبثها وسائل الإعلام لمختلف مناطق العالم وتستخدمها في بناء بعض المفاهيم حول مختلف القضايا السياسية والاجتماعية.

إن العدسة التي يتلقى من خلالها المواطن الأميركي هذه الصور ليست محايدة، وإنما تعبر عن وجهة نظر وسطوة النخب السياسية والاجتماعية التي تديرها وتستخدمها لمصلحتها.

تقدم عملية إعادة تشكيل رأي الأفراد والمجتمعات من خلال الإعلام لائحة بالأدوات التي يمكن من خلالها إحداث أقصى قدر من التأثير على سمع المشاهد وبصره ومخيلته، ويصل الأمر إلى طرق التفكير وصياغة وجهات نظر جديدة حول الأشياء، ولذلك، فإن هذه النظرية -بوصفها نظرية عامة- لا تركز على السياسة فقط، بل اشتملت على العديد من التغيرات لتواكب المجتمعات الحديثة كالمجتمع الأميركي.
أصبحت وسائل الإعلام هي المحور الرئيسي لجميع المؤسسات النافذة.


لذا فإن على المسلمين والحكومات العربية والمؤسسات والأفراد العمل على إعداد طرق للتعامل مع المجال الأميركي العام، والإصرار الإعلامي على تشكيل الرأي العام، وتوجيه السياسات العامة.

سيعترف هذا التغير بأن الإسلاموفوبيا ليست مجرد قوة سياسية وثقافية، بل هي أيضاً نتيجة للإعلام، وهو ما يمكن أن يشكل نقطة مناسبة للبدء في تحدّي طرق الإسلاموفوبيا ودوافعها.

بينما طغى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام على تصور مليار مسلم حول العالم، فإن السؤال هو: ما العمل في الهوة الواسعة بين "الموضوعية" و"الذاتية" في فهم الإسلام في أميركا. يحتاج المسلمون الأميركيون إلى إعادة صياغة معنى إسلامهم بالاعتماد على النصوص الأصلية مثل اليهودية والمسيحية، تدعو كل الأديان إلى السلام وتنظم كيفية التعامل مع الصراع.

ذُكِر مثال جيد على الأدوات الإعلامية التي يحتاجها الأمر مؤخراً في هافينغتون بوست:

2. الحوار مع أميركا من القاعدة للأعلى

لطالما استهدف المسلمون والحكومات العربية والمؤسسات والأفراد، أعلى الكيانات الفيدرالية مثل البيت الأبيض ووزارة الخارجية، والكونغرس في بعض الأحيان، وحان الوقت لاستكمال الدبلوماسية القادمة من الأعلى بالحوار العام من الأسفل عبر مختلف مساحات المجال العام، كان هناك تمثيل غير متكافئ بين الأصوات الداعية إلى الإسلاموفوبيا في الإعلام والسياسة وبين التيار العام للمسلمين والعرب خارج نطاق السلطة.

ستعتمد الآفاق الدبلوماسية الفعالة على التعامل مع الإعلام والجامعات والفعاليات الأدبية ووسائل التواصل الاجتماعي، لا عبر التفاعل مع الهجمات المعادية للإسلام أو للدفاع عن المسلمين، بل الانخراط في الحوار ورواية القصص، يمكن لهذا النهج البناء أن يساعد في التغلب على بقايا الخطاب المعادي للإسلام واستعادة الحوار والنقاش البناء والتعدد الثقافي لديمقراطية أميركا.

3. من يملك صفة "الفاعل" نيابةً عن الإسلام؟

وضعت بعض الجماعات الراديكالية نفسها باعتبارها الصوت "النقي الخالص" للإسلام، مسببة إرباكاً لا نهائياً لمعظم الأميركيين حول ما يدعو إليه الإسلام وما لا يفعل، تميل بعض الشبكات المحافظة إلى دعوة بعض من الأئمة والباحثين الأقل تعليماً في برامجهم لأسباب تتعلق "بالتوازن", لا يشارك الباحثون المسلمون المطلعون في هذه النقاشات، أو "الأحكام" عن الدين الإسلامي بشكل أدق، يبقى السؤال: من يتحدث باسم الإسلام في أميركا؟

للتغلب على هذه الفوضى من الآراء والتفسيرات، يحتاج المشاهدون الأميركيون إلى السماع من أفراد على دراية جيدة بتفسير الإسلام ويمكنهم طرح وجهة نظر التيار السائد من المسلمين المعتدلين.

4. الحاجة إلى سردية إسلامية
يمكن للجمع بين إطار تحليلي إعلامي وحوار من القاعدة في أميركا متجهاً نحو الأعلى، واستعادة الحديث باسم الإسلام عن طريق أفكار الباحثين المؤهلين، أن يوفر أدوات مناسبة للتحليل والتدخل إضافة إلى مجابهة الإسلاموفوبيا. وعبر هذا الطريق، يجب أن تنبثق سردية أميركية للإسلام عن حياة وتجارب الأفراد الحقيقيين الذين يعرفهم جيرانهم الأميركيون وطلابهم وعملاؤهم وأصدقاؤهم في كل أنحاء أميركا.

هذه السردية المحلية الواضحة يمكن أن تقف في مواجهة إغراء فرضية الصدام بين الحضارات، وهزيمة كل مقاطع الفيديو لتنظيم الدولة الإسلامية، وصور الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، أو الخطاب المتلاعب لمذيعي البرامج الحوارية المحافظة، أو كما صاغها أوباما ببلاغة "إن كنا جادين بشأن حرية العقيدة -وأنا أتحدث الآن إلى رفاقي المسيحيين الذين يظلون أكثرية في هذه البلاد- يجب علينا أن نفهم أن الهجوم على دين هو هجوم على كل أدياننا، وأن استهداف طائفة دينية، يجعل من مسؤوليتنا الدفاع عنها، كما أن علينا أن نرفض السياسات التي تهدف إلى التلاعب والتحيز أو المحاباة وتستهدف الناس وفقاً لدينهم".

* هذا الموضوع مترجم عن منتدى الشرق؛ للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.