المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د . محمد عبد الخالق Headshot

الإسلام حياة مصر رؤية إصلاحية

تم النشر: تم التحديث:

حينما منَّ الله بالفتح الإسلامي على مصر في القرن السابع الميلادي، وعمت أنوار التوحيد أرضها، وأضاءت شمس الإيمان أرجاءها، أعز الله المصريين بالإسلام، وأعز الإسلام بهم.

نعم، لمصر على مدار تاريخها رجالات وزعامات لهم في قلوب المصريين مكانة عظيمة، لكن هناك في قلوب المصريين رجال آخرون، لا تقارب محبَّتهم محبة، ولا تداني مكانتهم مكانة، هم الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

إن محاولات سلخ مصر من هويتها الإسلامية، وتهميش دور الدين في المجتمع، وإقصاء مظاهر التدين من مختلف مناحي الحياة، واستبدال ذلك كله بالفكر العلماني، والمناهج الغربية، تحت دعاوى الحفاظ على الأمن القومي، والسلم المجتمعي، هو التهديد الأكبر للأمن القومي وللسلم المجتمعي.

إن الانحلال قرين التطرف، والابتذال قرين التشدد، ودعوات العلمنة والتحرر والتغريب من البديهي أن تؤدي إلى دعوات التعصب والإرهاب والتخريب، وعلاج ذلك كله هو التمسك بالفكر الإسلامي الأصيل، الفكر الوسطي السمح المعتدل، حيث لا إفراط ولا تفريط.

لقد دار الزمان دورته على مصر، فبعد أن كانت حصناً منيعاً للإسلام والمسلمين أمام هجمات التتار والصليبيين والغزاة، وأمام ضلالات الفكر المستورد والدخيل على العقيدة والفكر الإسلامي، رأينا اليوم الرجل المسؤول عن ثقافة المصريين وتوجهاتهم الفكرية يقول إن مصر علمانية بالفطرة، وبعد أن كانت مصر مخزناً للغلال، ومأوى للفقراء والمحتاجين من شتى الأنحاء، صارت اليوم تتسول رزقها وقوت يومها، بينما ينفق أحد المسؤولين عن غذاء ومؤونة شعبها على نفسه وعلى ملذاته في أيام معدودة، ما يكفي غذاء ومؤونة قرى بأكملها لشهور طويلة.

هل بعد كل ذلك الشذوذ الفكري والانحطاط الأخلاقي والفساد المالي من هؤلاء يُنتظر من المصريين الصبر والتقشف والرضا بالواقع المرير؟

من أجل مَن يتقشف المصريون؟ مَن أجل حفنة من الذين باعوا الدين بالدنيا، وتنكروا لحضارتنا وتاريخ أمتنا وتراثها الفكري والأخلاقي، أم من أجل حفنة فاسدة مفسدة، استحلت أموال الشعب وتركته للفقر والجوع والمرض بينما ترتع هي في الرخاء والنعيم من أموال الشعب المسكين.

حتى لو كان هناك مَن يشعر بآلام الناس، ويحمل همومهم، ويبذل جهده لتغيير الأوضاع، وتحسين الأحوال، فإن هذا الجهد مهما بلغ، لن يحرك ساكناً، وسيذهب سُدى، طالما لم يأخذ خطوات جادة، تتمثل في التخطيط السليم، وإصلاح التعليم، وتطبيق نظم تضمن العدل والمساواة وتحقيق العدالة، والسعي الحثيث للقضاء على الفساد والمفسدين، واتخاذ الأسباب العلمية للنجاح، وقبل ذلك كله، ولكي تصبح تلك الخطوات واقعاً ملموساً، لا بد أولاً من رد مصر إلى ربها مرداً جميلاً.

إن الإيمان بالله، وما يستتبعه من الامتثال لأوامره، واستحضار خشيته، وابتغاء مرضاته، هو أكبر المحفزات على طلب العلم، والإخلاص في العمل، وبذل الجهد، والبعد عن أسباب الفساد ونهب الأموال، واجتناب ضعف الهمة ودواعي الخمول والكسل.

إن أولى الخطوات في سبيل استرداد مصر لهويتها الإسلامية الخالصة، واستعادة منظومة القيم والأخلاق فيها، هي استعادة الأزهر الشريف لدوره التاريخي، الذي يتمثل في تعليم العقيدة، وتعظيم العبادة، ورعاية الأخلاق، والتصدي لمظاهر الانحلال والفساد وتهميش الدين.

إن ما يتميز به الأزهر من رسوخ علمي، وتنوع فقهي، وتفهم للتعدد والاختلاف المذهبي، وما يملكه من تاريخ مديد، وتلك الأعمدة النورانية التي أضاءت وجهات العالم الإسلامي على مر العصور، يجعل منه مرجعاً شرعياً لإنشاء منظومة من القيم والأخلاق المستمدة من العقيدة والشريعة الإسلامية، تكون قادرة على توجيه البلاد نحو مستقبل مشرق، مبني على الدين والعلم، والنظام والخلق، والعمل البناء.

كما أن الأزهر بصفته مرجعية عالمية للمسلمين، يستطيع أن يهيئ مصر لاستعادة ريادتها ومكانتها بين دول العالم، كقيادة روحية وسياسية لكل الدول الإسلامية.

لقد صارت جذور الفساد ضاربة ومتوغلة في شتى المجالات، ومظاهر الغش وأكل الأموال بالباطل قد طالت كل شيء حتى طالت غذاء الناس ودواءهم، ومهما بذلت الدولة من جهود، وسنت من قوانين، فسيذهب كل ذلك هباء منثوراً، طالما ظلت الضمائر منعدمة والأخلاق في إجازة، وسيتحول القانون نفسه لغطاء وحماية للفاسدين طالما يملكون ثغراته ويجيدون التلاعب بنصوصه.

إذن لا مناص من إيجاد صيغة شرعية تعطي بطريقة مؤسسية علماء الأزهر حق القيام بواجبهم الأصيل ودورهم التاريخي في تقديم الشريعة ورعاية الأخلاق والتصدي لمظاهر الفساد.

وقيام علماء الأزهر بالدور المنوط بهم لا يفهم منه ممارسة التسلط، أو الافتئات على أهل التخصص، فلا دخل لهم بإدارة الدولة، أو برامج الحكومة، أو عمل المؤسسات، ما دام ذلك كله يدور في فلك المنهج الإسلامي، ولا يخالف حدود ما أنزل الله على رسوله.

والخطوة التالية في سبيل تحقيق ذلك هي منع قيام الأحزاب على أساس أيديولوجي، سواء كانت أحزاباً دينية أو اشتراكية أو علمانية، لأن القبول بالأحزاب الدينية معناه القبول بنزول الدين لمستوى الصراعات الحزبية وبدخوله في مناورات سياسية، وهذا لا شك يضيع الدين والدنيا معاً، كما أن الأحزاب المؤدلجة كالأحزاب العلمانية والشيوعية، بما تحمله من أفكار دخيلة لا تصلح للتطبيق في بلادنا، تشكل خطراً كبيراً على منظومة القيم والأخلاق الإسلامية، كما أن تنامي نفوذ وأفكار تلك الأحزاب، يمثل استفزازاً للغالبية العظمى في الشعوب الإسلامية، مما يؤدي إلى تأجيج الصراع في المجتمع، ويفسح المجال لنمو الجماعات والتيارات المتطرفة.

والبديل الأمثل لقيام أحزاب على خلفية دينية أو أيديولوجية هو جعل تكوين الأحزاب فقط على أسس عملية وبرامجية، مثل طرق الإدارة، ووسائل ومصادر الإنتاج، وسبل تحقيق التقدم العلمي والتكنولوجي.

إن نسب مصر والمصريين إلى الإسلام هو نسب أبدي، وستظل مصر تتوق دائماً إلى هذا النسب الشريف المقدس، تتوق إليه خالصاً مجرداً، بعد أن اختلطت به مذاهب أرضية، وضلالات فكرية.

فلنمضِ في طريقنا مخلصين لله، مستمسكين بكتابه، مقتدين برسوله، متخذين كل الأسباب العلمية والعملية للنجاح والتقدم والإنتاج، وسوف تحوطنا عناية الله ورعايته، وتحرسنا قدرته وحكمته، وتشملنا رحماته وبركاته.
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ).

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.