المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د.أشرف صالح محمد Headshot

صُنَّاع التاريخ

تم النشر: تم التحديث:

صحيح أننا نعيش دائماً في الحاضر على اعتبار أن الماضي راح وانقضى، وأن المستقبل لم يأتِ بعد، وإنما هو مجرد تصورات ذهنية، وأفكار مجردة، وقد يكون فيها بعض التخيلات والأوهام، وأنه في اللحظة التي يتحقق فيها شيء متعلق بالمستقبل يكون قد تحول إلى حاضر وواقع.

وإذا كان هناك من المفكرين مَنْ يذهب إلى صعوبة التنبؤ بالمستقبل؛ لأن المستقبل من اختراع الإنسان بفضل خصوبة وقوة خياله الذاتي، فمن الصحيح أيضاً أن توقعات العلماء والمفكرين بما سيكون عليه الحال في المستقبل تستند إلى الخبرات السابقة والقدرة على قراءة مسار الأحداث، وذلك تأكيداً لصحة القول: "الذين يحسنون قراءة الماضي، هم الأجدر بقراءة المستقبل".

لقد سخر البعض في العقود الغابرة من دراسة التاريخ، أمثال كريستوفر دوسن Christopher Dawson (1889 - 1970): "ما أسعد أمة ليس وراءها تاريخ"، وجان جاك روسو Jean-Jacques Rousseau (1712 - 1778): "الحمقى هم الذين يسمحون لأولادهم بأن يتعلموا التاريخ". إلا أن أهمية التاريخ في حياة الأمم لم تعد موضع شك، ولم تعد مكانة علم التاريخ في مناهج الدارسين على اختلاف مراحلهم موضع تساؤل، إن الزمان قد تغيّر، ولم يصبح من الممكن أن نتطور، وننتظم في مدارج الحضارة والرقي بعيداً عن نبض الماضي، وبمنأى عن فقه صحيح لتجارب السابقين.

فالتاريخ هو الدراسة العملية للماضي، وتفسيره في ضوء القوى الكبرى والتطورات طويلة المدى، بمساعدة من النظرية الاجتماعية، والأسلوب الكمي وغيره من أدوات العلم الاجتماعي هو الذي يسهم في خلق أساس ثابت للمعرفة التي يتم على أساسها اتخاذ فعل سياسي وقرارات سياسية في الحاضر.

إن دراسة التاريخ في حقيقتها هي البداية الصحيحة لـ "صناعة التاريخ"، أي قراءة أحداث الماضي من أجل تسليط الضوء على ما يخدم منها الجماعة الإنسانية في حاضرها ومستقبلها، إنه صمام الأمان الذي يقي الأجيال من الانسلاخ من شخصيتها، والتنكر لتراثها، واستدبار مرجعيتها، مما يجعلها موسومة بالتبعية المدنية، والعبودية الحضارية، والوجود الملفق.

من المؤكد أن كثيراً من الأحداث الراهنة ستصبح مستقبلاً وقائع تاريخية، ومن منطلق أن التاريخ هو ذاكرة الشعوب والمجتمعات، نجد الناس يحاولون أن يتركوا بصمات حتى يحفظ التاريخ إنجازاتهم أو أسماءهم، كما نجد بعضهم في المقابل يحاولون طمس الآثار السلبية حتى لا تسجل ضدهم. وباعتبار التاريخ علماً يساعد الإنسان على فهم حركته في الكون، تظل دراسته مهمة وقادرة دوماً على تحديد الهوية، والبحث عن الذات، وإدراك الخصوصيات التي تميز أنواع الحضارات ومدى استفادة بعضها من بعض. وفي كل الأحوال فإن الرجوع إلى التاريخ للمعرفة والعبرة يدفع إلى اقتحام الحاضر واستشراف المستقبل.

وتبقى الإشارة إلى أن الحدث لا يصنع التاريخ، وإن سُجل في مدوناته، لكن مَنْ يوجد الحدث هو مَنْ يصنع التاريخ، وهؤلاء هم البشر، بل المميزون منهم، فهل لدينا الآن مَنْ صنع التاريخ، أو مَنْ هو قادر على ذلك؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.