المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د.أشرف صالح محمد Headshot

المعالجة الأركيولوجية لوقائع الماضي

تم النشر: تم التحديث:

يعتبر علم الأركيولوجيا (l'archéologie l'archéologie) الحفريات أو الأثريات من العلوم الحديثة التي اهتمت بإعادة البحث عن الحقائق التاريخية المرتبطة بالعصور الماضية، فقد نجحت الأركيولوجيا في تغيير نظرة الإنسان إلى ذاته وإلى تاريخه الماضي، بحيث لم تعد معرفة التاريخ مرتبطة بروايات شفوية أو شهادات قابلة للزور؛ بل أصبحت دراسة الماضي تعتمد على معطيات تجريبية ومخلفات كل حقبة، فيتم تأسيس الحدث التاريخي على ما وجد من آثار تدل على كل حدث أو واقعة تاريخية.

هذا الشكل من "الأركيولوجيا" بدا تأثيره واضحاً على العلوم الإنسانية منذ منتصف القرن العشرين، فالمنهج الأركيولوجي الحفري التفكيكي يقصد به البحث المعمّق في متون الوقائع، أو الوثائق التاريخية، وقراءتها مجدداً، قراءة مختلفة بشكل عمودي، سواءً باستخدام أدوات البحث المعاصرة والمستحدثة، أو باستحضار المرونة في الذهن، والقدرة الاستيعابية المنفتحة، على آفاق النص ومكنوناته، دون الانغلاق على صورته التقليدية، ومدركاته الموروثة الشائعة.

في ظل هذا المنهج أصبحت المعرفة التاريخية تتسم بكثير من العلمية والعقلانية في معالجة وقائع الماضي، فطرح المؤرخون أسئلة جديدة بعدما تبين لهم محدودية الوثيقة المكتوبة في كتابة التاريخ، وتم الانتقال إلى تصور جديد في كتابة التاريخ يقوم على النقد والدراية بدل السرد والرواية، وصار من الممكن كتابة تاريخ الشعوب التي ليس لها تراث مكتوب ومدون، خاصةً بعد ظهور "الأركيولوجيا - الجديدة" التي تربط في دراستها بين المخلفات المادية وغير المـادية في ثقافات الشعوب.

إن المنهج الأركيولوجي الحفري يتصفح الوقائع والأحداث، ويعيد قراءة النصوص بعمق وفق رؤية تفكيكية تحليلية لكشف ما وراء الظاهر من النص من حقائق قد تكون أغفلتها مجلدات التاريخ التقليدية.

وعليه فإن هذا المنهج المعرفي من البحث المعمّق، يقدم آفاقاً دراسية منهجية، تسمح بكسر الجمود الفكري، بهدف التنقيب والتعرية المعرفية لإحياء النصوص وكشف المسكوت عنه في متون التراث العلمي.

ورغم أنه من الناحية العلمية تظل نتائج هذا المنهج قابلة لتأويلات عديدة، فإنه نفض الغبار وأزال السِّتار عن عُيُوب المنهج التاريخي التقليدي، وقدم للإنسانية مدخلاً جديداً لفهم كثير من الحقائق المطمورة، واستطاع أن يصحح تصوراتنا حول حضارات وشعوب كانت في الغالب مرتبطة بالحكايات الأسطورية والخرافية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.