المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د.أشرف صالح محمد Headshot

الحقبة البطولية في الحركة التاريخية

تم النشر: تم التحديث:

يذهب بعض الباحثين في علم التاريخ إلى أهمية تفسير التاريخ ووقائعه وأحداثه وفقاً لجهود الأبطال أو الأفراد أو ما يسمى بدور "الرجل العظيم"، وهذا المفهوم أقدم من التفسير اللاهوتي للتاريخ، ففي مصر القديمة وبلاد ما بين النهرين والصين، لم يكن الملك "الحاكم" سوى هذا البطل، فكان فراعنة مصر يقومون بطقوس سحرية يعجز عن ممارساتها غيرهم، لدرجة أنهم يسعون لتوفير الرخاء لرعيتهم ويدفعون الشر والبلاء عنهم، ومن هنا كانت النظرة إلى الملك "الفرعون" بتخليد ذكراه بكل الوسائل من آثار معمارية ضخمة وتماثيل ومسلات وغيرها.

وفي بلاد اليونان تعلم الناس في مدرسة هوميروس (عاش نحو القرن 8 ق.م) تمجيد البطولة الفردية، وكان هيرودوت (عاش في القرن 5 ق.م) في مقدمة المؤرخين الذين اهتموا بتخليد البطولات.

الجدير بالذكر أن تقدير الفرد العظيم انسحب مع الوقت من الحكام والملوك ليمتد إلى الحكماء والقانونيين الذين قاموا بسن تشريعات وقوانين لصالح المجتمع، ومن ذلك تشريعات حمورابي (1750 - 1792 ق.م)، وسولون (638 - 558 ق.م) في أثينا، وحتى في عصر النهضة الأوروبية وهو عصر التحرر من العصور الوسطى، بقي تمجيد دور الفرد والملوك الحاكمين. وفي مطلع القرن التاسع عشر أصدر المفكر الاسكوتلندي توماس كارليل (1795 - 1881م) كتابه "الأبطال وعبادة البطولة" وهو دراسة أدبية وتاريخية للبطولة، وقد أوضح فيه أن التاريخ العالمي إنما هو في صميمه تاريخ العظماء وإنجازاتهم، وقد انتقد الكثيرون آراءه وقالوا إن البطل هو ابن عصره، أي أن عصره هو الذي جعله وأوجده، وبذلك يجب عدم الخلط بين إنجازات العصر وإنجازات الفرد، وليس معنى ذلك التقليل من دور الزعماء والعظماء في التاريخ، وإنما يجب دراسة هذا الدور في إطار المجتمع والظروف التي أحاطت به، فهناك تأثير متبادل بين الفرد والبيئة التي نشأ وعاش بها.

وقد اختلف أصحاب هذا المفهوم في تحديد قائمة هؤلاء الأبطال، لاختلاف المعايير لدى كل منهم في فهم البطولة، كما تعرضوا لانتقادات شديدة؛ لأنهم يسلكون طريقاً سهلاً للتفسير ولا يجهدون أنفسهم في سبيل التعرف على العلل والأسباب الحقيقية وراء هذه الأحداث والوقائع، والحقيقة أن المذهب الفردي في تفسير التاريخ، على الرغم من أنه يعطي أهمية أساسية لدور البطل فإنه يضطر إلى الاعتراف بأن الفرد "البطل" لا يستطيع وحده أن يصنع تاريخاً، ولا يستطيع ذلك إلا بقيادته لجماعة وبقبول الجماعة لهذه القيادة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.