المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. علي محمد فرجاني Headshot

مفهوم النظام السياسي وماهية الدولة

تم النشر: تم التحديث:

لا شكَّ أن الأحدث الآنية والمستقبلية لا تخلو من الاحتكاك بالعلوم السياسية، التي فرضت نفسها وبقوة، منذ بزوغها، وحتى ما نشهده جميعاً من صراعات ونزاعات، وأزمات، يشهدها العالم من حولنا، مما يأخذنا إلى الوقوف على عتباتها لدراسة معالمها وأبعادها، وسوف نتطرق لتلك الوسوم عبر سلسلة مقالات عن "عالم السياسة"، مستندين في ذلك إلى أهم التفسيرات التي جاءت بالكتب والمصادر، والموسوعات المتخصصة، التي تكشف لنا عن هوية السياسة وتعريفها فكراً وممارسةً.

ويرجع الاهتمام بتلك السلسلة إلى تبادل المعلومات في مختلف العلوم الاجتماعية؛ نظراً لأهمية المشاركة المجتمعية والمساهمة في رفع درجة الوعي والتثقيف، وذلك عبر الاستفادة من منصات الإعلام الإلكتروني على شبكة الإنترنت، بغية إثراء المحتوى الإلكتروني عبر الشبكات الاجتماعية.

يعتبر أرسطو هو الأب الشرعي لعلم السياسة، وتحديداً لتحليل النظم السياسية، ولم تكن نظرة أرسطو للتحليل السياسي بمثابة استنباطات عقلية أو مران ذهني مجرد، وإنما كانت ملاحظة ومراقبة لتطور الوقائع والأحداث واستخلاص النتائج والاتجاهات.

وفي هذا السياق يمكن تعريف النظام السياسي بأنه نسق من العمليات والتفاعلات، التي تتضمن علاقة سلطة بين النخبة الحاكمة من ناحية، والمواطنين من ناحية أخرى، وكذلك بين فئات ومجموعات من النخبة وبعضها الآخر، وذلك في ظل وجود قواعد وإجراءات لتنظيم هذه العلاقات، التي تتأثر بالأيديولوجية والثقافة السياسية والممارسة العملية والمشاركة السياسية التي قد تقل أو تزيد، والتي تختلف صورها وأشكالها من نظام لآخر، وذلك للتأثير على هذه القرارات والسياسات، أو لمراجعة بعض جوانبها، وكذلك للرقابة على عملية تنفيذ السياسات العامة والمحاسبة على نتائجها.

والنظام السياسي بهذا المعنى لا يعمل في فراغ، ولكن في إطار بيئة داخلية وإقليمية ودولية، ويمكن الإشارة إلى ثلاث مهام أساسية للنظم السياسية:

1- النظام السياسي كآلية لحل الخلافات وإقرار القانون والنظام، وتعمل هذه الوظيفة على حماية الأمن وتوفيره للمواطنين داخلياً، وحماية إقليم الدولة إزاء الخصوم والأعداء خارجياً.

2- النظام السياسي كآلية لتوزيع الموارد في المجتمع، وهي الوظيفة التوزيعية للنظام، فإن علم السياسة، شأنه في ذلك شأن علم الاقتصاد، الذي يقوم بدوره على تنظيم عملية توزيع الموارد، وذلك وفقاً لما أكده أستاذ علم السياسة الأميركي الشهير هارولد لاسويل في كتابه "السياسة: مَن يحصل على ماذا؟ ولماذا؟ 1938.

3- النظم السياسية كآلية للتغيير الاجتماعي، فالنظام السياسي من ناحية هو مرآة تظهر عليها الأوضاع والمصالح والتناقضات المختلفة في المجتمع، وكذلك الآراء والأفكار والمعتقدات الذائعة فيه، ولكن النظام السياسي لا يكتفي بدور المرآة، بل يمكن للنخبة الحاكمة أن تسعى للقيام بدور مبادر لإعادة تشكيل المجتمع وفقاً لرؤية أيديولوجية أو تصور سياسي.

وتعمل الوظائف الثلاث السالفة الذكر على رسم السياسات وصنع القرارات التي تمارسها المؤسسات، ففي كل نظام سياسي توجد آليات للتعبير عن المصالح، وترتيب الأولويات، وتحديد البدائل المتاحة، ومن ثَم التعرف على تكلفتها ومنافعها النسبية، واتخاذ القرار.

ونتطرق الآن إلى ماهية الدولة ووصفها لكونها البيئة الرئيسية التي تعمل من خلالها الأنظمة السياسية.

1- الدولة:

يمكن تعريف الدولة بأنها مجموعة من الأفراد يقيمون بصفة دائمة في إقليم معين، وتسيطر عليهم هيئة منظمة استقر الناس على تسميتها الحكومة، والتي تتكلم باسم القانون، ويجب ألا نخلط بين الشعب والأمة، فالأمة هي مجموعة من الأفراد تربطهم علاقة طبيعية معنوية مثل وحدة اللغة أو الأصل أو الدين، وتجمعهم عادات وتقاليد مشابهة، أما الشعب فليس من اللازم أن تتوافر فيه تلك الوحدة الطبيعية لكي يصبح العنصر المكون للدولة، فليست كل أمة دولة، وليست كل دولة أمة.

ويميل أكثر الباحثين إلى الأخذ بالمفهوم التالي للدولة: بأنها إحدى المؤسسات الاجتماعية، تتميز بأنها تحكم على ضوء قوانين تسنها وتنشرها حكومة لها، عدا هذه السلطة التشريعية، سلطة تنفيذية تفرض النظام والعدل على جميع من يسكن في بقعة جغرافية من الأرض بيّنة المعالم والحدود.

2- الإقليم:

الإقليم المحدد هو العنصر الثاني من عناصر قيام الدولة، وليس من الضروري أن يكون قطعة واحدة، ويكون لكل إقليم دولة حدود تفصله عن إقليم الدول المجاورة له، وترجع أهمية هذه الحدود إلى تحديد امتداد سيادة الدولة صاحبة الإقليم، وقد تكون هذه الحدود طبيعية أو غير طبيعية.

ويشمل الإقليم سطح الأرض الذي يكونه، والذي يضم مجموعة من الأملاك الخاصة بالأفراد والشركات، وأملاك الحكومة الخاصة، وأملاك الدولة العامة، كالطرق والجسور والقناطر، ولا يقتصر على سطح الأرض فحسب، ولكنه يشمل ما تحت هذا السطح من طبقات لا نهاية لعمقها بما تشتمل عليه من شتى أنواع الثروات كالمعادن والبترول.. إلخ.

وللدولة إقليم مائي يشمل جميع الأنهار والبحيرات الداخلية في حدودها، وإذا كان النهر يجري في إقليم دولة ثم في إقليم دولة أخرى، أو كان هذا النهر يجري بين دولتين، فإن الدولة تعتبر مالكة لذلك الجزء الذي يدخل ضمن حدودها وفقاً لقواعد نظمها القانون الدولي العام، أما استغلال وتوزيع مياه تلك الأنهار فيكون بمقتضى معاهدات تبرَم بين الدول التي تملك هذا النهر.

وتمتد ملكية الدولة إلى جزء من البحار الملاصقة لأرضها وتسمى البحار الإقليمية.

وكذلك تمتد ملكية الدولة لإقليمها إلى طبقات الهواء الواقعة فوق السطح بما في ذلك مياهه الإقليمية، ويلاحظ أن سياسة الدولة تمتد هنا إلى ارتفاع معين من جو إقليمها، وما كان أعلى من هذا القدر المعين من الجو يعتبر حُراً لجميع الدول، فحين طافت الأقمار الصناعية حول العالم لم تعترض أية دولة بحجة انتهاك حرمة إقليمها الجوي.

ويقتضي وجود الدولة إلى جانب الشعب والإقليم أن تكون هناك هيئة حاكمة تتولى الإشراف، وتنظيم العلاقات بين أفراده، وتقوم بإدارة الإقليم، واستغلال موارده وتنظيم هذا الاستغلال لمصلحة المواطنين، وتتولى حماية الشعب من أي عدوان خارجي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* المصادر والمراجع:
1- د. علي الدين هلال، النظام السياسي المصري، سلسلة العلوم الاجتماعية، مكتبة الأسرة، 2010.
2- أسعد مفرح، ومجموعة من الباحثين، موسوعة عالم السياسة، 2011، دار نوبلس للنشر والتوزيع.
3- د. حلمي محسب، محاضرات في علم السياسة.
4- بطرس غالي، محمود خيري عيسى، المدخل في علم السياسة، مكتبة الأنجلو المصرية.