المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د.أحمد خيري العمري Headshot

حادثة الإسراء نظرة مختلفة

تم النشر: تم التحديث:

في اليوم التالي لليلة الإسراء، كان الرسول -عليه الصلاة والسلام- مدركاً تماماً لصعوبة تصديق الأمر، ربما حتى من قِبَل المؤمنين، ينقل هو بنفسه هذه المشاعر التي يرويها ابن عباس: لَمَّا كان ليلة أُسْرِي بِي، وأصبحتُ بمكةَ فَظِعْتُ بِأمْري، وعَرَفتُ أنَّ الناسَ مُكَذِّبِّي، فَقَعَدَ معتزلاً حزيناً (السلسلة الصحيحة 3021).

فلننتبه هنا إلى أن الأمر هو في اليوم التالي للإسراء والمعراج، أي أنه عاد من رحلته تلك، الرحلة الأعظم التي حصل فيها على المرتبة الرفيعة، لكنه صباحاً كان معتزلاً حزيناً، حاملاً همَّ ماذا سيقول للناس، ولننتبه أيضاً إلى أنه قال (عرفت أن الناس مكذبيّ)، ولم يقل المشركين، كما لو كان الأمر يشمل المؤمنين أيضاً.

وبمناسبة الإشارة إلى كونه (قعد معتزلاً وحزيناً) هناك ما يمكن أن يفهم على أن التجربة التي مر بها قبل يوم كانت قد أنهكته جسدياً، وربما رفعت من ضغطه؛ إذ صحَّ أنه قال إن الملائكة يومها كانت توصيه (عليك بالحجامة)، (السلسلة الصحيحة 1847) والنظرة السطحية قد تفهم أن الأمر ترويج للحجامة كطب صالح للعمل في كل زمان ومكان، والحقيقة أن الأمر ليس على هذا النحو، الحجامة كانت ممارسة طبية شائعة عند العرب آنذاك، وكانت جزءاً من معارف العرب يومها، ولو أن الإسراء والمعراج حصل في مرحلة زمنية مختلفة لكانت توصية الملائكة مختلفة حتماً، المهم أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- كان مجهداً من الرحلة ومن الحمل الذي عليه أن يواجه الناس به.

(تراه قال في نفسه.. لو أن خديجة هنا.. عليه الصلاة والسلام).
وهنا يأتي أبو جهل، وقد لاحظ أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- في وضع مختلف.. واضح تماماً أن أبا جهل كان يراقب الرسول في كل تحركاته، كان على ما يبدو متفرغاً تماماً.

فَمَرَّ عدوُّ اللهِ أبو جَهْلٍ، فجاء حتى جلس إليه، فقالَ له -كالمستهزئِ-: هل كانَ من شيءٍ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم.
قال: ما هو؟
قال: إنه أُسْريَ بي الليلةَ.
قال: إلى أين؟
قال: إلى بيت المقدس.
قال: ثم أصبحتَ بين ظَهْرانَيْنَا؟
قال: نعم.

فلم يَرَ أنه يُكَذِّبه مخافة أن يجْحَدَهُ الحديثَ إذا دعا قومَهُ إليه.
قال: أرأيت إن دعوتُ قومَكَ تُحَدِّثُهُم ما حَدَّثْتَنِي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم.
فقال: هَيَّا مَعشَرَ بني كعبِ بن لُؤيٍّ، فانتفضت إليه المجالس، وجاءوا حتى جَلَسُوا إليهما، قال: حَدِّثْ قومَكَ بما حَدِّثْتَنِي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أُسْرِيَ بي الليلة.
قالوا: إلى أين؟ قال: إلى بيتِ المقدس. قالوا: ثم أصبحتَ بين ظَهْرَانَيْنا؟ قال: نعم. قال: فَمِنْ بين مُصَفِّقٍ، ومن بين واضعٍ يَدَهُ على رأسِهِ متعجباً للكذبِ؛ زعماً.
قالوا: وهل تستطيعُ أن تَنْعَتَ لنا المسجد وفي القومِ مَنْ قَد سافَرَ إلى ذلك البلد ورأى المسجد؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذهبتُ أنعتُ، فما زلتُ أَنْعَتُ حتى الْتَبَسَ عليَّ بعضُ النَّعْتِ.
قال: فَجِيءَ بالمسجد وأنا أنظُرُ حتى وُضِعَ دُونَ دار عقالٍ - أو عقيلٍ- فنعتُّه وأنا أنظرُ إليه، قال: وكان مع هذا نعتُ لم أحفظه، قال: فقال القوم: أما النعت؛ فوالله، لقد أصاب)، (السلسلة الصحيحة 3021).

أبو جهل رأى أنه ربما كان قد وجد فرصة عمره في الصراع مع الرسول عليه الصلاة والسلام.. لا يظهر عدم التصديق أولاً، كما لو أن الرسول سيخدع بذلك، ويسأل الرسول إن كان مستعداً لإعادة ما قاله، ثم يجمع القوم كلهم ليسمعوا، كما لو أنه يريد أن تكون الضربة القاضية أمام الجميع.

كان رد الفعل عنيفاً فعلاً، وكما توقع عليه الصلاة والسلام، ما قاله الرسول -عليه الصلاة والسلام- كان صادماً وغير متوقع، والناس كانت بين مصفق استهزاء وبين من وضع يده على رأسه تعجباً مما سمع.

ليس هذا فقط، بل لقد صح عن السيدة عائشة -رضي الله عنها- أن هناك ممن آمنوا به وصدقوه ارتدوا هنا (السلسلة الصحيحة 302)، بل وقد بقوا على ارتدادهم وحاربوا في بدر مع المشركين وقتلوا حالهم حال أبي جهل! (مسند أحمد 3546 وصححه الألباني).

تخيلوا أن هناك مسلمين، كانوا قد آمنوا في مكة، في العشر سنوات الأولى من البعثة، وسط كل ما عاناه مسلمو مكة آنذاك، ولكنهم عندما وصلوا حادثة الإسراء توقفوا، ورجعوا الطريق، ارتدوا.

ليس هذا فقط، بل تحولوا إلى حرب المسلمين، وبعد خمس سنوات تقريباً خرجوا مع قريش للقضاء على الإسلام، علماً أنه لم يكن هناك تجنيد إجباري آنذاك، أي أنهم خرجوا بملء إرادتهم! تخيلوا..

لكن لماذا؟ لماذا كان الأمر صادماً لهذه الدرجة؟
نحن طبعاً (لقنّا) الإيمان بالأمر، ولم يكن لدينا خيار، لكن تخيلوا أننا لا نزال في مكة وفي تلك الفترة، الأمر ليس سهلاً.. الرسول -عليه الصلاة والسلام- كان يدرك ذلك تماماً وقاله.

مرة أخرى.. لماذا؟
لسبب بسيط.. طيلة العشر سنوات السابقة من البعثة، لم يكن هناك حدث واحد خارق للطبيعة قال عنه الرسول عليه الصلاة والسلام إنه حدث له، لا معجزات بالمعنى المادي كما حدث مع بقية الأنبياء، كل شيء كان (عقلانياً) إلى حد بعيد، ثم تأتي هذه الحادثة، ولا يرونها أصلاً؛ لهذا كان الامتحان، وهو امتحان لنا أيضاً.. امتحان مستمر.

كثيراً ما نحاول أن (نعقلن) الإسلام، وليس هذا خطأ في رأيي؛ لأن الإسلام ونصوصه الثابتة فيها ما يساعد في ذلك، وأنا من المتهمين بذلك في أوساط تعتبر الأمر (تهمة)، لكن هذه العقلنة يجب أن يكون لها حدودها، ما دمنا نؤمن أنه دين، ونؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالحساب (مهما اختلفنا في تفاصيل في ذلك)، فعلينا أن نتقبل ونقر بوجود بُعد غير خاضع للعقل، بُعد لا يمكن عقلنته؛ لأننا لو وصلنا لهذا الأمر صار الدين بلا لون ولا طعم ولا رائحة.

نعم البعد اللاعقلاني في الإسلام ضيق وهو أضيق بكثير مما هو في بقية الأديان، لكنه موجود، وعندما أقول لا عقلاني، فأنا أقصد أنه غير خاضع للعقل، ولكنه ليس مضاداً له بالضرورة، وهذا موضوع آخر تماماً.

هناك محاولات كثيرة لإخراج حادثة الإسراء والمعراج من هذا البعد بأقوال مختلفة، مثل أن الموضوع كان مناماً، أو أن المسجد الأقصى ليس في بيت المقدس ولكن قرب الطائف، وكلام من هذا النوع.

لو كان الأمر مناماً، فأين سبب الصدمة والاستهزاء والسخرية والردة التي حدثت؟
يمكن لأي منام أن يحدث مهما كان غرائبياً، ولا يسبب عندما يرويه صاحبه أي رد فعل.

*****
أبو بكر جاء بالأمر من نهايته.
قال ببساطة: إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة.
إذا كنا نصدق حقاً أنه وحي من السماء، فالأمر لا يقل غرابة، وهو بالتأكيد لا يخضع للعقل كما نعرفه.
*****
من شيء ما عن السيرة.. لم يرَ النور بعد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.