المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. عبدالله الأشعل Headshot

رؤساء مصر بين إشكالية الإدراك والتعامل مع المعضلة الإسرائيلية

تم النشر: تم التحديث:

هناك حقائق مؤكدة تتعلق بالمشروع الصهيوني وطبيعته، وحقائق أخرى تتعلق بمصر. أما الحقائق المتعلقة بالمشروع الصهيوني وطبيعته، فهي أنه مشروع وظيفي لإخضاع المنطقة لشركاء المشروع؛ ولذلك يتوجه المشروع مباشرة إلى القلب وهي مصر، وهو يدرك أن إضعاف المنطقة يبدأ بإضعاف قلبها، وتبعية المنطقة تبدأ بإخضاع هذا القلب.

ولذلك، فإن المشروع الصهيوني مشروع استعماري إحلالي وأداة للهيمنة، فهو يهدف إلى إخضاع المنطقة للهيمنة الصهيونية.

وأتمنى أن يخصِّص أحد مراكز البحوث العربية برنامجاً لدراسة هذه النقاط وآثارها التفصيلية على مصر والمنطقة؛ لأن جميع المشاكل التي عانتها مصر في شؤونها الداخلية والخارجية سببها الرئيس هو المشروع الصهيوني، ضمن أسباب أخرى متفرعة عن تداعيات هذا المشروع.

أما الحقائق المرتبطة بمصر، فهي أن القلب لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن الجسد؛ ولذلك فإن المشروع الصهيوني دمر الدورة الدموية للجسد العربي عندما بدأ بالإمساك بشرايين القلب.

عند هذه النقطة، يجب أن نستعرض مدى إدراك الرؤساء في مصر على الأقل، منذ عام 1952 وهو العام الذي دخل فيه الجيش بديلاً عن الحكم المدني للسيطرة على مقدرات مصر دون الالتفات إلى مقولات الدولة المدنية والديمقراطية وغيرها، على أساس أن الحكم العسكري هو الأقدر على التحكم في زمام الأمور لمواجهة خطر إسرائيل، وهي معادلة خطيرة؛ لأنها تربط الديمقراطية بإنهاء الخطر والمواجهة مع المشروع.

فإذا سلم السادات وخلفاؤه بانتهاء المواجهات وافتراض توقف الخطر على مصر، وهو افتراض ساذج على الأقل، لكنه يجب أن يرتب انتهاء دور الجيش في الحياة المدنية وفتح الباب للديمقراطية والدولة المدنية. وقد انتهت هذه المقولة -كما سنرى- إلى هزيمة مصر عسكرياً وسياسياً وتنموياً ونفسياً، وتمكن المشروع الصهيوني تماماً من القلب منذ عام 1979، وبعدها اطمأن إلى تشريح الجسد العربي فقضى على الركن الشرقي لهذا الجسد وهو العراق.

فكيف فهم الرؤساء في مصر المشروع الصهيوني وكيف تعاملوا معه، ذلك أن إسرائيل ستظل قيداً أساسياً على شؤون مصر الداخلية والخارجية بمساندة واشنطن؛ ولذلك فإن الحديث عن استقلال مصر قد يمكن تسويقه لرأي عام غافل، ولكنه في المستويات العلمية لا يمكن تسويقه، وإذا حسنت النوايا ينم عن سذاجة سياسية مفرطة؛ لأن السؤال الأهم هو: كيف يتحقق الاستقلال من منظومة التبعية الشاملة المحبوكة، ما دام الوصول إلى الكرسي تقرره معادلات من وراء الستار.

فيما يتعلق بمدى إدراك الرؤساء في مصر المشروع الصهيوني، لا نعرف يقيناً ذلك عند كل الرؤساء، ولكن نعلم يقيناً عندما أعلن بعضهم عن هذا الإدراك، ونخص بالذكر الرئيسين جمال عبد الناصر ومحمد مرسي، بقطع النظر عن الطريقة التي تعامل بها الرؤساء مع المشروع الصهيوني.

ويبدو أن الرئيس السادات قد أدرك حقيقة المشروع؛ ولذلك قرر التسليم له على مضض يأساً من مواجهته، كما أن قرار الرئيس السادات في هذا المجال ارتبط بعوامل أخرى كثيرة، من بينها رغبته في إصلاح ما فسد في حياة عبد الناصر؛ أي استرداد سيناء التي ضاعت مرتين في العصر الناصري، وهذه مسألة أخرى تحتاج من الباحثين إلى دراسة موضوعية لدوافع اتجاه السادات إلى هذه الوجهة بعيداً عن اجتهادات كَهَنة العصر الناصري.

أدرك عبد الناصر كما عبر هو نفسه في كتاب "فلسفة الثورة" حقيقة المشروع الصهيوني، كما أدرك أن مواجهة هذا المشروع يجب أن تبدأ ببناء مصر ثم تكتل عربي في إطار القومية العربية، على أساس أن هذه القومية هي المقابل لما سماه المشروع الصهيوني القومية اليهودية؛ ولذلك فإن إسرائيل حاولت كسر إرادة عبد الناصر ومشروعه القومي المناهض حتماً للمشروع الصهيوني، فركزت إسرائيل على مصر الناصرية حتى تعرقل خططها في الداخل وتقطع تواصلها مع المنطقة، ثم تمكنت من كسر عبد الناصر نفسه.

وهذه النقطة تحتاج إلى دراسة أخرى حول دور إسرائيل التفصيلي في التصدي للسياسات الناصرية العربية، خاصة بعد الوحدة المصرية-السورية ودخول مصر إلى الملف اليمني، مما أدى إلى صراع عسكري مباشر بين مصر ودول عربية أخرى، فهل توافقت إسرائيل مع هذه الدول ضد الجيش المصري في اليمن، وهل هناك علاقة موضوعية بين الملف اليمني والهجوم الإسرائيلي على مصر عام 1967؟!

أما موقف عبد الناصر من طريقة التعامل مع إسرائيل فقد مر بمرحلتين؛ المرحلة الأولى من 1954 حتى 1967، كانت إسرائيل هي التي تتصدى لمصر بالعدوان المباشر والمؤامرات وهي التي احتلت سيناء مرتين، وهي التي مثلت رأس الحربة للغرب والولايات المتحدة للقضاء على القوة المصرية.

وإذا كان الغرب قد قضى على آمال محمد علي باتفاقيتي لندن 1840، فإن الغرب من خلال إسرائيل قد وضع حداً للقوة المصرية العسكرية والسياسية عامي 1967 و1979، وهذه نقاط هامة تحتاج إلى دراسات تفصيلية.

في هذه المرحلة الأولى، قاوم عبد الناصر كل الضغوط التي اشترك فيها أطراف عربية موالية للغرب، ولكنه كان يرى أن الحل لمشكلة اليهود الذين غزوا فلسطين هو أن يعودوا إلى البلاد التي جاءوا منها؛ حتى تخلص فلسطين لأهلها؛ أي إن المشروع الناصري كان مشروعاً إخلائياً لصالح الفلسطينيين رداً على المشروع "الاستردادي" الصهيوني، ولكن مشكلة عبد الناصر أن موقفه المعلن كان أكثر صخباً من قدراته الحقيقية رغم أن فهمه للمشروع الصهيوني كان دقيقاً.

والحل لهذه المشكلة كان عادلاً، ولكن ليس في السياق الذي طُرح فيه، وهذه حقائق يجب أن نذكّر بها الأجيال الجديدة؛ حتى لا يطغى الإعلام الصهيوني العربي على الحقائق.

أما بعد هزيمة 1967، فإن عبد الناصر اكتفى بالمطالبة بإزالة آثار العدوان؛ أي الاحتلال الإسرائيلي لأراضي مصر وسوريا، ولم يقدم حلاً لصلب المشكلة وهي فلسطين، التي تمكنت إسرائيل من احتلال ما تبقى منها خارج إسرائيل، كما لم يجرؤ عبد الناصر على تحديد موقفه من الأراضي التي حصلت عليها إسرائيل في فلسطين خارج ما قامت عليه في قرار التقسيم؛ بل لم يجرؤ على تسجيل موقف للتاريخ من استيلاء إسرائيل على أم الرشراش المصرية وهي إيلات الإسرائيلية الآن.

ولم يجب عبد الناصر عن السؤال المفصلي وهو: إذا كانت عسكرة مصر لهزيمة إسرائيل قد انتهت بكارثة، فلماذا لم يعد الجيش إلى مهمته الأصلية للدفاع عن حدود الوطن؟ ولماذا لم يفعل السادات ذلك ما دامت أكتوبر/تشرين الأول هي آخر حروب مصر مع إسرائيل بعد السلام والاستقرار والنعيم الذي بشر مصر به؟

ويبدو أن أنور السادات قد استخلص عقم المواجهات العسكرية رغم أن المعتدي دائماً هو إسرائيل، وقد سلّم السادات في معاهدة السلام بمخاوف إسرائيل من وجود الجيش المصري على الأراضي المصرية بالكامل، فقبل معاقبة الجيش على تجرؤه على مهاجمة جيش الاحتلال في سيناء وما فتئ يردد الهراء حول حرصه على حقن دماء "أبنائه" في الجيش.

بل إن مصر والعرب في أكتوبر/تشرين الأول 1973 كانوا يستردون معنويات الجيش والكرامة العسكرية التي مرّغتها إسرائيل في الوحل؛ بسبب فشل القيادات العسكرية والسياسية عام 1967، ونأمل أن تتم دراسة التفاوت بين المواجهة العسكرية العربية الأولى مع إسرائيل عام 1973 وقدرة السادات على الاستثمار السياسي والدبلوماسي المعاكس لهذه المناسبة؛ لأن الجيوش المنتصرة تفرض تسويات سعيدة، خلافاً لما حدث في اتفاقية السلام مع إسرائيل التي كانت إعلاناً عن الاستسلام للمشروع الصهيوني.

أما حسني مبارك، فلا نعلم مدى إدراكه المشروع الصهيوني أو استخفافه به، ولكن يُفترض أنه يدرك ذلك بالضرورة بحكم تدرُّجه في صفوف الجيش المصري، الذي يدرك تماماً خطورة هذا المشروع.

لكن مبارك في تقديري لم يستسلم فقط للمشروع الصهيوني، ولكنه ساعده على أن يدمر المصالح المصرية والعربية، وإلا لما وصفته إسرائيل بأنه كنزها الاستراتيجي، وأنا أطالب بإجراء تحقيق حول الخدمات التي قدمها مبارك للمشروع الصهيوني في مصر والمنطقة العربية حتى يستحق هذا الوصف الخطير، ودور مبارك نفسه في حرب أكتوبر/تشرين الأول، ولماذا كانت مكافأته على دوره المهني قيادة مصر 3 عقود إلى الدمار والتبعية للمشروع الصهيوني والأميركي؛ بل ودور إسرائيل ودول عربية أخرى في التصدي لثورة يناير/كانون الثاني وأجهض نتائجها.

ولذلك شعرت إسرائيل لأول مرة في تاريخها بالفزع الشديد عندما قام الشعب بثورته في 25 يناير/كانون الثاني ضد كنزهم الاستراتيجي؛ بل إن إسرائيل لم يتبدد قلقها رغم التطمينات الأميركية عندما تولى المجلس العسكري حكم مصر بعد الثورة مباشرة، ثم استمر قلقها عندما ظهرت التيارات الإسلامية بعد الثورة ثم اكتسحت نتائج الانتخابات التشريعية والرئاسية، بقطع النظر عن ثقة إسرائيل بأن معادلات القوة بين مصر وإسرائيل لا تؤيد هذه المخاوف.

وعلى أية حال، فقد سعدت إسرائيل سعادة غامرة عندما تمت الإطاحة بحكم الإخوان؛ ولذلك يستحق موقف إسرائيل من أحداث يناير/كانون الثاني 2011 وأحداث يونيو/حزيران 2013 ضد الإخوان دراسة معمقة، ثم ازدادت سعادة إسرائيل عندما ارتبكت الأمور في مصر؛ حتى لا تستقر مصر على قرار. ومن الطبيعي أن تسعد بترشح وزير الدفاع؛ لأنها تعلم أن الجيش المصري هو الذي يتولى الأمن ومطاردة للأنشطة "الإرهابية" في سيناء وبمصر كلها.

ومن الطبيعي ألا تسعد إسرائيل بأي توافق وطني ونجاح لاستعادة زمام التنمية ومواجهة مشاكل الشعب واستقلال مصر بمواردها عن غيرها؛ ولذلك فإن إسرائيل تلعب دوراً مهماً مع الولايات المتحدة ومع دول الخليج حسبما أشارت المصادر الإسرائيلية في تخفيف الضغوط عن النظام الجديد في مصر؛ حتى لا يقوم للتيار الإسلامي في مصر قائمة وتظل أسباب الصراع في مصر مستمرة.

وليس سراً أن إسرائيل يفزعها أن تنشأ ديمقراطية حقيقية في مصر، كما يسعدها أن تظل العلاقات بين مصر والولايات المتحدة مرتكزة على وزارتي الدفاع في البلدين، وهذه مفارقة غريبة في السياق المصري، كما أن توريط مصر في قضايا الإرهاب وضرب التيار الإسلامي فيها لا ينفصل عن مساندة إسرائيل للتيارات الإسلامية التي تنتحر في المشهد السوري؛ حتى يتسنى لإسرائيل أن تجهز على الفلسطينيين وإحباط أي مسعى فلسطيني أو مصري للمصالحة، والتركيز على استمرار مطاردة الإخوان المسلمين ومعهم حماس؛ حتى تتمكن إسرائيل من توقيع اتفاق تاريخي مع السلطة الفلسطينية في هذه الظروف المثالية.

هكذا يتبين أن إسرائيل والولايات المتحدة قد خلقتا لمصر ظروفاً وأوضاعاً خطيرة، ساهم الإعلام المصري في التدليس عليها، تجعل أي إدراك للرئيس المصري لحقيقة المشروع الصهيوني منفصلاً تماماً عن طريقته في التعامل مع المشروع الصهيوني، ولا فكاك من هذا الموضوع إلا بإعادة ترتيب البيت المصري من الداخل بأعلى درجات الوطنية والتجرد، وإلا فإن الأيام القادمة لا تبشر بقلق لإسرائيل على الإطلاق.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.