المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. عبدالله الأشعل Headshot

أبعاد قضية الفصل بين الدعوي والسياسي في التيار الإسلامي

تم النشر: تم التحديث:

أعاد حزب النهضة التونسي بدعوته إلى الفصل بين النشاط السياسي والنشاط الديني في حزب النهضة الجدل الدائر منذ ثورات الربيع العربي وظهور التيار الإسلامي وثقله في الشوارع العربية.

ونذكر أن القضايا المرتبطة بهذه الدعوة تطلب الكثير من الفكر والوقت وتحديد المفاهيم بشكل دقيق، ولذلك فإن هذه النقلة حاسمة في تاريخ التيارات الإسلامية في العالم العربي، ونذكّر أيضاً بالحقائق الآتية التي يفيد استذكارها في هذه المناقشة الواسعة التي يجب أن تقتصر على النخب الفكرية بسبب دقة موضوعها.

الحقيقة الأولى: هي أن الجماعات الإسلامية قد نشأت في أوقات متفرقة خلال العقود المتتالية من القرن العشرين، وكانت جماعة الإخوان المسلمين في مصر هي الحركة الأم لكل هذه الحركات، والتي امتد أثرها إلى خارج المنطقة العربية، إلى تركيا وباكستان والهند وماليزيا وإندونيسيا، فضلاً عن الدول الأوروبية؛ لأن حركة الإخوان المسلمين كانت تعمل في مجال الدعوة وهدفها تقويم السلوك الإسلامي، وتطبيق النموذج الإسلامي بين الناس، ولذلك فإن هذه الدعوة لقيت رواجاً كبيراً؛ لأنها تحث على الاستقامة والزهد والقيم الإسلامية المختلفة.

الحقيقة الثانية: هي أن التماس بين هذه الحركات وبين الحكومات قد أدى إلى الكثير من المآسي لهذه الحركات، فصار أبناؤها إلى السجون والمعتقلات، ونظرت النظم إليهم بشك عميق؛ لأنهم كانوا منافسين لفقهاء السلطان على قلوب الناس، فاشتركت المؤسسات الدينية مع السلطة في اضطهادهم، فظهرت هذه الجماعات في نظر الناس على أنها ضحايا البطش الحكومي، ولكن لم يهتم أحد من الباحثين بدراسة مستقبل العلاقة بين الجماعات الإسلامية والحكومات، على ضوء تطور المنطقة والشعوب والنظم، ولكن على كل حال لم يتطوع أحد للدفاع عن ضحايا النظم من الإسلاميين، مما أشعرهم أنهم وحدهم في الميدان، وأنهم يحتسبون ذلك عند الله.

فكان الانفصال كاملاً بينهم وبين الناس من زاوية علاقتهم بالسلطة، ورغم نفعهم المحقق لشعوبهم، فإنهم عانوا وحدهم من بطش السلطة مما فتّ في عضد بعضهم فخرج متبرئاً أو تعاون مع سلطات الأمن، التي حرصت على شق الصف الإسلامي.

ولا يتسع المقام لبيان موقف المسيحيين أو اليهود المصريين مثلاً في مصر من علاقة الإخوان المسلمين بالسلطة حتى أواخر أربعينيات القرن العشرين.

الحقيقة الثالثة: هي أن بعض قيادات التيار الإسلامي، خاصة الإخوان المسلمين، قد شعروا أن الدخول إلى السلطة من أي طريق يمكن أن يؤدي إلى استئناسها وتوفير الحماية اللازمة من بطشها، أو التسلل إليها وأسلمة عناصرها.

وكان ذلك واضحاً في خطاب الإخوان المسلمين خلال ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، عندما همّ المرشد العام بالترشح في عضوية مجلس النواب، كما كان ذلك واضحاً في مثل أحدث عندما قررت حركة حماس خوض الانتخابات التشريعية في فلسطين في يناير/كانون الثاني 2006.

الحقيقة الرابعة: هي أن الغرب بدأ يهتم بهذه الحركات الإسلامية ويسهم في إنشاء بعضها، ويدفع بها إلى صفوف المواجهة مع النظم في المنطقة تارةً بسبب عدم سماح هذه النظم بإنشاء معارضات مدنية، وتارةً أخرى؛ لأن الغرب أراد أن يستفيد من هذه الجماعات في الضغط على الحكومات إذا خرجت عن الطوق، ولذلك بدأت مراكز البحوث الغربية على الأقل منذ سبعينات القرن الماضي ومع تحوّل بعض شعب التيار الإسلامي إلى المعارضة المسلحة، فنشأ ما يسمى بالإرهاب، وهو الموجة الجديدة التي اهتمت بها مراكز الأبحاث الأوروبية، وظهر ذلك جلياً عندما شعرت بعض الأجنحة في الحركات الإسلامية، خاصة الشباب، بأنه لا يمكن تغيير النظم أو تعديل سياساتها بطريقة سلمية، فعمدت إلى تكفير المجتمع كله والخروج عليه، وكان ذلك هو الخطأ الفادح الذي وقعت فيه.

الحقيقة الخامسة: أن الإخوان المسلمين قد أبدوا بسالة مشهودة في محاربة الإنكليز في مصر في منطقة القناة عندما فشلت مصر في حمل بريطانيا دبلوماسياً على الرحيل وإنهاء معاهدة 1936 التي انتهى مفعولها وأسبابها.

كذلك أبلى الإخوان المسلمون بلاءً حسناً جنباً إلى جنب مع شباب الجيش المصري في حرب فلسطين عام 1948، وتشير أغلب التقديرات إلى أن تحالف الإخوان مع الجيش كان يمكن أن يمنع قيام إسرائيل، وأن الشرارة الأولى في احتكاك الإخوان بالسلطة، والذي انتهى بمقتل النقراشي باشا رئيس الوزراء المصري، ومقتل حسن البنا المرشد العام للجماعة، هو بداية العلاقة المتغيرة بين الإخوان والجيش.

ولا شكّ أنه كتب الكثير عن دور الإخوان المسلمين مع الجيش في ثورة 23 يوليو/تموز والصدام المروع بينهما عام 1954 و1965، وأثر النكسة في تحول الأقدار في التيار القومي والإسلامي، ثم التحالف بين الجيش والإخوان بعد ثورة 25 يناير 2011 ثم الصدام المروع بينهما في مذابح رابعة والنهضة عقب عزل الدكتور محمد مرسي في 3 يوليو/تموز 2013.

الحقيقة السادسة: هي أثر قيام إسرائيل والحروب معها على مسار العلاقة بين التيارات الإسلامية والنظم في مصر والأردن.

الحقيقة السابعة: هي ضرورة الإحاطة بأسباب مخاوف الغرب من نمو التيارات الإسلامية وارتباط ذلك بالإرهاب "الإسلامي" وصورته الحاضرة هي داعش والقاعدة والنصرة.

الحقيقة الثامنة: تنامي الوجود الإسلامي في الشارع العربي بعد ثورات الربيع العربي واكتساح هذا التيار لأول انتخابات تشريعية في مصر بعد الثورة، والصراع بين تصورات التيار الإسلامي وبين قوى الدولة العميقة والثورة المضادة، وتطور صورة التيار الإسلامي في مصر مثلاً على ضوء أحداث الفترة من يونيو/حزيران 2013 حتى الآن.

تلك مقدمة ضرورية لمناقشة معنى ومدلول وآثار الفصل بين النشاط الدعوي أو الديني، وبين النشاط السياسي عند التيار الإسلامي، خصوصاً الإخوان المسلمين، خاصة أن بعض قيادات جماعة الإخوان في مصر قد رحبت مبدئياً بالتحول الذي اقترحه الشيخ راشد الغنوشي على حركة النهضة في تونس، ومن المبكر جداً إدراك أبعاد هذا التحول ومدى توافقه مع اتجاهات الحركة الإسلامية بعدما حل بها في مصر، وأثر صورة داعش لدى المدركات العربية والإسلامية على صورة الإسلامي بشكل عام، والارتباط بين ضرب التيار الإسلامي والغرب وازدهار التيار الليبرالي والعلماني؛ لأن هذه هي الساحة التي يقدم فيها التيار الإسلامي نفسه إلى المواطن العربي بعد التشويه لفترة طويلة الذي أصاب صورة الإسلامي والليبرالي على حد سواء.

ولذلك فإن هذا الموضوع يحتاج إلى حلقات وإلى طرح القضايا الشائكة، وفي نهاية المطاف هو رهان على الشارع العربي، وهل إذا تجرد الإسلامي من أوراقه الدينية يمكن أن ينافس العلماني في مجال السياسة أم أنه فقد أوراق قوته وصار للمعركة أبعاد أخرى؟ هذا ما سوف نتبينه في الحلقات القادمة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.