المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. عبدالله الأشعل Headshot

دلالة الخطاب في النص القرآني

تم النشر: تم التحديث:

الخطاب في النص القرآني له معنيان؛ المعنى الأول هو النداء والمعنى الثاني هو مُجمل الرسالة التي يريد القرآن الكريم نقلها إلى الناس. في هذه المقالة، نركز على نداء واحد ودلالته وهو "يا أيها الناس...".

وقد حفلت آيات الذكر الحكيم بهذا النداء، وإذا أردنا أن نمد البصر قليلاً نجد أن خطاب الناس يتساوى مع خطاب الإنسان "يا أيها الإنسان"، ومن المعروف أن هناك اختلافاً بين الناس والإنسان، ولكن الخطاب يسوّي بينهما في معنى أن الإنسان هو المخلوق، وأنه في كل المواضع التي ورد فيها ذكر الإنسان كان للوم أو الوصف والخصائص، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: "إن خلقنا الإنسان من نُطفة"، فهو حقيقة، ولكن عندما يقول المولى سبحانه وتعالى: "يا أيها الإنسان ما غرَّك بربك الكريم"، فإن ذلك لوم وتقريع بخلاف ذكر الإنسان بغير نداء مثل: "ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه".

والإنسان هو النوع قبل التكليف الذي نزلت به الرسالات على حقب مختلفة. إذا كان الإنسان في طبيعته قبل التكليف حقيقة، فإن هذا الإنسان بعد التكليف يتخذ موقفاً من هذا التكليف؛ ولذلك لم يتحدث القرآن بالنداء على المسلمين، وإنما تحدث عن المؤمنين مع الفارق بين الإسلام والإيمان.

وأما مصطلح "الناس"، فهو الإنسان وقد تجاوز النوع والطبيعة إلى الاجتماع والتفاعل. والرجوع للإنسان أو الناس يسوي بين الاثنين قبل التكليف؛ ولذلك فهو خطاب عام لا يتوجه إلى أنصار تكليف معين أو رسالة معينة، وإنما يبدأ بالطبيعة والجذور، مما يجعل الخطاب عاماً ومطلقاً، وهو أصل الخلقة قبل مظاهر الاجتماع كاللغة والثقافة واللون والحضارة والانتماء الديني.

هكذا خاطب القرآن الكريم الإنسان بشكل مطلق على أساس أن الناس في القرآن هو الإنسان، ويظل التراوح بين الناس والإنسان في الخطاب القرآني ينتج المعاني والدلالات، كما أن اتحاد الإنسان والناس يدل على أن الجن هو الطرف الآخر لقوله تعالى في سورة الناس: "من الجِنّة والناس".

الناس أو الإنسان تدل على وحدة الأصل قبل الاجتماع والتكليف؛ ولذلك فالإنسان في كل مجال وعصر هو الإنسان، يختلف حظه من المُكتسبات الحياتية، بحسب البيئة وبحسب النشأة، ولكن التشريح والتكوين البيولوجي يقطعان بأن الإنسان واحد وأنه يولد متساوياً مع غيره، وأنه بعد الولادة مكتسب، وهذا هو الأساس الذي يهدر دعاوى التفوق العِرقي والعنصرية وغيرها.

هذا الإنسان في أي مكان وزمان يمر بدورة واحدة لا تعطلها اختلافات البيئات والأقدار البشرية، وهذه الدورة هي أن الإنسان من الأرض ويعيش في الأرض ويعود إلى الأرض، وهي قاعدة تنطبق على كل إنسان ميلاداً وحياةً وموتاً وبعثاً وحساباً، لن يفلت منها إنسان؛ ولذلك لا بد أن نردّ البشرية إلى مظاهر الوحدة، إلى الإنسان الذي له خصائص مُتدنية ولكن الله هو الذي كرمه حتى يظل شاكراً له مديناً لله لرفعه الإنسان من ضعة.

ومن أبرز صور النداء على الناس في القرآن الكريم قوله تعالى:
أولاً: قصة الخلق: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى".
ثانياً: مسألة العبادة لقوله تعالى: "يا أيها الناس اتقوا ربكم"، وقوله تعالى: "يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم".
ثالثاً: القَسم لموازنة طبيعة الإنسان والتثبيت في قوله تعالى "وفي السماء رزقكم وما توعدون"، وليس في ذلك نداء، ولكن إذا كان من طبيعة الإنسان النسيان وعدم التصديق، فقد أقسم الله على هذه الحقيقة بقسَم خاص في قوله تعالى: "فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.