المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. عبدالله الأشعل Headshot

مغزى الجدل حول هوية مصر الإسلامية (1)

تم النشر: تم التحديث:

كثر الجدل حول هوية مصر في الفترة الأخيرة: إسلامية أم علمانية؟ وارتبط هذا الجدل بالعداء للتيارات الإسلامية تارة والإسلام تارة أخرى، كما ارتفعت حدة الجدل وأغرت البعض بالنيل من الإسلام بصور مختلفة، كما شمل الهجوم انتقاد بعض المؤسسات الدينية، وعلى رأسها الأزهر.

لوحظ في الوقت نفسه، اتجاه عدد من الشباب إلى الإلحاد وفتح منافذ الإعلام أمامهم للتشكيك في الدين، كذلك لوحظ ظهور عدد من مشايخ الأزهر الذين أدلوا بأحاديث وفتاوى لها طابع سياسي، وكان أبرز هؤلاء شخصان؛ أحدهما قال إن السيسي ومحمد إبراهيم من أنبياء الله وإنهما موسى وهارون! والذي قال بذلك ليس شخصاً عادياً وإنما أستاذ في الفقه المقارن بجامعة الأزهر تنفسح أمامه وسائل الإعلام كافة، ويتطلع الشباب إلى ليبرالية الدين في الفتاوى.

الثاني، فهو عَلم من أعلام العلوم الدينية وله إسهام وافر في الدراسات الفقهية، قام يكفّر فئة سياسية علناً ويحرّض على قتلهم ويحبِّب قتلهم بفتوى أن من قتلهم فهو في الجنة ومن قتلوه فهو في الجنة، ويردد الناس قولته المشهورة "طوبى لمن قتلهم وقتلوه".

وتشير السوابق إلى أن هذا العَلم الديني كان منذ عدة سنوات يُنكر وضع الشهيد على الشباب الذين يفرّون من مصر إلى أوروبا ثم يغرقون بين الجنة والنار في البحر المتوسط، وقال إنهم جشِعون، فاضطر مجمع البحوث الإسلامية، بكل علمائه الأجلّاء، إلى أن يصدر قراراً بأن هؤلاء الشباب شهداء.

وقد لوحظ في هذا الصدد، أن الشهادة تأتي بقرار من السلطة فتخلع الشهادة على من تشاء وتنكرها على من تكره. وبصفة عامة، صار المعارضون كلهم قتلى بينما من قتلهم من رجال السلطة هم الشهداء الذين مهّدت لهم طرق الجنة فى الدنيا والآخرة. والشيء بالشيء يُذكر، فإن مجمع البحوث الإسلامية كان قد أفتى بأن جدار مبارك الفولاذي الذى بُني ليحجب المياه الجوفية عن غزة، في نظر المجلس مطابق لأحكام الشريعة الإسلامية.

انخرط آلاف الشباب المسلمين في أعمال أرهابية حقيقية بقطع النظر عن الدوافع والظروف حتى ظهرت "داعش"" وأخواتها ممن يقتلون ويغتصبون بتكبيرة "الله أكبر" وبفقه خاص بهم، يعتمد هو الآخر على القرآن والسنّة، وقد عزز هذه الصورة البشعة للإسلام والمسلمين التعقيداتُ السياسيةُ الناجمةُ عن الحاكم المستبد العربي عموماً كما في سوريا والعراق والذين أنكروا على شعوبهم الحرية والرخاء وأحلوا قومهم دار البوار.

ارتبطت هذه الموجة بأطماع سياسية عربية وأوهام الزعامة ومخططات إسرائيل وإنكار العدالة وغياب القانون وحلول المظالم، ونشط الاتجار بالدين من جانب الجميع دون استثناء حتى صار الدين مطيةً لكل المظالم، وعصابات الإفتاء جاهزة بأوراق اللعب في كل مكان! وهكذا صار القاتل مسلماً باسم الله والقتيل مسلماً باسم الله والأرض إسلامية تُستباح فيها الحرمات ودور العبادة وحقوق الله جميعاً.

فلا غرابة والحال كذلك، أن تهتز صورة الدين في عقول الشباب، تعززها ضغوط الواقع الأليم الذي خلقه المستبدون الذين طوّروا ثورة مضادة لثورات الشعوب فأنتجت هذه الحالة من عدم اليقين، وهي مصداق لتحذير الرسول الكريم من أنه ستمر الأمة بعصر يكون فيه القابض على دينه كالقابض على الجمر، وتتكالب الأمم على هذه الأمة وتتواثب عليها كما يتواثب الأَكَلة على قصعتها قالوا: أمن قلة يا رسول الله؟ قال: كلا، ولكنكم ستكونون كثرة كغثاء السيل.

في ظل هذه الظروف التي أُضيف إليها في مصر تفرُّق ثوار الأمس والأزمة التى حلت بالبلاد لأسباب عديدة، من ضمنها عدم يقظة التيار الإسلامى ونضج مفاهيمه السياسية وعدم إدراك خصوصية الوضع المصري، أدى إلى دخول الكنيسة والأزهر دخولاً مباشراً في القضايا السياسية الجدلية، والارتباط بشكل كامل بالحاكم، وبشكل غير مباشر بسياساته الجدلية في المجال الإسلامي.

هذا المناخ الذي شاع في الإعلام والحياة العامة، بالإضافة إلى مواقف وزارة الأوقاف وغيرها، دفع وزير الثقافة وبعض وزراء الثقافة السابقين إلى تأكيد أن مصر كانت دائماً دولة علمانية، وفُهم هذا التصريح على أنه جزء من الحملة على التيارات الإسلامية، ولكنه أعاد البحث مرة أخرى في هوية مصر، خاصةً مع اتجاه نظام الحكم إلى التقارب مع إسرائيل ومع الغرب، وقد فُهم أن هذا التصريح وتصريحات أخرى لمسؤولين أكبر سوف تجعل النخبة الحاكمة تبدو ليبرالية مقبولة في نظر الغرب وتشي بأن التيار الإسلامي كان يتجه إلى إدخالها أو إرجاعها -كما يقولون- إلى عصور الظلام.

ذلك تمهيد ضروري لمقالة أخرى حول مغزى "هوية مصر الإسلامية أم العلمانية؟"، وخطأ هذا التصنيف من الناحية العلمية.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.