المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. عبدالله الأشعل Headshot

إشكالية العلاقة بين الدستور ونظام الحكم في مصر

تم النشر: تم التحديث:

من أهم إنجازات ثورة الشعب في يناير/كانون الثاني 2011، أنها فتحت الباب لتحصيل المعارف عن الدستور، ذلك أن المعلومات عن الدستور والحاكم والنظام السياسي كانت من إطلاقات الحاكم ولا شأن للشعب بكل ذلك ولا يرى الشعب إلا ما يُريه الحاكم إياه. وقد سقط الإله في تاريخ مصر المعاصر مرتين؛ الأولى عام 1967 حين سقط المعبد وفرَّ الكهنة واتضح أن الإله المزعوم كان من نسيج خيال الكهنة حتى تظل لهم شرعية الحكم والوساطة بين الإله المزعوم والحاكم.

المرة الثانية حين فسد الحاكم الإله وسرّع في توريث الفساد وتآكل الدولة، واختار شرم الشيخ مستقراً مؤقتاً لحين ترتيب أوضاعه، فصارت سيئة السمعة عندما تكرست بها صور الحاكم العسكري الفاسد، الكنز الثمين لأعداء الجيش الذي خضبت دماء شهدائه رمال سيناء.

وكانت أهم المشاهد المخزية لهذا الحاكم، أنه شرب مع قادة أوروبا نخب المحرقة الصهيونية لغزة في يناير/كانون الثاني 2009 قبل أن يحتفلوا مع رئيس وزراء إسرائيل أولمرت في عشاء فاخر بهذه المناسبة، خاصة أن ألمانيا وبريطانيا ودولاً أخرى أمدّت إسرائيل -القوية المغتصبة والمعتدية- بالسلاح لاستكمال عملية إحراق غزة.

هذا الوضع لم يترك للشعب الذي ظنه الحاكم هامداً، ولا للجيش الذي افترض الولاء المطلق له أن يتضامنا -ولو بشكل غير مباشر- لإزاحته. ولكن المعارضة استُدرجت لكي تتحدث عن الدستور وتعديله وركزت على أن مبارك أراد أن يستخدم الدستور وتعديله لتوريث نجله جمال، فصار الدستور هو المشكلة وليست المشكلة هي في عدم احترام الحاكم في مصر للدستور والقانون وأنه في الحقيقة هو من وضعهما واستأنس القضاء، فلا رقيب عليه.

ولذلك عندما قامت الثورة في يناير/كانون الثاني، كان المطلب الأول هو وضع دستور جديد، مع العلم أن دستور 1971 لا يحتاج إلا إلى تعديلات بسيطة ثم يلزم شعور الحاكم بقدسية الدستور وبوعي الشعب بهذا الدستور؛ حتى تتجاوز رقابته استئناس الحاكم أحياناً للقضاء الدستوري أو التحايل على أحكامه.

هكذا بدأ الشعب المصري يهتم بالدستور، ولكن المجلس العسكري والإخوان أصرا على تعديل الدستور في المرحلة الأولى وتطبيق الإعلان الدستوري الذي وضعه المجلس ولم يتم الاستفتاء على أحكامه الاثنتين والستين، في عملية غامضة لم تخفَ أيضاً عن الشعب الثائر على قدسية الحاكم في كل المستويات، بدءاً برئيس الدولة وانتهاء برئيس العمال.

فلما وُضع دستور 2012 وسط حالة من التشكيك السياسي، كان الشعب قد استقر في ذهنه بفعل الإعلام أن المشكلة بمصر هي في اتساع سلطات رئيس الجمهورية، وأن الحل هو في تحويل الرئيس إلى رئاسة شرفية.

المعنى العلمي لهذا التحول هو الأخذ بالنظام البرلماني، والمعنى التاريخي لهذا التحول هو عودة مصر إلى نظام ما قبل يوليو/تموز 1952؛ للحد من سطوة الحاكم الذي يستند إلى أدوات القوة وليس شرعية الصندوق وحرية الانتخاب، فشعر المواطن بأن صوته لا قيمة له؛ لأنه يتم تزوير إرادته، وتلك هي الشرارة لثورة يناير/كانون الثاني 2011 ضد حاكمٍ أدمن تزوير إرادة الناس منذ عام 1952.

وربما ربط البعض بين الحكم الجمهوري العسكري الديكتاتوري فوقع في التناقض بين توصيف 23 يوليو/تموز وقدسية عبد الناصر عند حوارييه، والاستبداد دون وضوح الفساد في مرحلة يشفع فيها عداء عبد الناصر لإسرائيل وتمسُّكه بالاستقلال الوطني ولو بطريقة عصبية غير مدروسة، ولكن الرجل استجاب للغرائز السياسية للمصريين في السعي إلى الوحدة العربية ومعاداة إسرائيل والانتصار لحقوق الفلسطينيين وتحقيق الاعتماد الذاتي وتطبيق العدالة الاجتماعية بمفهوم معين، والشعور بالاستقلال والتحدي للحكم الاستعماري والاقتراب من العامة مما أكسبه شعبية كاسحة لم تترجم إلى انتخابات حرة.

والسؤال الملحّ: ما علاقة الدستور بنظام الحكم في مصر منذ 1952؟ هل الدستور هو الذي أنشأ النظام أم أن النظام هو الذي وضع الدستور؟

من الواضح أن دستور 1923 هو الذي أدخل الملكية الدستورية؛ أي إن الملك يملك ولا يحكم، وهذا النظام البرلماني، الذي يتيح للشعب من خلال الأحزاب السياسية والانتخابات الحرة أن يشكل الحكومة المسؤولة أمام البرلمان ويلتزم الملك وجميع المؤسسات بهذا الدستور.

ولذلك، ظل الصراع قائماً طوال عمر الدستور في الأعوام العشرين اللاحقة، حتى تعطيله بحركة الجيش عام 1952، بين الملك من ناحية والبرلمان من ناحية أخرى. كل منهما يريد أن يؤكد هيمنته؛ الملك بتعديل الدستور أو تعطيله، والبرلمان بالدفاع عن الدستور، خاصة أن للدستور رمزيةً كبرى في تاريخ الحركة الوطنية بمصر، إلى الآن الدستور هو أساس استقلال مصر وأهمُّ ثمرات تصريح 28 فبراير/شباط وضحّت من أجله الأجيال.

منذ 1952، حدثت نقلة كبرى، فصار الحاكم غير مقيد وهو الذي وضع الدستور، وأحل النظام الجمهوري محل الحكم الملكى، مع فارق هام هو أن الحكم الجمهوري يشي بالاقتراب من حكم الشعب ويعبر عنه بالنظام الديمقراطي، ولكن مصر لم تعرف الديمقراطية من أي نوع منذ 1952؛ بل عرفت حكماً وراثياً في القيادة العسكرية ولم يكن للشعب دور مطلقاً في وضع الدستور أو السلطة وتداولها، وهذا هو المعنى الكبير لثورة 25 يناير/كانون الثاني، وهو المطالبة بدستور يحوِّل مصر من النظام الرئاسي الذي يضع فيه الرئيس الدستور ويؤثر على تشكيل البرلمان ويعيّن الحكومة ويمتد نفوذه إلى القضاء، إلى نظام برلماني يتولي فيه الشعب السلطة من خلال الأحزاب السياسية والبرلمان المنتخب انتخاباً حراً.

وهذا يتطلب وعي الناس وحياة سياسية سلمية تسمح بعمل سليم للأحزاب واحترام للقانون ولإرادة الناس وحق المواطن في حرية الانتخاب.

فماذا حدث؟
أخذ دستور 2012، ودستور 2014 بالفعل، بنظام شبه برلماني أو شبه رئاسي وصولاً إلى نظام برلماني كامل عندما تتهيأ البلاد، ولكن المشكلة هي أنه بينما أزاحت ثورة يناير/كانون الثاني نظام مبارك وظهر التيار الإسلامي وأبرزهم الإخوان، فإن ما حدث في 30 يونيو/حزيران و3 يوليو/تموز هو إزاحة للإخوان والتيار الإسلامي وتمكين لنظام مبارك الذي لعب دوراً محورياً في يونيو/حزيران بعد أن قبل ثوار يناير/كانون الثاني أن يحل مبارك محل الإخوان شركاء يناير/كانون الثاني.

أما ما يسمى القوى المدنية، فوضعها ضعيف من حيث الشعبية وكانت دائماً تصْعد فقط بالتحالف مع التيار الإسلامى. وعندما يتصدر نظام مبارك مجلس النواب بالأساليب الملتوية نفسها والعزم على استئناف الفساد والانتقام ممن ثاروا عليهم- فإنها تعيد مصر إلى أوضاع ما قبل ثورة يناير/كانون الثاني، وعلى النظام أن يختار: إما مساندة نظام مبارك ضد الشعب، وإما مساندة الشعب ضد نظام مبارك، وإتاحة الفرصة لكل القوى أن تنافس بحرية نحو تشكيل برلمان يُصلح ما فسد في مصر.

قبل أن نصل إلى هذا الموقف، اقترحتُ تفادي العبث بالدستور وتأجيل تطبيقه حتى يتهيأ المجتمع لانتخابات سليمة. وقد أفاض الأستاذ هيكل في إلقاء الضوء على محنة الدستور بين من بشَّروا به وبخير مصر في ظله والقوى نفسها التي تطالب بتعديله دون أن يسري يوماً واحداً. نحن بحاجة في المستقبل إلى دستور يشكِّل النظام وليس نظاماً يضع الدستور فيكون كالصنم يأكله أو يكسره إذا عجز الدستور عن تحقيق أهدافه.

نقطة البداية في مصر، هي تطبيق الدستور القائم بحسن نية واستخدامه ضد محاولات التستر به للعصف بمصر والمصريين.

إن مصر بحاجة إلى إنشاء نظام سياسي يحل محل نظام الحكم الذي ساد مصر منذ عام 1952، يكون فيه للشعب وعي وحرية اختيار الحاكم والبرلمان ويتمتع فيه القضاء بالاستقلال والفصل بين السلطات والجدية والموضوعية في إدارة البلاد.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.