المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. عبدالله الأشعل Headshot

لعنة تيران وصراع أجنحة القضاء في مصر

تم النشر: تم التحديث:

يبدو أن لعنة تيران من لعنة الفراعنة، سوف تلحق بكل من تجرأ عليها سياسياً أو قضائياً. فقد حسم القضاء الإداري، المختص ولائياً، هذه القضية وقرر أن السلطة التنفيذية تنازلت عن الجزر وأن هذا التنازل نفسه وبأداته وهي مشروع الاتفاق باطل ومحظور دستورياً وفق دستور 2014، ثم نازعت الحكومة في هذا الحكم، وسط حالة من القهر على قبول هذا التنازل بأي ثمن.

والمؤلم أن الحكومة لا تريد أن تعترف بأن تصرفها يعتبر تنازلاً؛ بل هو من أعمال السيادة التي يمتنع على القضاء أن يراجعها أو يصدها. ولو تنازلت لكان هناك مقابل سياسي أو مالي، والمتنازل هو الذي يملك، والذي يملك هو أجيال المصريين وليس جيلاً بعينه، فما بالنا بالحكومة في هذا العصر التي يُفترض أنها وكيل عن هذا الجيل وتريد أن تغتصب سلطة التصرف في الأرض فإذا كان الجيل بأكمله لا يملك، فكيف بحكومة يفترض أنها الوكيل تدعى سلطة أعلى من الأصيل؟!

وهذا هو الترجمة العملية والقانونية لمبدأ "الشعب مصدر السلطات". وقد أحسنت محكمة القضاء الإداري في فهمها لمعنى "الشعب" ونطاقه، فمدت المعنى إلى كل الأجيال؛ حتى تستبعد حتى الاستفتاء؛ لأن هذا الجيل لا يملك منح سند التصرف في أرض تملكها أجيال. ولو كان هناك نزاع من جانب السعودية فليكن نزاعاً مع السلطة المصرية وهى وكيل هذا الشعب، إنما الأدهى أن الوكيل لم يعد يمثل الأصيل وأنه يتصرف تصرفاً باطلاً دون سند من قانون أو دستور.

الأدهى من ذلك، أن الحكومة لم تتنازل قط تنازلاً صريحاً، وإنما ادعت أن الجزر لم تكن يوماً مصرية، بأن أسقطت نسبها إلى مصر رغم الحقائق الدافعة، وهذا ادعاء بالغ الخطر؛ لأنه يعني أن ملفات الدولة المصرية كافة ليست دقيقة وأن هذه الحكومة فقط هي التي اكتشفت زيفها، ولأنها حكومة تعشق الحق والقانون فقد اعترضت بأن الجزر سعودية وأن السعودية أودعتها أمانة لدى مصر تدافع عنها بقصور في قدرة السعودية على حماية الجزر، فلما بلغت الرشد وصارت في وضع مختلف ردَّت مصر لها الأمانة.

وهذه قصة لا تليق في علاقات الدولة ولا تنطلي على أحدٍ. السبب بسيط؛ لأنه لو صحت الرواية وتيران شكَّلت كل تاريخ مصر المعاصر من المعارك والتضحيات لما تركت واشنطن ناصر يتصرف في تيران ما دامت ليست ملكه، ولوفَّرت علينا كل تلك الآلام التى تحملتها مصر.

المهم، أحسنت محكمة القضاء الإداري في بلورة حق مصر دون أن تتعرض للسعودية؛ لأنها ببساطة ليست طرفاً، فصار الحكم هادماً وتحدياً لموقف السلطة، فلم تسلِّم بالهزيمة وحشدت أنصارها في معركة أخرى بالمحكمة الإدارية العليا.

ولكن أحد المواطنين الشرفاء، غالباً من أتباع فريق الحكومة الحريص على ألا تغتصب مصر حق السعودية في الجزر، رفع دعوى أمام محكمة الأمور المستعجلة ولم يصبر حتى تستنفد محاكم مجلس الدولة سلطتها في نظر المنازعة، فقررت هذه المحكمة أنها هي أصلاً المختصة وأن محكمة القضاء الإداري اغتصبت سلطتها وصدر حكم من غير مختص ولائياً.

كما قررت هذه المحكمة وقف تنفيذ الحكم الذي اعتبرته معدوماً وباطلاً بسببين؛ السبب الأول أن المحكمة التى أصدرته غير مختصة وهي محكمة القضاء الإداري، والسبب الثاني أن قرار الحكومة بالتوقيع على مشروع اتفاق التنازل عن الجزر هو ممارسة صحيحة لعمل من أعمال السيادة التي لا يجوز لأي محكمة نظرها أو مراجعتها.

هذا الصدام يعكس حالة السيولة القانونية التى تعيشها مصر الآن، وسوف يكون مادة خصبة لطلاب القانون العام، وأنصح بحجز الموضوع لرسالة دكتوراه قريباً من جانب أحد الطلاب المؤهلين.

لكن المشكلة الراهنة تتمثل في 3 أمور:
الأمر الأول: إذا تصادم القضاء الإداري مع القضاء العادي المستعجل على هذا النحو، فمَن يحل الإشكال بعدما وقع، بصرف النظر عن مخالفة القضاء المستعجل لقواعد الاختصاص الولائي؟

الأمر الثاني: هل يليق بأن يحدث هذا بمصر في قضية يتابعها العالم كله ويحسمها الشعب وليس القضاء، ولا يتحرك التفتيش القضائى بوزارة العدل.

الأمر الثالث: إذا كانت وزارة العدل توافق على موقف القضاء الإداري المستعجل، باعتباره مسانداً لموقف الحكومة، فلماذا إذاً يتم الطعن من جانب الحكومة على الحكم الإداري نفسه الذي تم اطاله في نظر محكمة الأمور المستعجلة، ومن حسن الحظ أن المحكمة نشرت حيثيات حكمها خلواً من أي مبرر؛ لتجاوزها حكم المادة الـ190 من الدستور أو أي مبرر للاستعجال، خاصة أنه يُنتظر أن يصدر حكم الطعن أمام "الإدارية العليا" بعد أيام قليلة (8 أكتوبر/تشرين الأول 2016).

لن أعلق على حكم القضاء المستعجل في هذا المقام، ولكن هذا الحكم لا قيمة له من الناحية القانونية؛ بل سيظل من علامات مرحلة من "الازدهار" القضائي واستغلال القضاء في هذا العصر.

أما تنفيذ حكم القضاء الإداري ببطلان تصرف الحكومة في الجزر أو عدم تنفيذه، فهذا يدخلنا إلى منطقة ضبابية في ملف تلحُّ الحكومة على دفعه وفق رغباتها دون شفافية وبلهفة تثير الكثير من علامات الاستفهام.

إن لعنة تيران سوف تلحق بكل من فرط قولاً أو فعلاً في حق مصر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.