المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. عبدالله الأشعل Headshot

الخطايا الدستورية والوطنية في ملحمة تيران وصنافير

تم النشر: تم التحديث:

في الدين والسياسة هناك أخطاء وهناك خطايا تسمى الكبائر الدينية والسياسية. والكبائر هي حدود الله في الدين وحدود الوطن بالسياسة، ولذلك فإن استباحة هذه الحدود في الدين وبالسياسة تعتبر خطايا في حق الله وبحق الوطن. والذي حدث في تيران وصنافير هي خطايا دستورية ووطنية وسياسية. والفرق بين الخطيئة السياسية والخطيئة الدستورية هو فرق بين انتهاك الدستور وخطأ الحسابات السياسية، ولذلك فإننا نحدد في هذه المقالة الخطايا الوطنية والدستورية التي ألمت بمصر في ملحمة تيران وصنافير.

الخطيئة الأولى هي إعلان الحكومة المصرية فجأةً إسقاط الجنسية المصرية عن تيران وصنافير.

الثابت يقيناً أن تيران وصنافير مصرية وأن إعلان الحكومة المصرية يوم 8 أبريل/نيسان 2016 كان متناقضاً؛ حيث تضمن أن الجزر كانت سعودية وهي أمانة لدى مصر وأن السعودية طلبتها فأوفت مصر بردّ الأمانة. في الوقت نفسه، قال بيان الحكومة إن تيران وصنافير صارت في المياه الإقليمية السعودية بعد ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وهذا يعني أن الجزر مصرية ولكن عملية الترسيم المنطوية على نية التنازل عن الجزر هي التي نقلتها من الملكية المصرية إلى الملكية السعودية.

الخطيئة الثانية هي تقديم الحكومة مبررات لسحب الجنسية من تيران وصنافير أوهى من عش العنكبوت وتعد عاراً على الحكومة إلى قيام الساعة.

الخطيئة الثالثة أنه رغم أن السعودية لا علاقة لها بالجزر فإن التصرف في الجزر على هذا النحو خيانة للوطن وإضعاف لمركز مصر الاستراتيجي وإهدار لقناة السويس لصالح إسرائيل.

الخطيئة الرابعة هي تجنيد الحكومة مؤسسات الدولة وبعض المنتفعين، خاصة في مجلس النواب، للترويج لسعودية الجزر المصرية؛ بل وتزوير المستندات ومنع الوصول إلى المستندات الحقيقية؛ لإيهام الرأي العام بأن التنازل عن تيران وصنافير خدمة للمصلحة العليا المصرية، وبذلك تصرف النظام بحساباته المنفعية الخاطئة ضد المصالح الاستراتيجية للوطن.

الخطيئة الخامسة هي تلقين شباب القوات المسلحة والمؤسسات والرأي العام معزوفة أن الوطنية هي التنازل عن الجزر ووضع مصداقية الرئيس والحكومة على المحك.

الخطيئة السادسة هي المنازعة بالمحاكم والاجتهاد في الدفاع عن سعودية الجزر المصرية.

الخطيئة السابعة هي إتمام الصفقة بين السيسي ومحمد بن سلمان عام 2015 في غيبة أي شروح، وكان أشرف للحكومة أن تعلن أن أزمة مصر الاقتصادية -وهي من صنع الحكومة- هي التي ألجأتها إلى بيع الجزر، خاصة أن إسرائيل أعلنت -وكذلك الصحف الأميركية- أن الجزر هدية بمناسبة زيارة الملك سلمان لمصر واعترافاً بجميل السعودية على النظام الذي جاهرت السعودية والإمارات بمساندته في مصر، وحددت المصادر الإسرائيلية ثمنين هما 12 و16 مليار دولار، والمطلوب معرفة أين ذهبت هذه الأموال.

الخطيئة الثامنة هي المخالفة الدستورية الأولية بتوقيع الوزراء، وليس الرئيس، على ما يسمى اتفاق ترسيم الحدود، وهو في الواقع ليس اتفاقاً؛ لأنه وُقِّع على محل باطل يتضمن التنازل عن الجزر، وهو إجراء باطل بحكم الدستور وتغدو هذه الورقة خالية من أي قيمة قانونية.

الخطيئة الدستورية التاسعة هي الطعن في حكم "الإدارية العليا" أمام محكمة الأمور المستعجلة غير المختصة، وهذا إهدار لحجية الحكم النهائي الصادر من "الإدارية العليا"، الذي كان يتعين احترامه كما تزعم الحكومة دائماً أنها تحترم الدستور وأحكام القضاء.

الخطيئة العاشرة هي إصرار الحكومة على تمرير الصفقة رغم أنف الشعب والدستور وأحكام القضاء، وهي في طريقها إلى ذلك دمرت المؤسسة القضائية وورطت المحكمة الدستورية، فأظهرت عورات مجلس النواب، فهو إهدار لقيمة البرلمان واعتداء على مصداقية القضاء والبرلمان، وتغوُّل من جانب السلطة التنفيذية على بقية سلطات الدولة، وهو ما يعني العمل خارج دائرة الشرعية الدستورية.

الخطيئة الدستورية الحادية عشرة التي ارتُكبت مع سبق الإصرار والترصد، الانتهاك المباشر للقَسم وأحكام الدستور التي تُلزم كل مسؤول باحترام الدستور وصيانة أراضي الوطن وسلامته وليس التفريط فيه.

الخطيئة الدستورية الثانية عشرة هي إغفال حكم "الإدارية العليا"، وانتهاك الدستور بإحالة سند الصفقة المسمى اتفاق الترسيم، من جانب رئيس مجلس الوزراء، إلى البرلمان مع أن الدستور ينص على أن الرئيس هو الذي يحيل وليس رئيس الوزراء؛ فالإحالة باطلة والورقة المحالة باطلة وطريقة الإحالة باطلة، ونظر مجلس النواب لهذه الورقة إجراء باطل، والبطلان عادة هو عقوبة التصرف المخالف للدستور والقانون.

الخطيئة الثالثة عشرة هي إقرار رئيس الجمهورية لتمرير مجلس النواب ورقة الصفقة التي سموها معاهدة أو اتفاقاً وسمّوا توقيع الرئيس عليها تصديقاً، وهذا كله ليس دقيقاً وفقاً للدستور؛ فقد أحال رئيس الوزراء بالمخالفة للدستور ورقة ميتة إلى مجلس النواب، ثم أقر رئيس الجمهورية قرار النواب على أنه تصديق على المعاهدة، فكأن الرئيس قدم تفسيراً مبتسراً وتطبيقاً معيباً للمادة 151 من الدستور، التي تنص صراحة على أحكام قاطعة، خاصة الفقرة الثانية الخاصة بالاتفاقات المتعلقة بالإقليم والسيادة عليه والتي لا يختص بها مطلقاً مجلس النواب.

أما الفقرة الثالثة من المادة نفسها، فإنها تحظر حظراً مطلقاً الاتفاق الذي يتضمن التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة أو مخالفة الدستور، وقد ارتكبت الحكومة الخطيئة الدستورية بمخالفة الدستور والخطيئة الوطنية بالتنازل عن الجزر، وهي تفرض على الشعب نظريتها المعيبة المتناقضة، فرسمت الحكومة بذلك أمراً واقعاً يتحدى الوطن والدستور والشعب.

الخطيئة الرابعة عشرة تمسك الحكومة بأن تخليها عن سيادة مصر على الجزر هو من أعمال السيادة وهذا استغلال بشع لفكرة أعمال السيادة التي ظهرت في الغرب؛ لتحصين السلطة التنفيذية في علاقاتها الخارجية من تدخل السلطة القضائية بما يفسد هذه العلاقات، ولكن نظرية أعمال السيادة تطبق في بيئة مضمونة تماماً؛ فالحكومة منتخبة انتخاباً حراً وسلطتها التقديرية تمَّ تقليصها تماماً لصالح الرقابة القضائية والإعلام يراقب الشعب ويتمتع بالوعي، فالحاكم خادم للوطن، ومعيار الوطنية هو الإخلاص في العمل لهذا الوطن. فلا يجوز من أيٍّ من كان في مصر أن يبرر التنازل عن الأرض بأنها من أعمال السيادة التي تعصمها من رقابة القضاء، خاصة أنه في مصر لا توجد رقابة برلمانية أو سياسية على تصرفات الحكومة بعد تطويع مجلس النواب والإعلام، فلم يبقَ سوى القضاء حارساً لأرض الوطن؛ ولذلك كان القضاء هو ساحة النزال بين الشعب وحكومته.

الخطيئة الخامسة عشرة إغفال الحكومة كل ما يتردد عن صفقة القرن وأن صفقة تيران جزء منها، وعدم الجرأة في شرح هذا المخطط رغم انتشار المعلومات عنه في رجوع مصر، فاعتمدت الحكومة سياسة الأمر الواقع المفروض على الوطن والشعب وبلا أي اكتراث بالدستور.

الخطيئة السادسة عشرة هي أن ما يسمى تصديق الرئيس على ما يسمى اتفاق الترسيم تم وفقاً لما خُطط له تحت وهْم أن قرار "الدستورية العليا" لوقف تنفيذ حكم "الإدارية العليا" وحكم القضاء المستعجل قد فتحا الباب لرفع الحماية عن الجزر، ولكن الحقيقة هي أن هذا القرار وقتي ويحظر حظراً مطلقاً التصرف في صلب النزاع، وهو الحماية القضائية لمصرية الجزر أو رفع هذه الحماية عنها بزعم أن القضاء الإداري قد اغتصب السلطة التنفيذية، فما يسمى التصديق باطل على ورقة باطلة على قرار النواب الباطل، ولن يجبر هذا البطلان أي تصرف بعد ذلك.

الخطيئة السابعة عشرة هي توريط المحكمة الدستورية العليا في تفسير القوانين والدستور بما يؤدي إلى صدام مع مجلس الدولة، كما يخرج المحكمة عن موقفها التقليدي من أعمال السيادة. ودون دخول في التفاصيل؛ انتظاراً لتداول القضية فيما بعد، وهي مسألة ثقافية بعد أن تقرر تسليم تيران وصنافير إلا إذا جاء حكم المحكمة مبرِّراً لموقف الحكومة- فإن تقرير مفوضي المحكمة الدستورية عليه ملاحظات مبدئية:

الأولى: هي عدم التشديد على أن الأمر التحفظي يشمل عدم التصرف من جانب الرئيس في الجزر؛ لأن المحكمة لم تتنبه إلى أن حكم "الإدارية العليا" ليس هو الذي قرر مصرية الجزر، وإنما كشف فقط عن مصريتها، في نزاع مفتعل ومؤسف بين الشعب والحكومة، فمصرية الجزر أصلية. وأما حكم "الإدارية العليا"، فهو إجراء تبعي يحمي مصرية الجزر من مناوشة الحكومة وتشكيكها في مصريتها. ولذلك فإن قرار رئيس "الدستورية العليا" الخاص بالإجراء التحفظي يشل يد الحكومة والرئيس في التصرف بالجزر، وهي مسألة لا علاقة لها بالتنفيذ.

الملاحظة الثانية: هي أن المحكمة الدستورية يجب أن تعالج الطعن على قرار الرئيس لإقرار الصفقة وتبطله ابتداء؛ لأنه أثر من آثار الأمر التحفظي بوقف التنفيذ.

الملاحظة الثالثة: هي أن المحكمة الدستورية لا تحتكر تحديد أعمال السيادة؛ ومن ثم تدخل في صراع مع بقية الهيئات القضائية، وأولاها مجلس الدولة، فلا ندري أي جهة تفصل في هذا الصراع.

الملاحظة الرابعة: أن "الدستورية" تفصل في قضية بالغة الخطر تتعلق بأرض الوطن، والفقرة الثالثة من المادة 151، وكذلك مواد الدستور الأخرى التي تحمي أرض الوطن، فإذا قررت "الدستورية" أن تصرف الحكومة سليم وأنه لا رقابة للقضاء عليه في الوقت التي ضمنت الحكومة فيه موافقة مجلس النواب- فإن المحكمة الدستورية قد تواطأت مع السلطة التنفيذية للمرة الثانية؛ في المرة الأولى عندما أبطلت قانون انتخاب مجلس الشعب متعدية على مبدأ الفصل بين السلطات.

أما في القضية الراهنة، فإن المطروح هو المحافظة على مصرية الجزر وليس المساعدة أو تبرير أو التفريط فيها باسم الدستور، وإلا فإنها ستكون قد أرست سابقة خطيرة يسقط فيها الدستور بهذا التفسير ويحيا الوطن.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.