المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. عبدالله الأشعل Headshot

الأداء الدبلوماسي لأطراف الأزمة الخليجية

تم النشر: تم التحديث:

هناك فرق بين الأزمة ودوافعها وأسبابها في الخليج، ومصير هذه الأزمة، وبين إدارة هذه الأزمة ومدى نجاح كل طرف في هذه الإدارة.

فلا شكَّ أن إدارة قطر للأزمة قد اعتمدت على خمس من الأدوات الدبلوماسية بالمعنى الأوسع، ذلك أن للدبلوماسية معنى ضيقاً، وهو البعثات الدبلوماسية، ومعنى سياسياً وهو السياسة الخارجية، ومعنى ثالثاً أوسعاً وهو كافة أدوات تحقيق أهداف السياسة الخارجية.

وعلى الجانب الآخر، اعتمدت الدول الأربع المقاطعة، وهي السعودية ومعها حلفاؤها، أدوات أخرى، كل طرف أراد أن يفشل خطة الطرف الآخر.

الدبلوماسية الرباعية دبلوماسية هجومية، وتهدف إلى أن إجراءات المقاطعة تحقق هدفها في قطر، وهو كسر إرادة قطر، وإخضاعها لإرادة هذه الدول التي ترجمتها في 13 مطلباً معروفاً.

وبطبيعة الحال لجأت دبلوماسية الطرفين إلى أوسع نطاق دولي ممكن بخطاب معين، فالتدويل من الطرفين تمَّ في نفس الوقت بهدف إقناع العالم بمشروعية موقفهما.

بالطبع العنوان الأبرز للدبلوماسية الرباعية يحاول استجداء الشعار العام بالحرب ضد الإرهاب، أملاً في دفع العالم إلى الاعتقاد بأن هذه الرباعية تحارب الإرهاب، الذي ادَّعوا دون دليل أن قطر تدعمه، ولم تدرك هذه الدول جميعاً ثلاثة محاذير في هذا الطرح؛ الأول هو أن مفهوم الإرهاب نسبي، والثاني هو أن الإرهاب صار أداة في السياسة الخارجية، والثالث أن هذه الدول نفسها تحوم حولها بقوة جرائم الإرهاب والإبادة الجماعية في اليمن وسوريا.

دبلوماسية قطر اعتمدت على التحرك الدبلوماسي المباشر على مستوى الأمير ووزير الخارجية الذي التقى بكبار المسؤولين في روسيا والولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا والأمم المتحدة.

وفي المقابل، تحركت السعودية والإمارات والبحرين إلى نفس العواصم، كل يحاول أن يقنع القوى الكبرى بصحة موقفه، والرهان دائماً على قضية الإرهاب، ودور قناة الجزيرة.

على المستوى السياسي، أعلنت الدول المقاطعة أنها سوف تصعد إجراءاتها حتى ترضخ الدوحة للإملاءات الخليجية، بينما المسؤولون بالدوحة أعلنوا عدم جدية الاتهامات، وبأنها ذرائع للمساس بسيادة قطر، وأن قطر لن تفرط في سيادتها مهما كان الثمن.

وقد أعطت الدول المقاطعة والمحاصرة لقطر انطباعاً بأن خنق قطر من جميع الجهات يجب أن يُخضع قطر، ورفضت هذه الدول دعوة قطر إلى الحوار، وتمسكت بأن الحوار لن يبدأ إلا بعد الإذعان لإملاءات هذه الدول.

ثانياً: ركزت الدبلوماسية القطرية على مخاطبة الشعوب العربية التي ترفض الإملاءات، خصوصاً فيما يتعلق باتهام حماس بالإرهاب، وكذلك الإخوان المسلمون، خاصة بعد أن رفض وزير الخارجية الأميركي اعتبار الإخوان منظمة إرهابية، كما هو حال كافة الدول الأوروبية، وإن كانت تعتبر حماس وحزب الله؛ لأنها منظمات للمقاومة ضد إسرائيل، منظمات إرهابية، أما الإخوان المسلمون فإنهم يحاربون في الساحات التي تساندها إسرائيل في سوريا واليمن.

ثالثاً: قدرت الدول المقاطعة أن تصريح ترامب في البداية واتهامه قطر بتمويل الإرهاب ينذر بموقف أميركي مساند لأية إجراءات ضد قطر، وظنت هذه الدول أن إنفاق المليارات على صفقات الأسلحة الأميركية هو ثمن الانحياز الأميركي لها.

فردَّت قطر بالتعاقد هي الأخرى على صفقات أسلحة، كما مارست دبلوماسية نشطة في وزارتَي الدفاع والخارجية.

من ناحية أخرى، قدرت واشنطن أن استطالة الأزمة لا يخدم المصالح الأميركية، ويضر بمجلس التعاون الذي تعتمد عليه الدبلوماسية الأميركية في خدمة مصالحها، وربما قدرت واشنطن أن استمرار الأزمة يخدم السياسة الإيرانية، ولكنه يخدم مصالح إسرائيل أيضاً.

والراجح أن واشنطن لم تقتنع بالتناسب بين قسوة الإملاءات وبين أفعال قطر، فواشنطن هي التي خططت للأزمة وأدارتها ووضعت سقفها ومراحلها، فالأطراف جميعاً ليس لهم استقلال، ولكن السعودية تريد إخضاع قطر، ومصر والبحرين تريدان الانتقام من قطر، فواشنطن تدرك جيداً أن السعودية هي التي تطمح إلى زعامة العالم العربي ولا مكان لطموحات قطر، كما أن للسعودية دوراً أساسياً في صفقة القرن، ومساندة قطر لحماس يعوق جزءاً من الخطة، وهو إنهاء المقاومة بطرق مختلفة، وتفكيك حماس وإنهاك حزب الله، وهما المنظمتان الإرهابيتان عند واشنطن وأوروبا ما دامتا ضد إسرائيل، أما الإخوان التي اتهمت قطر بدعمهم، فقد أوضحت واشنطن صراحة أنها لن توافق على وصمهم بالإرهاب؛ لأنه يتعارض مع المصالح الأميركية، وكانت تلك صدمة للسعودية والإمارات، وخاصة للنظام في مصر الذي أبلغ صراحة بذلك في أبريل/نيسان 2017 خلال زيارة السيسي لواشنطن، وكان يحدوه الأمل في وضع الإخوان على قائمة الإرهاب.

وتدرك كل الأطراف مصالح واشنطن في الأزمة: المصلحة الأولى مالية فقد حصل ترامب على مبالغ طائلة من السعودية في صور متعددة، ومبالغ أخرى من الإمارات فسارعت قطر إلى التعاقد على مبيعات أسلحة هي الأخرى.

المصلحة الثانية سياسية هي اختبار قدرتها على صناعة الأزمة وإدارتها وإنهائها، ومنع أطراف خارجية من التدخل فيها، كما أن الأزمة في مجملها تهدف إلى إفهام قطر بأن السعودية هي القائد، وأن صفقة القرن تقضي بوقف دعم قطر لغزة وحماس والتعاطف مع حزب الله، والحذر من إيران رغم العلاقات الوثيقة بين إيران والإمارات.

وسوف تنتهى الأزمة بعد أن تبتز واشنطن الجميع وتضغط واشنطن على قطر للبعد عن حماس والتهدئة مع السعودية.

رابعاً: ركزت الدبلوماسية القطرية على تفكيك الخطاب المعادي المعتمد على الإرهاب وقناة الجزيرة وإيران، وكشفت عقم المطالب المعادية في ملف الإرهاب وإيران، وقناة الجزيرة رغم تجاوب المغرب مع السعودية في إغلاق مكتب الجزيرة واستقالة بعض قدامى المذيعات (تونسية وعراقية) لإحداث انهيار في إدارة القناة.

وكثفت قطر جهودها في أربعة ميادين حققت فيها نجاحات كبرى:
الميدان الأول: هو حرية الإعلام، فتجاوبت المنظمات الدولية المدافعة عن هذا الحق.
الميدان الثاني: أثر العقوبات على حقوق الإنسان وانتهاكها للقانون الدولي، حتى إن المفوض السامي لحقوق الإنسان انتقد موقف الدول المقاطعة.
الميدان الثالث: هو الأمم المتحدة، حتى انتقد الأمين العام مواقف الدول الأربع.
الميدان الرابع: هو منظمة التجارة العالمية التي تؤمن بتدفق السلع والخدمات وتناهض القيود بما فيها الجزاءات.

أما سلوك الحكومة والشعب في قطر والإعلام فقد التزم الهدوء والأدب في الخطاب، ولم يتضمن أية إساءة للدول الأخرى، أو شعوبها، على عكس بعض المسؤولين والإعلاميين في الدول الأخرى، الذين أساءوا إلى قطر، واكتفى الإعلام القطرى بتوثيق التقارير الدولية عن مؤامرة الإمارات لقلب نظام الحكم في قطر، والاتصالات السعودية الإسرائيلية، وكذلك اتهام الإمارات بالسعي إلى فصل الجنوب في اليمن، وإنشاء سجون للتعذيب في اليمن.

وقد بدأت موجة الأزمة تنكسر عندما أعلن أمير الكويت يوم 3/7 أنه طلب مهلة إضافية بعد نهاية مهلة العشرة أيام، لمدة 48 ساعة أخرى في نفس الوقت الذي كان مسؤولو أجهزة المخابرات في هذه الدول تجتمع ثم تتفق هذه الدول على عقد اجتماع في القاهرة يوم 5/7 لتقييم الرد القطري، ولكن ترامب ووزير خارجيته أطلعا مصر على حدود التصعيد إزاء اتساع رقعة التعاطف مع قطر، وإلحاح الدول الكبرى على الحوار، وهو ما انعكس على بيان القاهرة الذي اكتفى بالأسف لما سماه الرد السلبي من جانب قطر.

وهكذا قررت واشنطن وضع نهاية للأزمة التي تفجرت فجأة بسبب سوء تقدير السعودية والإمارات للموقف الأميركي في اجتماع الرياض، بعد أن حققت واشنطن أهدافها المالية والسياسية، وحصلت على تنازلات من قطر في الملفات الأخرى لصالح إسرائيل.

في تقديري أن ملف الأزمة مرتبط بتأهيل المنطقة لصفقة القرن.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.