المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. عبدالله الأشعل Headshot

لماذا نجحت الثورة الإيرانية وانتكست الثورة المصرية؟

تم النشر: تم التحديث:

في الأسبوع الثاني من فبراير/شباط، وبالتحديد يوم الجمعة 11 فبراير/شباط 2011 اضطر حسني مبارك إلى الرحيل عن السلطة بصيغة غريبة لا علاقة لها بالقانون.

فبعد ثورة عارمة شارك فيها كل المصريين طالبت بإسقاط النظام واستمرت لمدة 18 يوماً، اضطر المجلس العسكري إلى ترحيل مبارك إلى شرم الشيخ حتى يفك الاشتباك بين الحكم الفاسد وبين الشعب الذي رفع رايات الإصلاح طوال ثلاثة عقود، ولم تزد هذه الطلبات النظام إلا عتواً وفساداً وقهراً وتدميراً لكل قيم المجتمع المصري.

أما صيغة رحيل مبارك إلى شرم الشيخ دون محاكمة فهي أن عمر سليمان الذي عيّن حينذاك على عجل نائباً للرئيس في ترتيب خاص أمام زخم الثورة لانتقال السلطة في أجهزة الحكم نفسه قرأ جملة قصيرة نزلت برداً وسلاماً على الشعب والجيش، الشعب الذي ظن أنه تخلص من نظام فاسد، والجيش الذي تخلص بأناقة ورحمة من رأس النظام، حتى يبدأ فصلاً جديداً من المأساة في مصر.

أما الجملة التي قرأها عمر سليمان، مدير المخابرات العامة السابق، فهي أن الرئيس مبارك قرر التخلي عن منصبه وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد، رغم أن ثورة الشعب كانت استفتاء على عدم شرعية حكمه أصلاً، وعلى نهاية هذا الحكم.

فكأن عمر سليمان أراد أن يقرر أن مبارك هو الذي تخلى بمحض إرادته، ثم كلف بعد التخلي، وأن له سلطة التكليف، فظن البعض أن هذه العبارة هي الأساس القانوني لسلطة المجلس العسكري، مع أن المجلس العسكري فرع من وزارة الدفاع، وهي جزء من الحكومة - السلطة التنفيذية التي أسقطتها الثورة ولا علاقة للمجلس العسكري بالسلطة من قريب أو بعيد.

والصحيح أن الشعب بعد أن أسقط مبارك الذي سقط أخلاقياً قبل الثورة بأعماله وتصرفاته استراح إلى أن السلطة مؤقتاً في يد الجيش الذي يتمتع بمصداقية عالية عنده، وهو صمام الأمان ما دام نظام يوليو/تموز الذي امتد حتى اليوم فشل فى إقامة نظام سياسي، يكون الجيش وفروعه أحد أجهزته.

وقد ظن المشير طنطاوي أن سلطة المجلس العسكري تستند إلى استفتاء 19 مارس/آذار حول تسع مواد معدلة من الدستور، وكان واضحاً أن الاستفتاء لم يشمل أكثر من 50 مادة أضافها المجلس العسكري للوثيقة التي صدرت يوم 30 مارس/آذار تحت اسم الإعلان الدستوري.

ولما تعالت صيحات الميادين "يسقط حكم العسكر" صرح المشير طنطاوي، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بأن الجيش مستعد لترك السلطة إذا طلب الشعب في استفتاء كذلك الذى تم يوم 19 مارس/آذار.

والحق أن الشعب قدم تفويضاً معنوياِ وشفهياِ للمجلس العسكري يوم 11 فبراير/شباط ولم يكترث بصيغة عمر سليمان، بممارسة السلطة مؤقتاً إلى أن يتم إنشاء نظام سياسي جديد.

أما تعديل الدستور فكانت التيارات الإسلامية هي التي دعت إليه، وتشكلت لجنة التعديل امتداداِ للجنة الجمل التي كان قد شكلها مبارك بوهم أن المشكلة في الدستور، وأن تعديله ينهي المشكلة رغم أن الميادين كانت تطالب بدستور جديد.

وهكذا بدأ أول فصول المأساة بين المجلس العسكري والإخوان وثوار الميادين والشعب الذين يطالبون بتحقيق أهداف الثورة في الحرية والكرامة والعيش والعدالة الاجتماعية، عبر نظام يتفق عليه، ويكون جديراً بهذه الثورة السلمية الرائعة التي قدمت أبناءها قرباناِ ليوم تحقيق آمالها.

واليوم بعد عدة سنوات تراجعت شعارات الثورة إلى ما تحت الصفر، فازداد البؤس والقهر والانتقام، وديست الكرامة، وفسدت المؤسسات، وشاعت في البلاد حمى العشوائية، وتحول مطلب العدالة إلى مظالم، ورفعت شعارات جديدة لا علاقة لها بالواقع.

نفس هذا اليوم من عام 1979 قامت الثورة الإيرانية ضد الشاه وما يمثله حكمه وتحالفاته الداخلية والخارجية، وتحل ذكراها وقد احتفل الإيرانيون باتفاق فيينا ودلالاته وآثاره، وسيظل هذا الاتفاق من المعالم الجيوسياسية البارزة فى تاريخ هذا القرن، بصرف النظر عن المآلات التي يصل إليها. لكن إيران حققت إنجازات هائلة على طريق النمو رغم الحصار والحظر والعزلة، رضينا أم كرهنا، وتدخلت فى عدة ساحات وصارت رقماً لا يمكن تجاهله فى السياسات الإقليمية، وباعتراف واشنطن، رغم اعتقادي أن واشنطن بهذا الاتفاق خططت للقضاء على القوة الإيرانية بدبلوماسية الاقتراب، بدلاً من دبلوماسية المواجهة.

أي أنه يمكن القول إن الثورة في إيران صارت حدثاً مفصلياً في تاريخ المنطقة، فتقدمت إيران وتراجعت مصر، فانسحبت مصر مع كامب ديفيد إلى داخل حدودها وتركت الساحة العربية، فصار الفراغ الإقليمي الذي تأكد بانهيار العراق بسبب الدكتاتورية والغباء السياسي، ثم سوريا لنفس السبب، ثم اليمن، وآثار ذلك على لبنان، ثم قامت الثورات العربية فحرصت النظم على أن تبقى ويسقط الوطن، وهذا ظاهر تماماً في كل بلاد الثورات العربية بدرجات متفاوتة.

والنتيجة أن المشروعات الإقليمية الإيرانية والتركية والإسرائيلية ازدهرت في الفضاء العربي، رغم نقاء الثورات العربية وسلميتها.

ويظل السؤال لماذا نجحت الثورة الإيرانية وانتكست الثورة المصرية؟
قدمت عدة تفسيرات وإجابات لهذا السؤال؛ الإجابة الأولى هي أن ثورة إيران كانت ثورة دينية في شعاراتها وقياداتها الدينية، وأرادت أن تغير النظام الكامل وبتحالفاته الأميركية والإسرائيلية، فتحولت شعارات الثورة مع بطش السافاك وقوى نظام الشاه إلى العنف الذي تضمن إعدام كل قيادات النظام القديم، وإنشاء نظام جديد في خلق جديد، ولكن هذه الثورة أتت بنظام أكثر كفاءة فى إنهاض البلاد ومتابعة الآمال الفارسية التي لم تتأثر مطلقاً بتغير نظام الحكم، فلا فرق في العقلية بين الشاه والملالي، وكلاهما يحب فارس ويعلي راياتها.

أما في مصر، فإن الثورة أرادت إزاحة نظام فسد في الداخل وأخضع مصر للخارج، وإقامة نظام جديد قادر على تحقيق الرخاء والنقاء، وإعادة مصر إلى صدارة المشهد، وليس وضعها خادماً لأميركا وإسرائيل، ووثقت الثورة في أن المجلس العسكري يمكن أن يعبر بمصر من آمال الثورة إلى نظام يعكس تطلعاتها، كما أنها أصرت على سلميتها رغم بطش قوى النظام وسقوط الضحايا، وسوف تظل سلمية الثورة أعظم حدث فى التاريخ رغم أنه كان من السهل أن تستدرج إلى القصاص والدماء، وكان يمكن للتيارات الإسلامية أن تتزعم الثورة.

ولكن الثورة المصرية لها خصيصة أخرى أساسية أنها كانت ثورة وطنية لا دينية، لا تقبل الشعارات الدينية التي قسمت المجتمع، ولا تستجيب لرغبة إيران في أن تكون الثورة المصرية فرعاً من الثورة الإيرانية، ولذلك أيدت إيران الثورة ضد مبارك المعادي لإيران، ولكنها تخبطت بعد ذلك.

إن طبيعة الشعب المصري تأبى العنف، وحتى العصر الفرعوني كان مسالماً رغم قوة مصر في فترات كثيرة، اكتفت بعدم العدوان ولم تضف شبراً واحداً إلى الأقاليم المصرية.

إن الثورات في التاريخ ثورات تقدمية تعبر عن الرغبة في الحرية، وترفض الفساد والقهر، ولكن الثورة ليست مسؤولة عما يحدث لشعاراتها.

أما التنافس بين الأمم فله قواعد أخرى وآداب أخرى لا علاقة لها بالثورة، رغم أن الثورة البلشفية أنشأت نظاماً لدولة عظمى، والثورة الفرنسية فى مراحلها الأولى جرت على فرنسا النكبات.

سيظل يوم 11 فبراير/شباط ورحيل مبارك تحت أي مسمى عيداً للمصريين ودرساً للأجيال القادمة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.