المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

د. عبدالله الأشعل Headshot

الرأي العام والسياسة الخارجية في مصر

تم النشر: تم التحديث:

أظهرت الأزمة الخليجية اتجاهات وانقسامات غريبة بعيدة عن الأزمة. قد انقسم الرأي العام في مصر الانقسام نفسه بين خصوم السلطة وأنصارها، وبعضها في الفريقين متعصب إلى حد السفاهة. أما في الإمارات، فقد تم تجريم أي موقف ناقد لموقف الحكومة في الأزمة.. هذه حالة مثالية لموضوعنا.

ففي النظم الديمقراطية، يكون الرأي العام هو العنصر الحاسم في تقرير السياسات الخارجية والداخلية، ويتم التعبير عن الرأي العام بصور متعددة، بعضها عن طريق الإعلام، وبعضها الآخر عن طريق صناديق الانتخاب، وبعضها الثالث عن طريق الإضرابات والمظاهرات والاعتصامات القانونية.

ويدرك الرأي العام الذي تتوافر فيه مقومات التعريف العلمي للرأي العام (المعرفة، الإدراك، الشعور بالحق في المساءلة)، أما الحاكم المفوَّض من الشعب لأداء وظائف معينة رسمها الدستور ويراقبها الرأي العام والبرلمان والإعلام، فبوسع المواطن أن يقرر مصيره وكذلك الحكومة بالطرق المشروعة وأهمها صناديق الانتخاب، ولكن المظاهرات والاحتجاجات في النظم الديمقراطية لا يُقصد بها أن تحل محل صاحب القرار في تقرير ما يريده الرأي العام، وإنما لهذه المظاهرات وظائف محددة؛ وهى أن توصل رسالة لصانع القرار، مؤداها أن هناك عدم رضا عن القرار.

وعندما يتعلق الأمر بالسياسة الخارجية، فقد لاحظنا في السنوات الأخيرة أن الرأي العام قد مارس ضغطاً عنيفاً على بعض الحكومات في أوروبا والولايات المتحدة وألزمها تعديل سلوكها الذي استهجنه الرأي العام.

ففي الغزو الأميركي للعراق، احتج الإسبان على تواطؤ حكومتهم مع الولايات المتحدة في غزو شعب آخر بالمخالفة لميثاق الأمم المتحدة، ولما رفضت الحكومة هذه الضغوط تعمد الناخب أن يسقطها في صناديق الانتخاب ويأتي بحكومة ثاباتيرو المنسجمة مع الرأي العام. وفي الولايات المتحدة وبريطانيا، لوحظ باهتمامٍ تظاهر أكثر من 30 مليون مواطن في العالم احتجاجاً على هذا السلوك المخالف للقانون الدولي والذي تقوده بؤرة العولمة العالمية؛ ولذلك كانت المظاهرات احتجاجاً على توحش الرأسمالية والعولمة والقوى الأميركية ضد الشعوب والفقراء والقانون.

وهناك دول ديمقراطية مفرطة الحساسية، مثل اليابان التي يكفي أن تهزم حكومتها في صناديق الانتخاب حتى تشعر بالعار؛ لعجزها عن الوفاء بآمال المواطنين؛ بل وقد أقدمَ بعض رؤساء الحكومات على الانتحار؛ لأن بقاءه في الحياة السياسية أصبح وصمة على حزبه وعلى أسرته. ورغم كل ذلك يظل قرار السياسة الخارجية في طبقاته العليا جزءاً من أسرار الدولة التي قد لا يدركها الرأي العام حق إدراكها، ولكن الضمانة لذلك هي أن الحكومة منتخبة وتتفاضل الحكومات في تحقيق أهداف الوطن، فكل الحكومات صالحة من هذه الزاوية رغم تفاوت سلوكها في السياسة الخارجية.

وعلى العموم، فإنه لما كانت السياسة الخارجية تهم الوطن والمواطن في وقت واحد وأن أخطاءها تُلحق الضرر بالجميع، فإن الدول الديمقراطية تضع استراتيجية ثابتة لسياستها الخارجية، قائمة على عدد من المؤشرات الثابتة والمتغيرة، ولكن تغير الحكومات قد يؤدي إلى تغير وسائل تحقيق الاستراتيجية أو تنفيذها.

ويصعب أن نضرب أمثلة تفصيلية في هذا المقام، لكن تكفي الإشارة إلى الموقف الأميركي من إسرائيل، فهو لا يتغير بتغير النظم الديمقراطية أو الجمهورية.

أما في دول العالم الثالث، فإن الرأي العام يصعب قياسه، كما أنه محروم من مصادر المعلومات ومحروم من التدرب على بلورة المواقف، كما عبّر عن ذلك وزير الخارجية الأميركي في مقالته بالعدد الأول من مجلة "الشؤون الخارجية" عام 1921، حول الرأي العام والسياسة الخارجية ومهندس الدبلوماسية العامة والشعبية. كما أن الشعب يفتقر إلى وسائل التعبير على كل المستويات، ثم إنه يتعرض لإعلام مستبد يتسم بالأكاذيب والتدليس وطمس الحقائق، فحرمَ الرأي العام من التعليم والتثقيف وخضع لعمليات غسيل المخ والتوجيه، إلا أن الحقيقة الوحيدة هي التي ينطق بها الحاكم.

في ظل هذه الظروف، تصبح المعارضة مجموعة ممن أفلتوا من مثل هذه الظروف وانفتحوا على الإعلام الخارجي أو الذين يشعرون بالهمّ الوطني وقسوة احتلال الحاكم لوطنه تحت ذرائع متعددة، وهؤلاء يتم عزلهم إعلامياً ومطاردتهم أمنياً والتضييق عليهم معيشياً؛ فتلحقهم لعنة الفقر والمرض ويدفعون ثمن هذه المعارضة من حياتهم أو حرياتهم أو قدراتهم، فيُحرم الوطن من القيادة وتنفصل المعارضة المثقفة عن عموم الشعب.

هذه هي الحالة المثالية التي سادت مصر قبل ثورة يناير/كانون الثاني وتعمقت بعد الثالث من يوليو/تموز 2013؛ بل إن أحد وزراء الخارجية من أقطاب النظام السابق قد عمد إلى تلميع نفسه والنظام بأن ادّعى بطولات زائفة، مستخدماً الكلمات المنمَّقة والحركات المسرحية التي أوهمت الرأي العام في مصر بأنه الوطني والقومي والمعادي للأعداء حتى سماه الملك حسين تهكماً "فارس العرب"، ولو كان ضاراً بالنظام لكان النظام قد لفظه فوراً، ولكنه احتضنه 10 سنوات، ثم سلّمه إلى وظيفة عربية أشمل؛ حتى تستفيد من مهاراته في سجل يحتاج إلى دراسة في هذه المرحلة.

فهل تغير الرأي العام في مصر عما كان قبل الثورة حتى يمكن أن ندرس أثره في قرار السياسة الخارجية؟ وهل يلزم الحاكم لكي يكون ديمقراطياً أن يستجيب لهذه الرغبات؟ أزعم أن الرأي العام في مصر لا يزال بحاجة إلى المعلومات الصحيحة وإلى الإعلام النقي وإلى القياس العلمي. وسأكتفي برأي واحد حول أزمة الرأي العام في مصر مع السياسة الخارجية، وهو موقفه من الأزمة السورية، حيث يشعر الرأي العام المصري بأن ما حدث في مصر من صراع بين الشعب والحاكم هو نفسه الذي يحدث في سوريا.

ولذلك، فإن مساندة الشعب ضد الحاكم واجب وطني، وإن التصدي لهذا الحاكم الفاقد للشرعية يسعد الرأي العام المصري؛ ولهذا السبب ابتهج الرأي العام المصري، خاصة الإسلامي، بموقف الرئيس محمد مرسي في قمة طهران لدول عدم الانحياز. ولكن تعقّد الموقف السوري، وأهمية سوريا، والمؤامرة عليها في الداخل والخارج، وعجز النظام عن معالجة الموقف معالجة صحيحة منذ البداية- جعل سوريا في مهب الريح وجعل المطالبة بموقف مصري أكثر عمقاً وفاعلية يتجاوز هذا الموقف الذي أرضى الرأي العام المصري.

وأخيراً، ففي السياسة الخارجية بعض المواقف التي تخدم الوطن بالضرورة، ولكنها قد لا تسعد الرأي العام، ولهذا تفصيل في سياق آخر.

فقد عادت تركيا وقطر النظام الجديد في مصر، كلٌّ لأسبابه، وكان طبيعياً أن يبادل النظام هاتين الدولتين العداء، خاصة أنهما تؤويان المعارضين للنظام في ظل غياب أي معارضة وسيادة الصوت الواحد رغم أن المعارضة هي التي تتمسك بالوطن ضد تصرفات السلطة حتى اتجه الشعب إلى الإعلام المعارض ما دام قد فقد مصادر أية معلومات حقيقية؛ بل إن إسرائيل صارت أكثر مصداقية من الإعلام الحكومي، وتلك ثغرة خطيرة تسمح للإعلام الصهيوني بأن يبث الأكاذيب في شعب فقد الثقة بإعلامه وتصريحات حكومته.

في هذه الظروف، انفجرت الأزمة الخليجية عقب ظهور مكثف للسعودية في الشؤون المصرية وتسليمها الجزر المصرية، صارت مناصرة تركيا وقطر في أي موقف خيانة للوطن، الذي تزعم السلطة أنها تلبّسته. فالرأي العام مُجمع على خطأ تسليم الجزر المصرية والتقارب مع السعودية والإمارات ومعاداة قطر، خاصة أن المعركة قوامها إخضاع قطر للهيمنة السعودية. إزاء ذلك يُتهم القطاع المتعاطف مع قطر في الأزمة بأنه ضد مصر، وكأنه يجب على الشعب أن يعادي النظام الذي تعاديه السلطة دون تفكير وأن ثقة الشعب بدوافع سلطته هي خدمة المصالح المصرية!

والحق أن الرأي العام عندما يفقد الثقة بالنظام والإعلام، فإنه يتحرر ويتخذ مواقف في السياسة الخارجية تكون انعكاساً لموقفه من السلطة ولو في قضايا أخرى.

الخلاصة، يصعب الحديث بشكل علمي عن رأي عام في السياسة الخارجية بالنظم السلطوية مثل مصر والمنطقة العربية.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.