المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دسوقي أحمد Headshot

الحياة على ظهر دراجة..

تم النشر: تم التحديث:

(١)
التقيت رئيسي الحالي في العمل لأول مرة قبل ١٥ شهرا من الآن. أذكر يومها أني انتظرت الرجل أمام مكتبه بسبب قدومي مبكرا قبل أن تصل سكرتيرته، لأفاجأ بعد بضع دقائق بشاب (بدا لي أربعينيا ) يرتدي طاقم درَاج رياضي وخوذة رأس، يدلف إلي ممر الطابق المخصص لرؤساء الأقسام حيث أنتظر وهو يجر إلى جواره دراجة رياضية.

صافحني الرجل وطلب مني الانتظار لدقائق ريثما يغير ملابسه ثم استقللنا السلالم بعدها إلى غرفة الاجتماعات بالطابق الخامس. بوصولنا إلى الطابق الرابع لاحظ الرجل تلاحق أنفاسي بسبب بدانتي فابتسم وقال معزيا: لقد وصلنا تقريبا!

بعد شهور قليلة احتفل الرجل بعيد ميلاده الخمسين، هنأناه وأحضرنا له هدية بروتوكولية جماعية، وتمني لنا هو في المقابل: (حياة صحية).

قبلها بأيام -ولأني كنت في رحلة المفاضلة بين بعض عروض العمل- سألني بروفيسور جامعي يرأس أحد أقسام الباطنية التخصصية في أحد أكبر الجامعات الألمانية، حين جلست في مكتبه: كيف كانت رحلتك إلى هنا؟

الرجل الذي ألقي السؤال التقليدي بأناقة ولكنة جنوبية واضحة، تليقان بأحد مبرزي مجاله، أجابني وهو يتراجع في مقعده الوثير أنه لا يحب قيادة السيارات لهذه المسافات الطويلة (٦٠٠ كم كنت قد قطعتها إليه) وأنه يفضل القطار لآنه يبقيه متحركا على عكس السكون الكريه الذي تسببه السيارة للجسم!

أجبته وأنا أبتسم محاولا الولوج إلى المحادثة التي يبدؤها بأنني صديق حميم للسيارات، فبادلني الرجل بالابتسام وهو يتطلع إلى جسدي المترهل دون أن يعلق وإن أخبرتني نظراته بكلماته التي منعتها حدود اللياقة غالبا!

أدركت بعدها أن الأمر أكبر من مجرد البدانة البريئة في مقابل الرياضيين الأوغاد، ففي كل موقف كان يتم تناول الأمر فيه كان أغلب من حولي ينحازون للحركة والنشاط مقابل اختياري (الدائم) للسكون والدعة.

كنت أدلف يوما للاجتماع الاسبوعي لمناقشة حالات السرطان الرئوي حين رأيت كبير الاستشاريين الودود والذي أسميه (الجد) لهدوئه وحكمته وسنه الكبير، أقبل الرجل نحوي في زي رياضي كامل يحمل في يده خوذة قيادة الدراجة، داعبته قائلا:

- الجد لايزال يقود الدراجة! أجابني:
الجد لا يقود إلا الدراجة ثم أضاف وهو يبتسم مشيرا إلي معرفته باختياري الدائم للسكون مقابل الحركة: ألا يرغب الدب الشاب في تقليد الأرنب العجوز، والأرنب العجوز مصطلح يعبر به الألمان عن الشيوخ ذوي الحكمة الذين عركتهم التجارب.
ثم أضاف وهو يقدم باعتذار ألماني تقليدي أنه لا يبغي أبدا مضايقتي أو التدخل في شئوني الخاصة، أن علي إن أعيد النظر في اختياري الدائم للنشاطات قليلة الحركة وتنامي البدانة لدي، والذي يراه هو (أسوأ هدية لعائلتك!)
قاطعته: المشكلة أني مدمن سيارات! فأجابني بسرعة: والادمان يؤدي غالبا للوفاة. ابتسم لي ودفع باب الغرفة لنلحق بالمجتمعين هناك.

(٢)
قبل أكثر من ٢٠ عاما لم أكن على حالتي هذه مع السكون، اعتدت كل يوم أن أقود دراجتي حتى (المعهد الأزهري) الذي درست فيه في فترتي الابتدائية والاعدادية. استمر الوضع هكذا حتي نهاية فترة الثانوية، ثم انتهي تماما بالتحاقي بالجامعة في القاهرة لدراسة الطب. سنوات الدراسة الطويلة، والامتحانات التي لا تنتهي ثم فترة النشاط السياسي بدءا من ٢٠٠٥، كل هذا أنساني دراجتي وقادني إلي حالة أكثر سكونا .. وبدانة.

لدي صديق كولومبي يساري مخلص لمبادئه الثورية، مهووس بالتحليل الطبقي للظواهر والأشياء، كان يري السيارات أحد أكبر سلبيات الرأسمالية المعاصرة. كنت أضحك من كلماته التي يلقيها بألمانية مكسرة تبدو كالاسبانية ويختفي منها حرف الـW تماما لكنني اليوم أجد لها منطقا وأزعم أنها لا تخلو من حجة !

كان يعتقد أن السيارة تمثل صورة نموذجية لتطبيقات رأس المال التي تحمل سلبيات كثيرة تختفي وراء بعض الايجابيات.

المال مقابل الخدمة، كلما كثر المال زادت رفاهية الخدمة. الجلوس كثيرا والعمل قليل لكن الربح كثير (كان يقصد أن الدفعة البسيطة لدواسة البنزين تحرك السيارة وتصل الي هدفك بأقل مجهود) وكان يري من وراء ذلك وجه فلسفي عملي للرأسمالية، هكذا كان يعتقد! كان كذلك يري أن الدراجة تناسبه بطريقة عملها وقيادتها كيساري مخلص لأفكاره!

والحقيقة أنني بعد ٤ سنين من سماع أفكاره للمرة الأولي أجدني متفقا معه تماما في هذه الرؤية. وها أنا ذا اليوم بعد أن كنت أجادله في شقته المقابلة لسكني القديم ذاك الحين، أقر أمام نفسي بفكرته هذه بعد أن تحققت نبوءته لي:
هذه الرأسمالية ممثلة في فلسفة السكون والدعة مقابل المال سوف تقودك إلي المرض يوما ما، لا أتمناه بالطبع لكني أتوقعه للأسف.

(٣)
الحركة علي ظهر الدراجة ممتعة للغاية!
أنت تواجه الهواء الطلق بدلا من الاختباء وراء زجاج السيارة أو الانشغال بمقود السيارة وإشارات الطريق!

العالم يتحرك من حولك وقد يلامسك، البشر يبدو لك طبيعيين بأصواتهم وألوانهم دون حواجز. يمكنك أن تسمعهم، تكلمهم، أو حتى تسلم عليهم دون تعقيدات عالم السيارة التي لاتقف قبل عشرات التحضيرات.

الدراجة تنتزعك فعلا من العزل الاصطناعي الذي تفرضه عليك السيارة، تنتزعك من السآمة والملل الذين يوشكان علي قتلك خلف المقود. حتي الكدمات والرضوض الناشئة عن الحوادث -لاقدر الله- تكون (في الأغلب) بسيطة وسطحية.

المثير في الأمر أن كثيرا أخبروني أنهم على ظهر الدراجة اكتشفوا بالقرب منهم عوالم وأحياء وأناس لم يكونوا ليصلوا إليهم أبدا خلف مقود السيارة!

لم أكن لأصدق هذا واعتبرته مبالغات (الدرَاجين) لكنني تأكدت من هذا الأمر بعد أن اكتشفت بجوار بيتي الذي أسكنه منذ أكثر من عام طريقا ممهدا وسط غابة خضراء تصل بين حينا والحي الذي يليه غرب المدينة. في طريقي لهذه الغابة اكتشفت جيرانا ومحالا وتجمعات للعب الكرة والجري والتريض وركوب الخيل لم أكن يوما لأحلم بها.

فقط كانت تفصلني عن هذه الأشياء (سيارة) ليس مسموحا لها بدخول هذا الطريق. فيما بعد اكتشفت درَاجين يشاركونني الطريق، وتعرفت إلي عالم جديد من المترجلين والمتريضين، بالتأكيد فإن هذا العالم يبدو أجمل بكثير من المرآب الذي اعتدت ترك سيارتي فيه.

(٤)
بالرغم من دخولي الاجتماع الصباحي متأخرا لدقائق إلا أنني كنت أحس بنشاط حقيقي.
آثرت بسبب ضيق الوقت أن أذهب مباشرة للاجتماع وليس كما هو معتاد لتغيير ملابسي أولا. حين دخلت الاجتماع أحمل حقيبة الظهر لم أكن أدري أنها المرة الأولى التي يراني فيها الزملاء أحمل خوذة قيادة الدراجة بعد إذ نزعتها من رأسي.

لم أدرك بسهولة سر الابتسامات المتتالية الموجهة لي حتي رفع طبيبي المعالج (وزميلي في نفس المشفي) إبهامه الأيمن لي مشيرا بعلامة الاعجاب: أحسنت!

حتي الجد، كبير الاستشاريين، الهادئ دائما، تحدث من مقعده في نهاية الغرفة بلهجة هادئة وابتسامة عريضة تملأ محياه قائلا:

الأرنب العجوز يحيي الدب على النشاط الجديد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع