المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ضحى الرفاعي Headshot

الاكتشافات الأدبية وآبار النفط في تكساس

تم النشر: تم التحديث:

للكشف عن بئر من النفط اليوم يجب أن تتم دراسة المنطقة زلزالياً، وهذا ما يسمى بالدراسات النظرية الأوليّة للموقع، ثم تأتي الحفارات وتوضع في المكان الأكثر احتمالية ليبدأ الحفر بواسطة رأسٍ من الألماس يقطع الصخور حتى يصل إلى الطبقة المُبتغاة والتي يُتوقع وجود النفط فيها.

ولو تم استخراج النفط، تبدأ مرحلة الكشف عن مدى جدوى استخراجه ودراسة الكميات الاحتياطية التي توجد في هذا المكمن، وعلى ضوء الدراسات والأرقام الناتجة يقرر بالنهاية هل هذه بئرٌ ذات جدوى اقتصادية أم لا.

باختصار يجب أن تغطي العائدات ميزانية الاستخراج بالإضافة إلى أرباح جيدة فوقها.

فيما مضى كان الأمر يتم بطرق أقل تعقيداً، فيأتي أحد رعاة البقر في ولاية تكساس ليطبق الطريقة الأكثر بلاهة، فيأخذ قبعته ويطيِّرها إلى أبعد ما تصل يداه، ويقول للحفار احفر حيث سقطت القبعة.

كان هذا ناجحاً بالغالب، وأقول في تكساس تحديداً حيث كان النفط يتواجد بكميات كبيرة وفي طبقات قريبة من السطح ما يعني تكلفة حفر قليلة، وضخاً قوياً، وكميات هائلة، لكل هذه الأسباب كان البحث سهلاً، فأينما تسقط القبعة سيجدُ الحفار النفط، لكن لو طبّقت هذه النظرية في أرض أخرى فلم تكن لتفلح غالباً.

وهكذا الأدب؛ ففيما مضى كان العرب كلهم يتمتعون بالبلاغة فكثيرون منهم يقرضون الشعر، فكان كل عربي مشروع نابغة وفصيحاً بالسليقة، وإن أراد فهو شاعر يصدح بالشعر ويردد الناس أقواله، فكان الأمر كما القبعة فمهما ابتعدت كانت لتهبط على الهدف أكان ذكراً أو أنثى.

اليوم ومع انخفاض مستوى اللغة العربية للناطقين بها، بدأ النفط بالنضوب، وصار وجود كاتب جيد اكتشاف يستحق التهنئة، وبات الأمر أكثر صعوبة، يحتاج إلى البحث الواسع ودراسة نظرية وحفر مُكلف لكشف مدى جدواه بالنهاية، فنشأت المسابقات الشعرية والأدبية، وبات الكاتب يتوجه إلى النشر ويروج لنفسه أحياناً ليعرف موقعه من الإعراب، وبات البعض يسقط والبعض يرتفع، دون أن يكون هذا مقياساً كافياً للحكم عليه.

لفت نظري منذ فترة ظهور صفحة على فيسبوك تدعى باسم (خراء ثقافي)، وهي تهتم بشكل مباشر بدحض كل مدّعٍ للقب كاتباً أو شاعراً، أعجبتني الصفحة حتى أدمنتها، مع أنها لم تهاجم أحداً أعرفه غالباً، لكن مع الوقت بدأت أسمع أسماء سبق أن سمعت فتيات وفتيان يلهجون بأسمائهم، هؤلاء الكُتاب ممن يحقق مبيعات لافتة للنظر، ويتهافت الشباب على حفلات التوقيع الخاصة بهم.

اللغة، باتت اللغة مشكلة الإنسان العربي، وهذه أولى المشاكل في نظري، فالكاتب بات قادراً على تجاوز اللغة بقواعدها وأساسياتها وفنونها والبدء بالكتابة، اكتب ودع الفكرة تنجح، فينجح كتابك، نعم لا أنكر أن الأفكار المميزة قادرة على إنجاح كتاب، لكن حتى حين، فربما سيستمتع الكاتب بردود الأفعال عن كتابه الأول، وسيغفر له النقاد والمهتمين بالأدب بشكل خاص زلاته به، لكن مع تكرار الأخطاء، والأخطاء هنا عدم التفاته لأخطائه الأولى، ووقوفه في نفس المكان دون تقدمٍ أو اجتهادٍ لردم ثغراته، فلن يغفر له أحد في نتاجه التالي، حتى جمهوره الوفي سيبدأ بالتطور ولن يقف عنده، ولن يتقبل منه قناعته بأنه وصل إلى الأفضل.

فعلى الكاتب ألا ينتظر - حسب وجهة نظري - القبعة لتكشف عنه، عليه أن يبدأ تكوين ذاته، فإن أراد أن يعبر هذا الطريق حتى النهاية - مع أنه طريق بلا نهاية - فعليه أن يبدأ تشكيل كيانه الخاص، كيانٌ من المعرفة والأفكار والتصورات، عليه ألا يكون تافهاً أو سطحياً أو بسيطاً ويكن كل هذا بالوقت نفسه.

عليه أن يكون ذا كيانٍ وفكرٍ خاص، فنفطه ليس على السطح، ولو كان يجب أن يكون غزيراً ومميزاً ليستحق أن يخرج إلى السطح.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.