المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ضحى الرفاعي Headshot

مشروع كتاب على الطاولة يسلط الضوء على الأدب الأردني في الرواية والقصة

تم النشر: تم التحديث:

لطالما كان الأدب الأردني في نظري مُهملاً، فأنا لم أقرأ لأدباء بلادي الكثير، لكن وبسبب أصدقائي في الملتقى الأدبي بدأت أسمع الكثير من الأسماء منها التي يعرفها الجميع في مختلف أقطار الوطن العربي وفقط أنا التي أجهلها، ومنها الأسماء الجديدة التي باتت تحفر باجتهادٍ طريقها نحو هذا العالم.

لم يكتف الملتقى الأدبي بدعم هؤلاء الأسماء في لقاءاته، حيث نثرثر عن الأدب بل اعتنق غاية واحدة لهذا العام بأن دمج مشروعه القديم «كتاب على الطاولة» لمناقشة الكتب الأدبية ليصير هذا العام 2015 خاصًّا فقط للكُتَّاب الأردنيين، وبشكل خاص للسرد فكما برَّر د. هشام البستاني أن: «الشِّعرَ سيكون أكثر إلغازًا لجمهورٍ اهتماماته عامة»، وكان بالفعل هدف الملتقى الأدبي جذب عموم الناس للنظر إلى الكُتَّاب الأردنيين بعين الثقة أكثر، فما بالنا لا نرى كتَّابنا إلا بعد أن يُكرموا خارج البلاد!

«ثمة سؤالٌ يَطرحُ نفسهُ دائمًا: لماذا لا يُقرأ الأدب الأردني عربيًّا؟ غير أنّ المتابع لما تطرحه أندية القراءة في الأردن من كتب في مناقشاتها سيحتج قائلًا: أليس من الأولى أن يُقرأ أردنيًّا أولاً؟ تحت إلحاح هذا السؤال قرَّر المُلتقى الأدبي توجيه نادي كتاب على الطاولة ليصير محصورًا في مناقشاته على الأدب الأردني الصادر في العامين 2014/2015، ولا تأتي هذه المناقشات من باب التعصب للأدب الأردني؛ بل لمعرفة مدى جودة ما يُكتب وما يَصْدُر بكثرة تحت هذا المسمى، ومن أجل تقديم مساهمة بسيطة في غربلة المنتج الأردني بهدف تمييز غثه من سمينه وذلك بطرح كتاب شهري لمناقشته دون مجاملةٍ أو تحيّزٍ مسبّق».

بهذه هي العبارة الافتتاحية للحملة الإعلامية لمشروع كتاب على الطاولة على لسان ربيع محمود ربيع -القاص الأردني وعضو رابطة الكتاب وعضو مهم في المُلتقى الأدبي في عمان والمعارض الأول في جماعة السنترال الساخرة -، كتاب على الطاولة مشروع بدأ من العام 2011م، حيث ناقش فيه أعضاء المُلتقى الأدبي والمهتمين بالنقد والسرد بشكل عام عدة كتب، ثم تضاءل نشاط المجموعة ليتركز على الأمسيات الأدبية والدورات الخاصة بالنثر والشعر، ليعود على أشده هذا العام، بمشـروع مناقشة السـرد الأردني بشكل خاص.

ويقول رئيس المُلتقى الأدبي صالح دراس واصفًا سبب تفعيل هذا النشاط: «لم يقصر المُلتقى الأدبي أنشطته الدورية على الورشات التدريبية في الأدب العربي (شعر وسرد) والأمسيات الأدبية، بل تعدى ذلك ليلعب على وتر مناقشات الأدب الأردني للكشف عن النتاج الأدبي الجيد فيه، فهذه الجلسات النقاشية تعطي المشارك فيها الفرصة لتحليل النص الأدبي والوصول إلى مراحل أبعد من (أعجبني أو لم يعجبني الكتاب)». وأضاف دراس من جهة أخرى أن الكاتب سينال بحضور هذه النقاشات الفائدة من خلال الاستماع إلى قُرَّاء يدلون بآرائهم دون محاباة أو تحيز وبلسان نقدي.

وبجردٍ سريع لما ناقشنا في هذا المشروع خلال الأعوام الماضية نجد ألف ليلة وليلة وتغريبة بني هلال والمسخ والعمل الأردني الأول «أبناء السماء» للكاتب يحيى القيسي، ومنذ كانون ثاني لهذا العام تركزت المناقشات وبشكل منتظم وشهري، فتم اختيار العديد من الكتَّاب على اختلافهم ذكورًا وإناثًا وبمختلف الأعمار، وتنوعت الأعمال دون إنصاف حيث نوقشت مجموعة قصصية واحدة للكاتب والصحفي الأردني محمود الريماوي، أما باقي الأعمال فكانت في حقل الرواية، وتقول القاصة روان رضوان أحد أعضاء المُلتقى الأدبي المعنيين بالاختيار في شرح آلية الاختيار: «أن اختيار الروايات بكثرة ما كان استسهالًا، لكن الموجود لهذا العام وبكثرة كان الروايات»، وأضافت: «المهم هو اختيارُ عملٍ أردني، أكان جيدًا أو رديئًا، للخروج بفكرةٍ أقرب إلى الواقع عن مخرجات الثقافة ودور النشر».

بدأ المشروع مع رواية الكاتبة الأردنية نيرمنة الرفاعي: «يزهر المطر أحيانًا» والتي كانت تجربتها الأولى نالت عنها المركز الثاني في مسابقة رابطة الكتاب الأردنيين لغير الأعضاء، ثم اختير الكاتب أيمن العتوم ليذهب بنا إلى صحرائه الدهماء في «نفرٌ من الجِّن»، فحاول أن ينهج نهجًا مشابهًا لإبراهيم الكوني في روايته «البحث عن المكان الضائع» فكلى الروايتين تعبقان بالرائحة نفسها، أخذنا العتوم إلى عوالم غريبة تتشعب بين الجن والإنس في حبكات عديدة تكاد أن تكون ملحمةً تستعرضُ البشرية منذ بدأ الخليقة وحتى اقتراب البشرية من الفناء، فالفنتازيا فيها كانت بخلق عوالمٍ موازيةٍ لعالمنا تبرأ فيها من الزمان والمكان والقدرات المادية للبشر والجن، أراد الكاتب أن يكون كِتابًا على طريق الأسطورة، ولذلك كانت جلسةً حامية الوطيس.

ثم تحول كتاب على الطاولة إلى المجموعة القصصية «عمَّ تبحث في مراكش» للريماوي، والتي ذهبت بالقارئ إلى مراكش وحيفا وأماكن أخرى وتنقلت بالزمن مع شخوص مميزة حتى عندما كانت عادية وبفنتازيا خفيفة لطيفة، ثم جاءت مناقشة الكاتبة الأردنية سميح خريس ورواية «بابنوس» التي كانت واقعية حد القهر، وبها ابتعدت بمن خاض غمار القراءة حتى السُودان ومن تلك البلاد التي يغلفها الغموض والفقر والعوز؛ نحت بالقارئ إلى باريس في المشاهد الأخيرة وبسردٍ منمق جعلني أرى عوالم لم أرها من قبل، كتبت باريس أخرى غير التي يعرفها العالم ويبهرُنا بجمالها، ، فكتبت الوجه القبيح من باريس. ثم جاءت رواية «أعالي الخوف» للكاتب الأردني هزاع البراري، التي تنوعت بشخوصها المتناقضة والمتمازجة في وقت واحد، ثم كان آخر ما ناقشنا «موسم الحوريات» للكاتب الأردني جمال ناجي والتي تطرقت إلى العديد من المواضيع الجدلية منها القدر والجهاد.

عندما أسترجع تلك النقاشات وأحاديثها التي كانت ترتفع وتخبو فيها الأصوات والضحكات، فيحتد النقاش تارة وتتحرك الرؤوس مؤيدًا تارةً أُخرى أجد أنها نقاشات فائقة الإمتاع غنيةٌ بالأفكار، حتى إن بعضنا وجد نفسه بعد انتهاء الجلسات راغبًا بقراءة أعمال أخرى للكاتب/ة.

ماذا يميز كتاب على الطاولة؟
لن تجد في هذه النقاشات نُقادًا جلفين يدخنون ويشربون القهوة، فقط قُرَّاء، لكنهم ليسوا قرَّاءً اعتياديين، بعضهم يهوى النقد الأدبي ويقرأ به ويكتب مراجعات الكتب والمقالات الأدبية، والبعض محيطون بالأدب الأردني بشكل خاص والبعض قاصون وستجد القارئ فقط، لكنهم كلهم يحبون القراءة، القراءة لأجل القراءة، جيلٌ يقرأ ولا يقبل بالمجاملات، متنوع حيث تجد حول هذه الطاولة المهتمين بالقصة وبالرواية الواقعية والفنتازيا والنقد والشعر وآخرون بسطاء شفافون، كل هذا المزيج جعل الجلسة متألقة كل مرة حتى أن المتابع احتار في أي الجلسات هي الأجمل.

وهي المجموعة الأولى والوحيدة التي تناقش النتاج المحلي، وميزة أخرى أنها مجموعةٌ عامةٌ خاصةٌ في الوقت نفسه، عامةٌ تدعو الجميع إلى المشاركة في المناقشات، وخاصة لأن عنوان الكتاب شأنٌ داخليٌ يحدده أعضاء الملتقى الأدبي بعد أن يتناقشوا في عدة أسماء حتى يتوصلوا إلى غربلة القائمة والتواصل مع الكتَّاب للوصول إلى الكتاب على الطاولة، ومن الميزات لهذه الجلسات أن يحضر كتَّابٌ أردنيون جلسة نقاشٍ لزميلٍ لهم.

الأدب الأردني لم يكن شحيحًا ومنذ غالب هلسا ومؤنس الرزاز وحتى اليوم لا يزال غنيًّا بالكثير من الأعمال التي تنتظر من يسلط الضوء عليها، والتي تستحق العالمية، والمثقف هو أول شخص يجب أن يدعم الكتاب الجيد، وهذا ما يفعله الملتقى الأدبي.