المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ضحى عبد الجواد Headshot

أسئلة حول المصالحة بين السلطة وجماعة الإخوان

تم النشر: تم التحديث:

على الرغم من أنها غدت الآن من ضمن الوثائق الأرشيفية لمتابعة تطور الصراع بين السلطة وجماعة الإخوان المسلمين بمصر، فإن وثيقة "وطن للجميع"، أو ما أطلق عليها "وثيقة واشنطن"، جاءت كاشفة لحجم التصدعات والتشرخات الداخلية بحركة الإخوان، حول ملف التعامل مع السلطة ومحدداته، ومستقبل الجماعة المتوقع في ضوء التوصل لأي اتفاق ما بين الطرفين.

التساؤل الذي طرحه النقاش حول الوثيقة هو إلى أي مدى يمكن أن يستمر الصراع بين الدولة والإخوان؟ وإلى أي مدى سينجح نظام السيسي في الاستمرار في الحصول على دعم شعبي بناء على سردية مكافحة الإرهاب المتمثل في حركة الإخوان؟ الوضع الحالي للطرفين (الحركة - السلطة) يشير إلى أن كليهما في حاجة إلى رسم سيناريو جديد أو مخرج للإنقاذ، ولعل ذلك هو ما أعاد إلى السطح الآن ملف التصالح بين الحركة والسلطة.

بالنسبة لنظام السيسي

تشير بعض المؤشرات إلى تراجع شعبية السيسي وارتفاع معدلات الغضب الشعبي ضده نتيجة لسلسلة السياسات النيوليبرالية التي تنتهجها الحكومة، فبتاريخ 21 نوفمبر/تشرين الثاني من العام الحالي، حصد النظام نسبة 80% من عدم رضاء الناس عن أدائه في موقع إحدى الجرائد الرسمية على الإنترنت، الأمر الذي يشير إلى أن خطابات الرجل المتكررة والمستمرة عن ضرورة الصبر والتقشف من أجل مستقبل أفضل لن يكون لها صدى عند المواطن العادي، الذي تتضاءل قدراته الشرائية للسلع والمنتجات بصورة يومية، دون وجود شبكة اجتماعية قوية لاحتواء المتضررين أو أصحاب الدخول الدنيا، يضاف إلى ذلك تراجع جودة الخدمات، وأداء المؤسسات العامة بصورة مستمرة، دون وجود أي تحسينات ملحوظة على حياة المصريين.

ومع وضوح السياسات المنتهجة من قِبل الدولة والمعادية بالأساس للفقراء، أصبح من الصعب أن تجد تصديقاً لمقولة إن الإخوان وأفعالهم التخريبية هي السبب وراء كل بلاء وشدة، خاصة أن استمرار الحملات الأمنية المستمرة ضد الجماعة وأفرادها وأنشطتها وإجراءات التحفظ على الأموال والمنع من السفر التي طالت كافة القوى السياسية المعارضة على قدم المساواة ودون تمييز جعلت السلطة السياسية في الواجهة باعتبارها المهيمن والمتحكم الوحيد في كافة مساحات التداول والعمل العام والمؤسسي، كذلك فإن حجم الاعتداءات والملاحقات الأمنية اتسعت مساحتها لتشمل دوائر المتعاطفين من غير الإخوان من القواعد الإسلامية، بالإضافة إلى عدد من النشطاء في المجالات الحقوقية والإنسانية، الأمر الذي وسَّع من دوائر ومساحات الرفض للنظام الحالي وكافة أبواقه.

إذاً لدينا الآن نظام سياسي يعمل دون شرعية سياسية ودون شرعية اقتصادية، مع تنامي وتصاعد موجات غضب شعبي يُرشح أن تقف مع أي بديل سياسي جديد، أو أي صوت يمنح المصريين الأمل في تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الحالية، لكن هل يعني ذلك أن يسقط النظام أو أن السيسي غير قادر على الاستمرار والترشح لمدة رئاسية أخرى؟

الحقيقة أن هناك صعوبة في الإجابة عن مثل هذا التساؤل، وذلك لتوافر عدد من العوامل المتضاربة التي قد ترجح فشل الرجل واستمراره في الوقت نفسه.

بداية يمكن القول إن الفشل الاجتماعي والاقتصادي وتصاعد حدة المظالم والمتطلبات الاجتماعية لا يعني بالضرورة سقوط النظام السياسي وخروج بديل جديد، فنظام مبارك استمر ثلاثين عاماً لم تكن أوضاع المصريين أفضل كثيراً. ثانياً هناك مناخ إقليمي حالي يرى أن حدوث اضطرابات جديدة في مصر أمر لا يمكن تحمله أو دعم استمراره، ومن ثم يمكن دعم تحركات محدودة لإتاحة المزيد من الفرص والحريات للمعارضة دون تنحية رأس السلطة وعلاقته بالمؤسسة العسكرية، ومن ثم فيكون الأفضل للمصريين الحصول على واجهة سياسية جديدة دون تعديلات حقيقية فيما يخص تحديداً وضع المؤسسة العسكرية والملفات الأمنية الرئيسية، وعلى رأسها صراع الدولة مع داعش في سيناء.

ولكن التساؤل الذي يطرحه هذا التصور هو: ما هي الأوراق البديلة المقبولة التي يمكن أن تطرحها السلطة وتلقى دعماً شعبياً؟ وإلى أي مدى يمكن أن يقبل السيسي بالتراجع، خاصة بعد فشل حدوث أي تحركات شعبية ناجحة في الحادي عشر من نوفمبر الماضي؟

ومن ثم فهل يمكن فهم الحديث عن "التصالح"، "الاتفاق"، "المهادنة" بين النظام والإخوان في إطار محاولات إنقاذ السلطة أو إيجاد مخرج مقبول يسمح بفك القبضة الأمنية للنظام، مقابل ضمان تهدئة أي معارضة محتملة أو زعزعة سياسية للنظام الحالي، وهو ما يعني ضمنياً تحول الإخوان، إما عن عمد أو دون قصد، في ظل الضغوط الحالية، إلى ضمانة أو حصانة لاستمرار النظام السياسي وإطالة مدة حكمه.

بالنسبة للإخوان المسلمين

الأمر بالنسبة للجماعة أكثر تعقيداً، فالجماعة حالياً في حالة انفجار وتشظٍّ كامل على كافة المستويات، وطرح موضوع المصالحة الآن ما هو إلا كشف للغطاء عن حالة التشظي الحالية، فما بين مظالم المشردين والمطاردين والمعتقلين والمعذبين بالسجون، وبين مشاعر الحزن وحالة التروما التي أصابت الكثير من أفراد الجماعة، نتيجة للمذابح المتتالية التي ارتكبها النظام ضدهم، بدءاً من مذبحة المنصة، وانتهاء بموت العشرات جراء التعذيب والإهمال في مقرات الحبس والسجون، في أعقاب مذبحة ميدانَي رابعة والنهضة، تنشطر الجماعة حول موقفها من السلطة؛ فهل تقبل بالتصالح رفقاً بأبنائها وإخوانها المعتقلين والمشردين؟ وهل يعني التخفيف عن هؤلاء ضياع حقوق ذويهم ممن قُتلوا وعُذبوا وعدم معاقبة الجناة؟ وما هو الإطار الذي تعود به الجماعة للعمل العام؟ وهل تنجح القيادات بالأساس في إقناع قواعدها الثائرة بضرورات المصالحة والتوقف عن مقاومة النظام بأي شكل ممكن حتى ولو بصور فردية؟ وكيف سيتعامل الخارجون من السجون أو العائدون من المهجر مع قياداتهم ومع طوائف كبيرة من الشعب صمتت بل أيَّدت التصفية الكاملة لأفراد الجماعة؟ وكيف يمكن للجماعة التعامل مع شخص محمد مرسي باعتباره رئيساً سابقاً لتلك البلاد؟ ما هو تصور تعامل الدولة في حال الإفراج عنه أو تبرئته في القضايا المنسوبة إليه؟

لا أعتقد في تصوري الشخصي أن قيادات الجماعة التي سعت لعقد وطرح ملف التصالح لديها إجابات كاملة ومؤكدة عن حجم المآلات المتوقعة على صعيد التنظيم وعلى صعيد الأفراد؛ لكن المؤكد أن طرح ملف التصالح هذه المرة بهذه الدرجة من الوضوح ومن مستوى قيادي رفيع كإبراهيم منير، والمقيم حالياً بلندن، يظهر أن هناك مستجدات على صعيد السلطة في مصر سمحت أو دفعت للتهادن مع الحركة بشكل ما، وهو ما سيظل رهن تطور الأحداث في الفترة المقبلة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.