المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ضحى عبد الجواد Headshot

هل حقاً يمكننا الفِكاك من الحداثة؟

تم النشر: تم التحديث:

يتردد ذلك السؤال في ذهني بصورة شبه يومية مع التعرض الكثيف لعدد من الخبرات والتجارب الشخصية للأفراد التي يتم تسويقها وتداولها يومياً على مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارها نماذج نطمح إليها. الحقيقة أني لا أتحدث هنا عن نماذج الاستهلاك والموضة والفاشن وخلافه، التي أصبحت موضة قديمة إن جاز التعبير، أو يمكنك القول إن الوعي البشري لجيلنا أصبح لديه دراية بأنها براثن للرأسمالية وماكينة الاستهلاك، كما أنها نماذج غير حقيقية، ومصطنعة، ومقولبة.

أصبح الآلاف من البشر يدركون أن أجساد هؤلاء العارضات نُحتت بعد عدة أيام من التجويع المستمر، بل إنها أجساد غير صحية يجب ألا نطمح إليها. إن تلك البشرة النقية البرونزية ما هي إلا أنعكاس لعدد من طبقات المساحيق التي تنتمي إلى أشهر الماركات يُراد التسويق لها، كما أن تلك اللحظات في سلسلة المطاعم الشهيرة ليست أسعد لحظات حياتك على الإطلاق، على العكس تذكِّرك بعدد المرات التي جلست فيها وحيداً تحسب عدد السعرات الحرارية التي حصل عليها جسمك في لحظة يأس وشعور بعدم الإنجاز.

إن سلسلة المطاعم تلك تجد طريقها إليك بحكم أنها الوحيدة التي تفتح لساعات متأخرة في الليل، أو بحكم أنها الأقرب لعملك، أو بحكم أنها الأسرع وليس لديك وقت لتبحث عن غيرها، ليس لأنها اختيارك الحر الأسعد والأكثر حكمةً أو رشاداً.

يبدو لي أن ملايين من البشر الآن لديهم ذلك الإدراك الواضح الواسع عن مكانيزمات الحداثة والاستهلاك، أصبح لدى كل هؤلاء إدراك واعٍ غير مقصود بتفاصيل سلسلة نقد الحداثة لباومان؛ بل إن البعض يرى أن ما كتبه المسيري لم يكن إلا هراء الكل يعلمه ويدركه، ما الجديد يعني؟ بل إن هناك قناعات خفية بأن الكل يستطيع أن ينقد ما يكتب مثل هؤلاء بحكم التجربة المعيشة، كأن الكتابة وساعات المكتبة جهد لا يُذكر ينجح الكل في القيام به.

لنعد لموضوعنا وأسباب تلك المقدمة الطويلة حول هل يمكننا فعلاً، بعد هذا الوعي والإدراك، الفِكاك حقاً من براثن الحداثة؟ في الفترة الأخيرة، أعتقد أنني كنت متابِعة جيدة لعدد من النماذج البديلة على صعيد الغذاء والبيئة والتعليم، كنت أتابع من كثب، بصورة يومية وصامتة، هؤلاء الذين يؤيدون الالتزام بالنظام النباتي فقط من الشرق الغرب، أتابع وأركز في منطق الأفراد، لماذا يجب علينا ألا نقرب اللحوم ومشتقاتها من الألبان والدهون وخلافه، هل لا توجد أضرار حقاً للاعتماد على كل هذه الكميات من الجلوتين في النشويات.

على صعيد آخر، أتابع من كثب كل ما يكتب عن مشكلات الجلوتين وبدائله وآثاره على الجلد وتسببه في الحساسية لبعض الأفراد؛ بل إنها خدعة -عزيزي- إن تصورت أن القمح الذي تتناوله نقي كما كان يستهلكه أجدادك، لقد دمرته الحداثة والتصنيع كما دمرتك أنت شخصياً، لا تثق تماماً ببدائل الحبوب الكاملة التي تريح بها ضميرك.

يضاف إلى ذلك، كل المتابعات عن فشل ذلك النظام وتأثيراته المدمرة على الصحة؛ نتيجة لنقص فيتامين "ب" الموجود بكثرة في اللحوم الحمراء؛ بل إن هناك أبحاثاً كتبت عن أن تناول ذلك الفيتامين في صورة أقراص غير كافٍ ويجب تناوله في صورة إسبراي. الحقيقة أنه أمر مكلف جداً حتى على المواطن الإنكليزي العادي، فما بالك بحضرتك شخصياً.

إذاً، هذا النظام لا يفيد، فلنستمع لأصحاب العودة للطبيعة ونتجاوز عن مقولات أنصار حقوق الحيوانات ونأكل البروتين ونمتنع عن الجلوتين والنشويات والسكريات. أتساءل في تلك اللحظة، بمنطق الأم التي يجب عليها إطعام عائلة كاملة جربت العيش بميزانيات مختلفة في 3 دول مختلفة من العالم، عما قد يتطلبه الأمر من ميزانية للحصول -أولاً- على لحوم عضوية -فطبعاً، لا يمكنك التغاضي عما فعلته الحداثة في تصنيع الأسمدة المقدمة للحيوانات- لإطعام أسرة من 4 أو 5 أفراد يومياً، وضمان شبعهم الكامل دون كسرة خبز واحدة.

فإما أن تكون غنياً تماماً وإما أن تكون في بلد غني تماماً أيضاً، فتقترب أسعار الألبان والبيض واللحوم الطبيعية العضوية مع المصنعة، حتى ذلك لم يكن متحققاً تماماً في بريطانيا الأم، لكن لا تزال قادراً على إحداث توازن ما.

أتذكر في هذا الصدد قصة مطولة كتبها أب عن قيامه بعمل مزرعة للدواجن في منزله على جروب التعليم المرن؛ لأنه بعد بحث طويل يضني القارئ تأكد أنه لا توجد حتى دجاجات بلدي أو عضوية بصورة كاملة في بلادنا، هو لا يريد أن يطعم صغيرته دجاجات محمَّلة بتلك الهرمونات السامة، تعجبت أولاً من ذلك البحث المضني الذي قام به ذكر مصري الميلاد والجنسية عن أثر مثل هذا، تعجبت من قدراته فعلاً على تربية الدجاجات الصغيرة، تيقن لدي -بما لا يدع مجالاً للشك: نعم يمكننا الفكاك من الحداثة؟ أو لنكن أكثر دقة: نعم، يمكن للبعض منا الفكاك من الحداثة؟ من المفروض أن نخرج أيضاً ونحذو حذو هؤلاء ونتحرر.

لكن، أتساءل: هل يمكن للكل فعلاً الخروج من تلك الدائرة المظلمة؟ هل يمكن للكل فعلاً تبني منهجيات التعليم البديل والمرن والمنزلي والتعليم في الغابات والتعليم المتداخل الحر، أضف ما تريد من الأسماء. هل تأكدنا أن في ذلك الخير كل الخير وفي غيره الشر كل الشر. هل يمكننا جميعاً أن نزرع ونربي ما نأكل في تلك البيوت الخرسانية الصغيرة؟

أتذكر أيضاً في ذلك الصدد، تدوينة لندى القصبي، نُشرت حديثاً، وتتحدث في أولها عن الذهاب للحضانة باعتباره أحد الشرور ووسائل خلق طفل فاسد، مشابهة ذلك بترك أولادك لاحقاً إياك في دار رعاية المسنين كرد فعل لتركك لهم في دور الحضانة لتتفرغ لعملك.

هنا، تذكرت أنا دائماً ولا أنسى مقارنة حالي في كل مرة وضعت فيها ابنتي في دار رعاية بديلة وأتفهم تماماً ما تعنيه ندي في مقالها. لا أستطيع الآن تذكر كم دار رعاية وضعت فيها ابنتي كم لغة لهجة سمعتها أذنيها في أعوامها الأولى كم صديقة أجنبية تحدثت لابنتي قضت بعض الوقت معها، لدرجة أنني عند لحظة ما لم أكن أهتم كثيراً بجنسية المربية، أخبرها فقط أن ليلي تستطيع إدراك تعليمات الإنكليزية الأساسية لتدبر أمورها حتى إن لم تتحدثها، كنت أخرج نادمة أقرأ سورة يس أخبر الله أني استودعتك في حفظه الكريم إني لم أكن أفعل ذلك إلا لسبب كبير سيجعل كل تلك المعاناة سنداً كبيراً لي لها في الدنيا.

سرعان ما أتجاوز كل تلك الأحزان عندما تخبرني ليلي أنها قضت وقتاً ممتعاً، أنها تريد الذهاب مرة أخرى لتلك الدار أو لتلك المربية. بل أقارن تلك الأوقات في عمر صغيرتي بأوقات أخرى كانت تقضيها معي أنا أعاني لنتجاوز معاناة الحياة اليومية أو أعاني مشكلة ما مع زوجي، أو أعاني آلام الحيض فأتركها تشاهد الكارتون لمدة أطول لأستريح أنا، أو أصرخ فيها بصبر أقل تحت ضغط ما مررت به.

أتساءل عن دور الحضانة، ليس في حياتي صغيرتي، فوضعنا وضع استثنائي، لكن دور الحضانة والتعليم الابتدائي في حياة الآلاف من هؤلاء الصغار الأحرار الأخيار من الأطفال في بلدان مختلفة.

بل أتذكر دور معلمة الحضانة الخاصة بي ميس فوزية في تعليمي للقراءة والكتابة بصورة سريعة رغم أنني التحقت بالتعليم المباشر في عمر الثالثة ونصف فقط، أتذكر أنني تعلمت ما أعرفه من الدين الآن من معلمات اللغة العربية الدين في مدرستي الابتدائية ليس من أمي وأبي، أني حصلت على حياة اجتماعية عظيمة واسعة في مدرستي لم أحصل عليها في بيت أبي وأمي.

وأتذكر أيضاً أنني تعرفت في حياتي تلك على عدد كبير من الأصدقاء قام أهلهم بهندسة حياتهم بعيداً عن كل مصادر التلوث القيمي البيئي للحداثة، فلم تكن تعرف صديقتي من هو إسماعيل يس لم تضحك يومياً على أفلامه لأنه لم يكن لديهم تلفزيون، أتذكر أخرى لم تكن تعيش خارج نطاق مدرستها قوانين البيت الصارمة التي وضعتها تلك الأم. كل أصدقائي كانوا متميزين حقاً لديهم فطر نقية، لكن كانوا أقل إدراكاً لكل ما حولهم، تعرضوا لصدمات نفسية كبيرة، أولها ليس لديهم ذاكرة مشتركة مع هؤلاء الذين يعيشون حولهم، لا يستطيعون أن يفهموا لماذا يضحكون، لا يستطيعون أن يجدوا شريكاً يشبههم.

أتساءل يومياً بعد تلك المشاهدات عن فكرة الذاكرة المشتركة للأجيال، أتذكر فكرة العلاقة بين الذاكرة السعادة. إلى أي حد يمكن لذاكرة التشارك منحك سعادة؟ هل يمكن أن تكون سعيداً دون ذاكرة مشتركة مع من يحيطون بك؟ الحقيقة لا أريد أن أقوم بوضع الأمر في إطار رومانسي، فكل شيء ممكن.. لم يعد هناك شيء حتمي في هذا الكون.

نعم يمكن أن تكون سعيداً، سعيداً للغاية، الحقيقة. بل يمكن لعزلتك أن تعطيك أسباباً للسعادة مثل اندهاشك، عدم فهمك لهؤلاء، فتضحك في كل يوم لأنه عالم جديد تكتشفه بذاتك بعيداً عن هندسة اختيارات والديك لمعاني الخير، السعادة، النقاء في الدنيا.

ولكن سؤالي أعود مرة أخرى لمقال ندى، هل يمكن لكل أم، أب أن تتاح لهم فرصة الفكاك من الحداثة أن يختاروا بل يقدروا على الحصول على دخل كاف من أعمال إبداعية لا تتطلب ساعات عمل ثابتة، هل يمكن لملايين النساء المصريات أن يتركن وظائفهن، مرتباتهن الهزيلة ليخرجن بأطفلهن صباحاً لاكتشاف الحياة وفقاً لمنتسوري، كم مرة أتيح للبعض كما أتيح لابنتي أن ترى سنجاباً في الغابة برصاً في الصحراء في المرة الأخيرة التي زارت فيها والدها؟

هل ندرة الحضانات الجيدة كفيلة لجعل هذا الخيار شراً مطلقاً مصدراً لخلق طفل فاسد، هل يمكنك حقاً القول إن طفلاً يذهب لحضانة مؤهلة في مصر قد افتقد للكثير مقارنة بوجوده مع أمه التي تعاني مشكلات نفسية حالية بحكم علاقتها بأبي الطفل؟، أو هل افتقد هذا الطفل الكثير من عدم الوجود مع جدته كبديل للحضانة التي لا تتوقف عن مقارنته في كل لحظة بأحد أقاربه؟

هل حقاً تظل خيارات الهروب من الحداثة خيراً مطلقاً دائماً، ابداً، هل يمكننا نحن كلنا جميعا اللحاق بتلك النماذج المثالية؟، هل يمكنك حقاً شراء مزرعة بناء بيت صغير في طريق مصر إسكندرية الصحراوي، الاعتماد على غذاء عضوي كامل، نقل عملك روابطك إلى هناك، مشاركتك أبناءك لتلك التجربة المثيرة كما فعل فلان الذي أخرج إلينا تجربته كاملة دون أن يذكر أنه ورث تلك الأموال عن والديه، أنه يعمل في شركة استثمارية تعطيه أضعاف راتبك.

هل ذكر هؤلاء الداعين إلى النظام النباتي كاملاً كم ستكلفك فيتامينات ب شهرياً من إجمالي دخلك المحدود، هل ذكر أنه قد تصاب بالآلام شديدة الحساسية في أمعائك إذا ما عدت للحوم بعد مرور فترة زمنية طويلة، أن تلك الآلام قد تحرمك من مشاركة أصدقائك حفل شواء سنوي؟. هل ذكر هؤلاء تكلفة البروتين العضوي لإشباع أسرة كاملة؟. هل حقاً في كل السياقات الحضانة تجعل من طفلك فاسداً، هل حقاً دور رعاية المسنين شر مطلق.

لا أعلم لا أجد في اختيار البعض الوجود في دور رعاية جيدة بدلاً من الوجود في بيوت أبنائهم شراً مطلقاً. أنا شخصياً أتصور أنها قد تكون أحد اختياراتي إذا طال بي العمر سافرت ليلي مع زوجها أولادها لبلد لا أستطيع العمل أو العيش فيه منفردة. لا أجد غضاضة في تمضية الوقت ليلاً امام التلفاز مع هؤلاء العجزة تذكير أحدهم لي بدواء المفاصل إذا ما تركني زوجي توفي والدي، فقد لا يعني ذلك أن ليلي جاحدة أو زوجها شرير أو أن أولادها غير محتملين.

الحقيقة ما أريد ان أقوله بعد أن تاهت مني الأفكار إن الركض وراء البدائل يجب أن يكون على دراية، لكل شخص ظروفه أوضاعه، الحقيقة أن الأخيار ينتجون أخياراً بصرف النظر عن منهجية التعليم سواء كان نظامياً أم مرناً، أؤمن بذلك الآن في قرارة قلبي عقلي بعد مشاهدات كثيرة، لا يمكن لمنهج منتسوري أن ينتج طفلاً متميزاً بينما يمر هو مع والديه بانفصال صامت لم يعلنوا عنه على شاشات التواصل الاجتماعي، لا يكون طفلاً في يد مُدرسة طيبة في أحد دور الرعاية طفلاً فاسداً.

الحقيقة أن الامتناع عن النشويات تماماً اللحوم تماماً أيضاً لن يعطيك صحة أفضل. أتذكر قول الله تعالى { فكلوا اشربوا لا تسرفوا» كما أن الصحة تستمد من السعادة قد تكون السعادة مشاركتك كسرة خبز تحتوي على الجلوتين في مطعم حداثي محض مع صديقة تحكي لك عن مشكلة هم وقعت بها.

الحقيقة أن الحب لا يأتي إلا بالتجارب المشتركة، الحقيقة الأكبر أننا لا يمكننا جميعاً الفكاك من الحداثة؟ تلك النماذج الانفصالية الكاملة لم تعد في نظري سوى نماذج بديلة لأجساد تلك العارضات التي لا يمكننا جميعاً الوصول إليها دون أن يعني ذلك أننا أقل جمالاً منهن.

لا يمكننا الهرب من أقدارنا الحقيقة. إن مفهوم القدر الخيارات التي يصعب تغييرها أصبح كبيراً للغاية ليشمل محل إقامتك.. جنسيتك، لغتك، لون بشرتك، مستوى دخل تعليم والديك زوجتك بل ابنائك في المستقبل لا يمكن للجميع الفرار من تداعيات الحروب هيكل الاقتصاد المتحكم في التعليم، مستويات الدخل.

كل ما علينا فعله أن نسمع بقلب كبير نشاهد لا نتوقف عن التمني نتمنى أن يتربى أبناؤنا وسط البراري كذلك الأخ الذي خرج على أحد المجموعات للتعليم البديل مخبراً عدداً من الأمهات أنه لا يجب عليهن الاهتمام بكل تلك التفاصيل المعارف إنما ترك الحرية لأبنائهن لاكتشاف الطبيعة كالقرود.. كما يفعل ابنه في كندا.

إذن سيدي إذا كان لدينا أبناء كالقرود فمن أين لنا بالأشجار؟
الحقيقة ليس هناك شر مطلق لا خير مطلق في كل خيار، لا توجد خيارات حرة تماماً، فإن كانت لديك الرغبة للخروج من الحداثة فالحقيقة أنه لا يمكنك الهروب من قدرك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.