المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دعاء سامح محمد Headshot

أعراسنا المؤجلة

تم النشر: تم التحديث:

"أحيانا أقول: إن الحياة تقسو بلا معنى ولا ضرورة، وأحيانا أقول: حظنا منها، وإن ساء، أقل قسوة من الآخرين، أقل بكثير".
رضوى عاشور - ثلاثية غرناطة

منذ أسابيع وأنا أحاول عبثاً الكتابة.. تخطّ يداي شيئاً ثم أتراجع.. لمَ؟! أكرر السؤال علي نفسي مراراً وتكراراً، تطاردني كل الكلمات التي خفت من كتابتها في أحلامي، أنام وأصحو وأنا أبكي بسبب ذلك الحلم المتكرر؛ حيث أنا عروس وأبي وأخي وأمي معي في زفافي، تطاردني تلك الأمنية البسيطة المستحيلة، أن يعود الزمان قليلاً وأراهم معي وأحتضنهم.

كل شعور تجاهلته يطاردني الآن، كل كلمة تراجعت عن كتابتها تلاحقني بمئات الكلمات الأخرى.

ثمانية أسابيع والورق يطاردني والكلمات وقلبي المثقل بها يرجوني أن أسطرها.

أقول لنفسي: ربما حانت اللحظة أن تكتبي عن تلك الفتاة، وعمن هنّ مثلها وعن "أعراسهن المؤجلة".

في صالة المغادرة

بخطى ثقيلة، وغصّة في الحلق والقلب تشبه البكاء أكانت تغادر إلى صالة المطار المزدحم، ترافقها نظرات الناس حيناً ومباركتهم حيناً، تبتسم لكل مَن يبارك وتعجز عن الرد حين يسألها أحدهم لمَ ستتزوج في بلد غير بلدها؟ ولمَ لا يرافقها أهلها؟

كانت تتأمل السائرين وتسأل نفسها: كم منهم أجبر على أن يتزوج بعيداً عن أحبابه؟! كم منهم غادر بلده قسراً؟!
كم منهم ترك وراءه أباً معتقلاً أو أخاً سجيناً؟! كم منهم قاسى ذلك الألم؟! وكم منهم خبر تلك التجربة؟!
كم منهم هرب من شتات في وطنه إلى شتات في غربة؟! وكم منهم رسم أحلاماً في صالات المغادرة وعلى حقائب سفره المنهكة من الغربة؟!

الأسئلة تتكرر وتتكرر وليس لها من إجابة، ولربما كانت الإجابة موجودة، ولكنها بأي حال فوق قدرتنا على تحمّلها.

رحيل

كانت تردد في قرارة نفسها: "اللهم إني رضيت.. اللهم إني رضيت" وهي تتجه إلى الطيّارة، تتساءل في نفسها وتقول: هل من عوض عن كل هذا الغياب يا رب؟
هل من عوض عن غياب أحب الناس لقلبي في زفافي؟
وهل تكون العروس جميلة بهية إلا بقرب أبيها وأمها؟ وهل تكون العيون كحيلة إلا إذا تكحلت برؤية إخوتها وأحبابها؟

حين تداهمني كل هذه الأسئلة وكل تلك الأحلام الصغيرة المؤجلة التي لا تنال، أتذكر ما قالته رضوى عاشور في ثلاثية غرناطة؛ حيث كل الأعراس مؤجلة أيضاً.

"فما الذي يُطلب سوى الاعتذار عن القلب الذي يطلب فجأة ما لا يُنال.. غريب هذا القلب! غريب!..".

عرس.. ولكن!

يأتي يوم العرس.. كانت هادئة صامتة بعض الشيء، تقاوم بكاءها وترجو ألا تفضحها عيناها، كان ذاك العرس جميلاً رغم الغياب الموجع، هادئاً رغم الصخب والضجيج الذي في نفسها، لم ترد أن تشعر كل مَن حولها بألمها فشاركتهم الفرحة رغم كل ما في نفسها، هكذا ظلت تردد وتكرر على نفسها: لن يهزمني غياب أمي ولا أبي.. رغم أنها تفتقد يد أمها الحانية وصوت أبيها الهادئ ورفقة أخيها الذي أخبرها في آخر رسالة له من معتقله أنه سيكون معها في فرحتها، ولكن شاءت الأقدار غير ذلك!

قالت لنفسها: لن يهزمني حزني ولا وجعي في يوم عرسي.. كانت تدري أنها تصبر وتقوي نفسها لكي لا تبكي!

على غير هدى رحلنا لأرض ليست أرضنا لربما نجد فيها ملاذاً يعوضنا عن قسوة وطننا،
رحلنا وبقيت قلوبنا هناك؛ حيث الأحبة في غياهب السجون يتجرعون عنا كل الآلام.

لكل أعراسنا المؤجلة.. ولكل أفراحنا التي كللها الغياب وأوجعها الحنين، ولكل عروس غاب عنها مَن تحب في عرسها كتبت هذه الكلمات.

لكل المغادرين، ولكل المسافرين الذين لم يكترث أحد لأحزانهم ولا لأفراحهم، لكل أب غاب عن عرس قرة عينه، ولكل أُم لم تشهد فرحة عيون صغيرتها، ولكل المنسيين في زحمة الأوجاع.. لكل الذين تجاوزوا هذا رغم هشاشتهم، ولم يفقدوا أبداً ضحكتهم كتبت هذه الكلمات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.