المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دعاء عثمان Headshot

جدي والعائلة الممتدة

تم النشر: تم التحديث:

في القرن الماضي في مطلع الثلاثينيات وُلد جدي في فلسطين، لأب فلاح، ومتعلم، توفي قبل أن يبلغ جدي الثانية من عمره، وتربى في منطقة سهلية غير بعيدة عن ساحل المتوسط؛ حيث كانوا يفلحون الأرض ويأكلون من خيراتها، ثم عاد والتجأ إلى قريته عندما حصلت الحرب، واحتلت الأرض، وكان في مطلع شبابه حينها، تعلم في مدرسة ابتدائية ثم تركها لفقره، فأتقن القراءة والكتابة والحساب، استقر في قريته، وتزوج وأنجب من الأبناء والبنات ثلاثة عشر، وزاول العديد من الأعمال في حياته فعمل في الفلاحة وفي البناء وفي دق حجر البناء، وفتح دكاناً لبعض الوقت، ثم عمل مؤذناً حتى تقاعد، ترمل مرتين، وفقد إخوته جميعاً في حياته، وكان يحب العلم، واللقمة الحلال، فدفع بأبنائه إلى التعلم والكسب من عرق الجبين، ورباهم على الصالحات، فتعلم أغلبهم ونالوا شهادات جامعية في علوم مختلفة، وكذلك أبناؤهم من بعدهم، ومع أنه كان شديداً في تعامله معهم إلا أنه كان يحبهم كما أحب أبناءهم فيما بعد -وأنا منهم- حباً جمّاً.

جدي صار كبيراً، وضعفت قوته، فقد وصل إلى عقده الثامن وهو يحمل أمراضاً عدة، منها السكري والضغط والقلب، وكان قد أجرى عملية قلب مفتوح ذات مرة، بالإضافة إلى آلام المفاصل والعضلات، لكن قلبه ما زال شاباً يمنحنا من الحبِّ الكثير، وعقله ما زال قوياً، يحدثنا عن الماضي، ويذكر أدق التفاصيل، ويتلو القرآن، ويحافظ على صلواته في أوقاتها، وله أوقات محددة للطعام والنوم، لا يتجاوزها إلا ما ندر، ويسأل عن أولاده وأحفاده وأحفاد أولاده واحداً واحداً ويتفقدهم ويسأل عنهم، ويداعب الصغار إن هم حضروا وسلموا عليه، ويسأل عن أحوالهم إذا غابوا، ويسمعنا الدعوات والأشعار المرتجلة من حين لآخر.

عندما مرض جدي منذ فترة قصيرة واضطر إلى دخول المشفى والمبيت فيه، رافقه أحد أعمامي في المشفى، ورفض أن يحل أحد مكانه، وكان الجميع يزوره في أوقات مختلفة من النهار، عندما دخلت عليه غرفة العناية المركزة بكى عندما سلمت عليه ثم قال لي: اقتربي مني اجلسي بجانبي، تحدثي معي، شعرت أن جدي قد أنِس بوجودي، وبدأ يسألني عن حالي ويطمئنني أن حاله أفضل الآن، لم يكن لدي الكثير من الوقت لكنني عندما تركته جاء بعدي أحد غيري وهكذا لم نكن لنتركه طويلاً، حتى إنه عندما حان الوقت المخصص للزيارة اجتمع عنده عدد كبير من أبنائه وزوجاتهم وأحفاده وأقاربه، ولم يكن الطاقم الطبي ليسمح بدخول هذا العدد لكن حالته الصحية سمحت أن يخرج ويجلس إليهم في حديقة المشفى الخلفية، وكم أسعده ذلك.

عاد جدي إلى المنزل، وكان ما زال متعباً، فلم يتركه أحد، بل إن أبناءه المغتربين حضروا لزيارته والاطمئنان عليه، كانوا لا يتركون أمر العناية به لزوجته بل يهتمون به بأنفسهم، وكنت آخذ أطفالي وأذهب إليه، فيفرح لوجودنا جميعاً حوله واهتمامنا به، حتى إنه تحسن أسرع من المتوقع، وصرنا نرى الحيوية تعود إلى وجهه، لقد بذل جدي الكثير ليحصل على عائلة تبره، فقد أثمر الحرص على الرزق الحلال، والحث على العلم، والحب، فرأى ما تقر به عينه ويبتهج به قلبه، فجزاه الله عنا كل خير وشفاه وألبسه ثياب العافية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.