المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دعاء عثمان علي Headshot

شغاف الفكر

تم النشر: تم التحديث:

باريس التي لم أرَها بعد، أعشقها حد الثمالة، أناظرها من وراء الروح، بشغف شديد؛ لمَ يا ترى تعلّقت إلى بذهني هذا الحد؟!

أكاد أتحسس هواها علي جبيني، ورائحة الدعاش، التي تختلط بروائح الزبدة والكرواسون الطازج،
والمقاهي التي لا ندري عنها بعد، باريس تشكل نقطة ثقافية هامة بالنسبة لي مع أنني لم أهتم بالأدب الفرنسي بعد! وأمقت الفلسفات القليلة التي اطلعت عليها لكبار الفلسفيين الفرنسيين، أو الذين تأثروا وثاروا بفلسفاتهم وتفكراتهم العميقة منذ بدايات عصر النهضة وعبر مقاهي باريس الأدبية.

ولكني على ثقة بأن تاريخي سيكتب في أحد المقاهي الثقافية الباريسية، أو علني أشتهر من هناك برواية أو نص مفحم أصوغه بتفرد غريب، نابع من الإحاطة بكل تلك الموروثات.

الأدب من الموروثات الباقية التي تلتصق بجدار الاسم أمد الدهر، فموروثك الأدبي يكبر ويظل مهما تغيرت سماتك وبعد مماتك، أنا في بادئ الأمر بعدما أصدرت روايتي الأولى حجبتها منها التوزيع داخلياً، ذاك أنني خفت الفشل، خفت الصيت السلبي.

ما دريت آنذاك أن الصيت في الأدب كله نجاح، لا فشل في الأدب على الإطلاق، ومن أساسيات النجاح هنا أنك أجدت الاختيار، من كل خيارات الدنيا التي تحوي ما عم وما شمل، يأتي الأدب في قائمة مفضلاتك، حتى وإن اكتفيت بتذوقه فأنت من السالمين فكرياً.

وما أدراك ما سلامة الفكر، إنها نار تشتعل بين العباد، جلها وأخطرها نار الفكر المؤبد، نار لا تطلع على الأفئدة، إنما تغيبها تماماً، تسكب الماء على الزيت، فلا يختلط الإحساس إطلاقاً بالفكر المؤبد، وهيهات للأفكار السلبية الهادئة في هذا الزمان، الذي أصبح القابض على ثباته فيه كالقابض على الجمر.

وما الثبات إلا لرجال قد عاهدوا الله على ما دبروا له، فالتدابير البشرية الخبيثة قد أعجزت وأوجزت في هذا الزمان، فأصبحنا لا ندري أنحزن ونتقلب في المِحَن، أم نغض الطرف ونخاف من العدو لومة لائم! ذاك أننا أصبحنا لا نفرق بين الخليل والمخل، يمكن للعدو أن يكون إبن الظهر الذي ترعرع تحت القدمين، التي لو أمعن النظر قليلاً لوجد جنته هنا، ولما قتل مفتاح الجنة ومضى باحثاً عن حور عين، تراهم بشهوة دنيوية.

يا ويل أيامنا من تلكم النيران الفكرية المؤبدة، هذا زمان التحديات يا مهازل فامرحي، فقد فقدت الكلمة معناها، وضلّت السبيل، ولعمري هي تنبؤات فلسفية تناقلتها الألباب بين منتقد ومتقد بها، تضج بين معنى الكلمة وكلمة المعنى ومفردها وما تبعها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.