المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دعاء عثمان علي Headshot

أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ

تم النشر: تم التحديث:

قبل قليل من الأيام، مررت بمقابر المسلمين في إحدي الدول العربية، التي تتملكها العوائل ميسورة الحال، فتبنى على أشكال منازل حقيقية بغرف وأسوار خرسانية؛ ليوارى بها من انقطع عمله في الدنيا، ويحفّ أهل المتوفى الميت بالزهور، وبعضهم يترك حاجات المتوفى لأسباب نفسية بحتة لا تحتمل الفلسفات اليراعية.. كله أمر جلل.

أما المصيبة الكبرى والتي تقطع الفؤاد، أن الذين لم ينقطع أملهم في العيش إلا من رحمة الحكومات الفاسدة قد توارت أجسادهم وعوائلهم الأحياء مع هؤلاء الموتى، الأمر الذي يدعو للتدبر؛ كيف للأحياء أن يتآلفوا مع الأموات في مضاجعهم! كيف يضطجع الطفل مع الجماجم! كيف يتزاوج هؤلاء ويتكاثرون في أماكن خصصت للعدم.. خصصت للموت.. خصصت للحزن!

الأطفال يلعبون، والباعة يتجادلون في الأسعار، والحرفي يبدع وسط الموت، والنساء يتجملن بانتظار أزواجهن، والجارات يتسامرن، والمشاتل ترفل بالزهور.. السيارات تشق المقابر، والمدارس تُخرج الطلبة وسط المقابر، والمجرمون الذين يخططون! وتجار المخدرات لا يعبأون بالملائكة السيارة..!

و"والله الذي لا إله إلا هو"، ذلك اليوم تشككت في إجرام المجرم؛ لم لا يُقتل الذي ترعرع وسط الموت! لم لا يتنشق الحشيش الذي يتنشق روائح العظام المتآكلة! لم لا تزني المرأة لكسب الجنيهات! ماذا تخاف؟! الله الذي ما تعرفت عليه! أم على جسدها الذي تكشّف فوق مقبرة رجل تحتها (لينعش) حياة رجل فوقها.. فبين الحي والميت تاه الجسد! أم القيم والتي من السخف أن أخط في هذا المقام عنها...! من المبرَّر أن يواري أصحاب المال أهاليهم تحت الثرى (النظيف) حسب مفهوم البر الذي يخالطه الحزن، ولكن "الأحياء أبقي من الأموات"!.. الأحياء أبقى.

وإنني أدركت حينها اشتراطية وحكمة الآيات التي نأخذها نحن بمنطق آدمي.. (صدق حقاً ربي) "وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً".. فلا أدري ما الذي ينطبق على من لم يؤتَ من العلم شيئاً، والذي لا يفهم إلا منطق الظلام وأصوات الأرواح المعذبة والمنعمة! والتي لم تحتكَّ كثيراً بالأحياء الذين لا يعلمون عن الأموات شيئاً.. لا أدري ما الأحكام الربية على هؤلاء باستدراك "رحمة ربك العزيز الوهاب"!

المحاكم، هل من العدل والمساواة أن تطبق الدستور على قليل العلم و قليل الأدب سيان! الذي (ينط الحيطة) بحثاً عن مأكل وملبس وبحثاً عن مغذى لحياته التي لا يدري هو مغذاها، وبين الذي تدثر باللحاف الناعم منذ صغره وتجادل أبواه في أمر تعليمه وحظي بشرف سرقة سيارة الوالد، وحظي بشرف تذوق الأكل سراً قبل الجميع في المطبخ، وحظي بشرف التوبيخ والحرمان من المسلسل اليومي..

ثم بعد كل هذا الشرف، أولج علي درب الجريمة طوعاً، وأولج على درب المستنشق والمستلحس والمستطعم والمطعون والمأخوذ (لذة) على لذة.. ليكتشف عوالم أخرى تراءت له عبر أفكار أجنبية وأوهام صديقة..! هل ينص على هذا مثل ذياك ! يا قضاة الشرع، لا تقاضوا فتى المقابر وفتى السرائر سيان، فالظلم كل الظلم أن (يعمي القانون) عن الإنسانية...!

أوجعني كثيراً الذي رأيت وحمدت الله على ذاك الوجع؛ فهؤلاء النسوة لا يتوجعن مثلي؛ لأن الوجع خيار (المتفكه)! فغيّرت مفهومي في اللحظة ذاتها عن التي امتهنت الرقص والهز لتغني فقرها المدقع ذاك... ليس ركضاً منها من الفقر.. وإنما جهلاً منها عن ما دون فعلها، فمن أين تعلم خطورة فعلها! من أين لها بذخيرة إيمانية - اختيارية - توعوية... إلخ.

فحقاً علي هؤلاء أن يحمدوا الله أن هداهم سبل الفساد الذي يدر عليهم بالأموال، وأصبحت لا ألوم الذي يحمد الله أن وسّع رزقه بتجارة البشر أو الضرر، فهذي حدود عقله الذي تبلور بين العظم والقبر.. فحسبنا ربنا على من كان سبباً في مواراة الأحياء مع الأموات، وحسبنا ربنا على من شاهد هذا وما حرك ساكناً.
الذين يغضون الطرف عن هذا! أين أنتم من الله!