المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دعاء ماجد Headshot

هكذا استقلتُ

تم النشر: تم التحديث:

في نهار لم أنم ليلته ذهبت إلى العمل ومعي ابني عبيدة الذي لم يتجاوز العامين إلا ببضعة أشهر إلى الحضانة، قاومت إحساس الإرهاق المترافق مع الحمل حتى لا أضطر للتغيب عن العمل فتجب علي في المقابل زيارة الطبيب حتى يحرر لي شهادة مرضية، شجعت نفسي بكل شعارات التنمية البشرية وذهبت للعمل، أقاوم وأقاوم، يمر الاجتماع التحريري بسلام، أقاوم، أتسلم مهام يومي، أقاوم، أحدث نفسي أنني سأستفيق بمجرد تناول الإفطار، بعد كل المحاولات لا أكاد أرى شاشة الكمبيوتر أمامي..

في هذه اللحظة ظهر شبح في عقلي يسألني سؤالًا غاية في الوضوح والاختصار ببطء واتكاء على كل حرف: ماذا تفعلين هنا؟

.. مهلًا ..
السؤال معتاد أسأله لنفسي يوميًّا تقريبًا منذ أكثر من عامين من أربع أعوام ونصف عملت فيهم، لكنه هذه المرة.. حقيقي جدًّا، متجسد إلى حد مرعب، صادم لأبعد مدى، كمن ألقى على رأسي دلوًا من الماء المثلج في يوم حار، كارتطامة أصابت رأسًا فاقدًا للذاكرة فاستردها، أو صدمة كهربائية لمن توقف قلبه فأعادته للحياة من جديد..

السؤال كان حاسمًا وليست الإجابة.. حملت حقيبتي، ذهبت إلى مشرفي واعتذرت عن إكمال اليوم ورحلت..

رحلت وأنا أقسم في قرارة نفسي أني لن أعود، وأنه مهما تعثرت في أي طريق آخر فلن يغير هذا من حقيقة أن هذا الطريق ليس طريقي ولم يكن يومًا..

رحلت بسيارتي من حرم العمل كمن خرج من آلة الزمن أخيرًا إلى عصره وزمنه الحقيقي..

الانتظار
هذا ما كنت أفعله باختصار، أربع سنوات ونصف أنتظر فرصة قد توصلني إلى حلمي وشغفي لم تأت أبدًا، أربع سنوات ونصف أحاول وأحاول البحث عن طريق يوصلني بحلم الإخراج وصناعة الأفلام وأنا أسيرة دور الصحفية منتجة الأخبار، أوهمت نفسي كثيرًا أني أستفيد، فعلًا استفدت كثيرًا بعملي في الجزيرة مباشر مصر منذ أيامها الأولى، تعلمت كتابة الأخبار وصياغتها وترتيب النشرات الإخبارية، أعددت التقارير الإخبارية كتابة وقراءة صوتية، اختلطت بمجتمع متنوع من الطبائع البشرية بما فيه من كبار الصحفيين والمذيعين، أحسب أني تعلمت العمل الصحفي في غرف الأخبار عن بكرة أبيه، وبالتأكيد استفدت ماديًّا..

ولكن ما علاقة هذا بحلمي السينمائي؟!.. صقلت نفسي نعم ولكن في خارج نطاق هدفي وخطتي وبذلت من أجل ذلك الكثير، صحتي التي تأثرت بغرفة الأخبار فأصبت بالقولون العصبي وتعرضت لضغط الدم المرتفع في حملي الأول، فضلًا عن الضغط النفسي وأنا أتعامل يوميًّا مع أخبار القتل والحرائق والمصائب، أصبحت أشعر بالضيق كل يوم وأنا ذاهبة للعمل، ليس الضيق النفسي المعتاد بل ضيق في التنفس يمكن أن يصيبني أو أمرض عندما أتذكر العمل حتى وإن كنت في إجازة، تكونت لدي عقدة ذنب قوية تجاه طفلي..

طفلي
بعد إنجابي عبيدة لم يكن أمامي خيار ترك العمل لملابسات عديدة، تنقل معي بين دور رعاية الأطفال، وبين أيدي مربيات الأطفال حتى أنهي العام ونصف وبعدها أستقر في الحضانة التي كانت أفضل خيار بعد تعلقه الشديد بمربيته، نطق اسم مربيته قبل اسمي وأحيانا كثيرة كان يرفض المجيء إليّ وأحيانًا كان يناديها بماما، لا أنكر أن علاقتنا تحسنت كثيرًا بعدما صار وقته بين الحضانة وبيني، لكني لم أتغلب أبدًا على إحساس أنني لم أعطه وقتي بل فضلة وقتي، قررت أني إذا رزقت بطفل آخر لن أكرر معه نفس المأساة في شهوره الأولى، وسيكون هذا هو الوقت المناسب لأتفرغ تمامًا لهما، وستكون فرصة أيضًا لأتفرغ لحلمي، فبالتأكيد هناك ما يمكن تحقيقه من المنزل في 40 ساعة أسبوعيًّا كنت أقضيها في العمل.

وقد كان.. بالفعل مع اقتراب الشهور الأخيرة لي في الحمل قررت أن الوقت حان.. ترددت كثيرًا ولم يكن القرار سهلًا أبدًا، بل أخذ مني الوقت الكثير وتهالكت أعصابي وقل نومي حتى هداني الله إليه.

أن تكوني امرأة عاملة يعني أن تقتطعي وقتًا ثمينًا من وقتك ووقت البيت والأطفال، ليس هذا فحسب بل أن تكوني دائمًا أمام اختيار أن تتركي طفلك مريضًا مثلًا لأنه ليس لديك في لائحة العمل أيام إجازات إضافية، وبالطبع ستكون إجازاتك على الأغلب مستغله في مثل هذه المواقف، وعليك مواجهة اعتقادات زملائك أو مدرائك وأحكامهم السلبية عليك لأنك قد تقدمين أسرتك وأطفالك على العمل في بعض المواقف، أن تكوني امرأة عاملة يعني أن تتخذي القرار بدقة متناهية وتضعي أمامك كل الملابسات التي قد تحدث وكيف عليك تحملها إذا اخترت هذا الطريق، أين سيقضي أطفالك وقت عملك؟ هل لديك أحد من أقربائك يمكنه العناية بهم؟ هل ستتحملين تداخل التربية بينك وبين العائلة؟ ما السن الذي ستتركينهم فيه هل هو سن المدرسة أم بعد الوضع بشهور؟ والسؤال الأهم على الإطلاق.. ما الهدف والدافع لعملك؟

لا أدعو النساء إلى التوقف عن العمل نهائيًّا لكن إذا اتخذت قرار العمل فتأكدي أن عملك سيساعدك على الأقل على تجاوز المشاعر النفسية السلبية التي ستواجهينها..

الخيارات دائمًا مفتوحة وأيًّا كان اختيارك وقرارك؛ عليك فقط أن تدرسي أبعاده على نفسك وأسرتك وتتابعي تأثير هذا القرار كل حين.. ولتعلمي أيضًا أن حياتنا مراحل، كل مرحلة لها أولوياتها.. يمكن أن نؤجل بعض أحلامنا في مرحلة ما إلى مرحلة أخرى.. المهم ألا ننسى هذه الأحلام في خضم معارك الحياة، وما من حلم مؤجل إلا لحلم آخر أسمى..

أما أنا فقد رحلت.. استقلت وتحررت.. لم أعد أجد دافعًا لبقائي في عمل لا أحبه يأخذ من وقتي وصحتي ووقت طفلي وزوجي وبيتي، يأخذ من ذهني ونفسيتي ويقتات عليهما بمعنى الكلمة.. بعد أن قدمت استقالتي شعرت أن غمامًا بدأ يتبدد من عقلي وحجرًا ثقيلًا أزيح من فوق صدري، عدت أبتسم براحة من جديد، عدت أفكر كتلك الفتاة التي تخرجت من الجامعة للتو بأحلام المستقبل وطموحاته.. بدأت أرتب حياتي ويومي وفق ما أريد أنا لا ما تريده (روتة) العمل ولوائح الإجازات..

أعلم أن قراري هذا سيصدم الكثير وقد يرحب به الكثير أيضًا لكن يكفيني أن القرار أتى بعد دراسة طويلة لشهور استشرت فيها واستخرت، أما المصدومون والمرحبون فأرجو منهم فقط .. أن يتمنوا لي التوفيق.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.