المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

دعاء الشامي Headshot

ماذا ستحكي لأبنائك عن الثورة؟!

تم النشر: تم التحديث:

يفتتح ماركيز كتابه "عشت لأروي"، وهو أقرب لسيرة ذاتية بجملة تختصر الكثير: "الحياة ليست ما يعيشه أحدنا؛ بل ما يتذكره وكيف يتذكره ليرويه"، منذ ثلاثة أعوام وهناك ما يقيدني عن ذكر تفاصيل الثورة ربما الإحباط أو الغضب، ولكنه لم يكن يوماً الندم، أقول لنفسي دوماً يناير هي الثورة وكفى، لن يغيرها ما تلاها، ولن يشجب تفاصيلها مرور زمن.

صباح الخامس والعشرين من يناير هذا العام يبدو جميلاً، أؤمن بالعلامات وأراها تقودنا لما يجب أن نراه ونفهمه سريعاً، استيقظت صغيرتي وحدها مُبكراً، وكانت سعيدة، وزَّعت بهجتها علينا بين ضحك وأحضان، شجعتني على النهوض واللحاق بها، رغم كوني إجازة من عملي، قرَّرت المرور على كورنيش الخليج في تلك البلاد البعيدة التي نعيش فيها، يعد هذا المكان متنفساً وحيداً لأمثالي ممن يمقتون الجدران وأجهزة النت.

في الطريق كانت جميع إشارات المرور خضراء، وجدتني أحدث نفسي "اليوم جميل، أشتاق إلى يناير ٢٠١١"، اخترت سماع أغنية "بحبك يا بلادي" بصوت عزيز الشافعي، تختصر تلك الأغنية كل الحكايات، تترجم كل ما كنا فيه، ربما لكونها تتحدث عمَّن دفعوا ثمن ثورتنا لحظياً، ولم يقسّطوه على مدار أعمارهم كما يحدث معنا، نغبطهم نحن على رحيلهم قبل متابعة ما آلت إليه الثورة، ولكن من يعرف ربما يغبطوننا لسبب لا نعلمه.

اخترت صورة لي أرسلها لي صديق أثناء المظاهرات بعد سنوات من الثورة، شاركتها أصدقائي على الفيسبوك، وجدت الكثيرين منهم يكتبون عن يناير وتفاصيلها، ربما لديهم الشعور ذاته، لم ندخل دائرة اليأس كلياً، ها نحن نتشبث بالأمل، باتت منصات التواصل الاجتماعي مزدحمةً بوسمَيْ "لِسَّاها ثورة يناير" و"أنا شاركت في ثورة يناير"، وحدهم الذين ضلوا الطريق أو باعوا مبادئهم ليكونوا نجوم المرحلة الحالية وألسنتها، كتبوا عن مباراة لكرة القدم سيخوضها المنتخب ليلاً، أو عيد شرطتهم.

a

مساءً جلست ابنتي تلعب مع صديقاتها، وبدأن الشجار على من يبدأ الغناء أولاً، جمعتهن وسألت عما يعرفنه عن هذا اليوم، ٢٥ يناير قبل ست سنوات؟! تنافسن سريعاً، قالت إحداهن وهي تعتصر ذاكرتها "الحرب... الخناقة" وعاجلتها أخرى "حصلت حاجة في مصر"، ثم قالت مليكة "حضرتك وبابا كنتوا هناك، وسبتوني عند بيت جدي، كنتوا بتهتفوا بحاجات كده، وتمشوا في الشارع"، لا بأس، بداية متواضعة، ولكنها جيدة مع فتيات كانت أكبرهن بعمر الخامسة عندما اندلعت الثورة.

ابتسمت وحكيت لهن عن ذلك المقهى المقابل لمسجد مصطفى محمود بمنطقة المهندسين، الذي كان مكان لقائنا وأصدقائنا المفضل خلال إجازات نهاية الأسبوع، فاخترناه لننطلق منه صباح الخامس والعشرين من يناير، أخبرتهن عن ضحكاتنا التي ملأت المكان، عن لا مبالاتنا بصفوف العساكر والضباط في الشارع أمامنا، عن استغراب شباب الحركات السياسية لنا ونحن نزخرف لافتاتنا علناً في المقهى، عن ذلك المخبر الذي دخل ليراقبنا فلم يسلم من نكاتنا، ونحن نرميه بنكاتٍ عن كونه مفضوحاً كمخبري الأفلام المصرية القديمة، لم يفهموا معنى كلمة "مخبر" شرحته لهن بتبسيط يليق بفتيات ولدت اثنتان منهن في الخليج، وتقتصر علاقتهن بمصر على زيارات سريعة نهاية العام الدراسي.

عدتُ لتفاصيل لحظة القبض على أصدقائنا، وترحيلهم في سيارة مصفحة إلى صحراء بعيدة، عن رجال الشرطة الذين طاردوني في الشوارع حتى أمسكوا بي، عن الخوف الذي كاد يثنينا عن المشاركة في المظاهرات، عن أذان الظهر من مسجد مصطفى محمود، الذي يخبرنا باقتراب الانطلاق إلى أول هتافات الثورة، هنا انطلقت مليكة بحماس وراثي وقالت بسعادة "بابا أول واحد هتف في الثورة"، ابتهجت قليلاً ها هي الآن تعاودها الذاكرة من حكاياتنا السابقة.

s

سألتها وماذا قال؟ صرخت عالياً "تحيا مصر"، كان أبوها براء أشرف أكثرنا شفافية، وصاحب ذلك الصوت الذي شقَّ صفوف المصلين عقب صلاة الظهر، وسط قلوب خائفة وتشكيلات مخيفة من قوات الشرطة التي تمترست لتحوط المسجد؛ بل المنطقة كلها، دوَّى الهتاف سريعاً، فترك في القلوب شجاعةً، وفي الروح أملاً، عرف براء مبكراً أن ما يحدث ليس مجرد مظاهرات عابرة؛ بل ثورة حقيقية، آمن بها منذ بالبداية، ولم يكفر بها في أشد لحظاتها حرجاً، ظل هكذا إلى أن رحل وفياً لها، موجوعَ القلب والروح على حاضرها؛ لكنه لم يفقد الأمل.

طلبت مليكة أن يشاهد أصدقاؤها صورة أبيها يهتف، بحثت عن الصورة ومررتها عليهم وأخبرتهم أنها صورة في يوم لاحق بعد الثورة ذاتها بعامٍ كامل، كان براء يقفُ مُعتلياً سيارة مُستأجرة ممسكاً بمكبر صوت، وإلى جانبه صديقه إسلام لطفي، وظل يهتف "يسقط يسقط حكم العسكر، هم شيوخ واحنا شباب، مات علشانها الشيخ عماد يسقط يسقط الاستبداد" وهنا تحديداً بكى بحرقة، كان موت الشيخ عماد عفت موجعاً، نافسه موت براء فيما بعد.

أخبرتهم أننا لم نهتم يومها بالتصوير؛ لأننا كنا ننتظر الموت، رأيت في أعينهم أسئلةً كثيرة بدأتها "سارة" أصغر الفتيات، التي كانت بعمر الثانية عندما اندلعت الثورة، قالت: "كان ممكن تموتوا، طيب ليه شاركتم؟!"

أجبتها بصراحة، في البداية سيطر علينا الخوف، فالشرطة كانت دوماً تقتل وتضرب وتُعذِّب؛ ولكن عندما شاهدنا الجموعَ كثيرة والهتافات عالية اندمجنا في الحشود، وقررنا أن نواصل المظاهرات رغم العنف والضرب والقتل، واصلت حديثي، أمَّا لماذا فهو من أجلك أنتِ يا سارة ومليكة وكرمة ونانسي ولمى، جميعكن وكل أطفال مصر، كنا نريد بلدنا أجملَ؛ لأنها كانت غارقة في ظلم شديد قبل ثورتنا، وحلمنا أن نزيح هذا الكابوس.

التقطتُ هاتفي وأجريت بحثاً سريعاً عن ذلك اليوم، أغرقتني مشاهد تختصر التفاصيل الكثيرة التي ربما تتخطى أعمارهن، اخترت أحدها وشاهدناه معاً، عدت وقتها إلى لحظة التقاء حشود ناهيا مع مجموعات مصطفى محمود، لحظة هتفت فيها السيدات من شرفاتهن، وأرسلن مع الهتاف دعواتٍ بالحفظ والرعاية، لحظة دخولنا ميدان التحرير، لحظات التعب والوهن بعد مباريات الجري والهرب من الغاز والعصي، لحظات جفاف الحلق من الهتاف، ثم لحظة افتراشنا وسط الميدان وتوزيع البطاطين استعدادً للمبيت، وصولاً إلى تفريقنا بقنابل الغاز؛ تذكرت أنفاسي المقطوعة هرباً من قنابل الغاز، ودقات قلبي المتواثبة بحثاً عن منقذ من هراوة غادرة، هاجمتني اللحظة لم أجد فيها براء بجواري وسط معمعة الهروب من قنابل الغاز القاتلة بعد منتصف الليل، وكأنني طفلة فقدت أباها وسط حرب، لا أعرف حتى لحظتنا هذه كيف وصلت إلى السور ولا كيف تسلقته، متى قابلت علي عبدالمنعم صديقنا وكيف صعدنا لبيت جدة زوجته مريم، القريب من الميدان لنواصل بحثنا عن الجميع هاتفياً، لم نَنَمْ ليلتها لحظة واحدة، كانت ليلة العمر برعبها وجمالها.

w

تعلقت عيون الفتيات بالحكاية، إذن هنَّ يستمتعن، واصلت، بقينا هناك ثمانية عشر يوماً، كل يوم يحمل حكايات كثيرة، تحتاج لوقت أطول، ولكن خبِّرنني هل كنتنَّ لتشاركن في ثورة كهذه؟!

نظرن لبعضهن البعض، بدأن يتخيلن الوضع، ارتسم الرعب على وجه سارة، أصغرهن، وقالت إنها ستخاف، فيما أعلنت بقية الفتيات استعدادهن لأنهن يردن لبلدهن أن تكون جميلة، يسودها العدل والسلام.

ابتهجتُ، وسألت نفسي كيف دفعنا الواقع لنفوت فرصة كهذه ونتوقف عن الحكي عن يناير؟ مَن لهؤلاء الصغار وسط هذا العالم المجنون؟ هل سنسمح لمزيفي التاريخ أن يسلبونا ذاكرتنا؟! نحتاج أن نحكي عن ثورتنا لهؤلاء الأطفال أكثر من حكينا لأنفسنا.

تلبستني ذكريات يناير كجنية لا تريد أن ترحل، أيقظت داخلي ثورة شوق إليها، مرَّ الوقتُ سريعاً ليحين موعد نوم الفتيات استعداداً للمدرسة غداً، رفضن الذهاب، حاولت إقناعهن بهدنة مؤقتة نستكمل بعدها الحكايات نهاية الأسبوع؛ يحتاج الأمر لإنعاش سريع للذاكرة استعداداً لكل الأسئلة المرتسمة على وجوههن.

في طريق عودتنا للمنزل اخترت "بحبك يا بلادي" هتفت مليكة فرِحة "بحب الأغنية دي يا ماما، كنت باسمعها وأنا صغيرة" وظلت تستمع إليها عبر الهاتف حتى غرقت في النوم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.